مقالات

الإناء ينضح بِمَ فيه

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

وجهة نظر في سيكولوجيّة النّقاء الدّاخلي وجبروته في مواجهة الشّر!!

ففي زمن تتقلّب فيه النّفوس بين الشّكوك والتّوجّس ويصير الحذر منهجاً والظّنون مرجعاً…
يطلع بين الفينة والأخرى نموذجاً بشريّاً نادراً يثير الدهشة والحيرة معاً !!!!!!
ذاك الانسان الذي يابى ان يسقط شرور الاخرين على قلبه ويصر على ان يعامل الناس بحب ووفاء غير مبال بمن يتربصون به ولا مكترث بمن يحكمون عليه مسبقا بانه ساذج او غافل.!!

ذلك الانسان الذي سئل: لماذا اسنانك صفراء؟
لماذا تبتسم دائما؟
لماذا تعامل الناس باخلاص رغم كل الخيبات؟
لماذا لا تشك في نواياهم الشريرة حتى تتقي شرها؟
فاجاب بكل صفاء:
“لان نفسي صافية تحمل الحب والاطمئنان ولا اظن بالناس شرا وحتى حين تحدثني حاستي السادسة عما في نفوسهم!!
اقول: قدر الله وما شاء فعل.”

هذه الاجابة ليست كلمات عابرة بل هي مرآة تعكس فلسفة وجودية كاملة ورؤية نفسية عميقة تستحق الوقوف عندها طويلا.!!!!

اولا: الاناء ينضح بما فيه هو الجوهر النفسي للشخصية النقية:

فيقول المثل الشعبي:
“الاناء ينضح بما فيه”
وهذه حقيقة نفسية لا تقبل الجدل.
فالانسان لا يعطي الاخرين الا ما يملكه في داخله.
من كان قلبه مستقرا وآمن بالخير كقيمة مطلقة لا تتزعزع ..
فان افعاله ستنضح بالحب مهما كانت ردود الافعال من حوله.
وهذا ليس ضعفا بل هو اقوى صور القوة النفسية التي يندر اتقانها.!!

وهنا نشاهد ان الشخصية التي تبتسم رغم الالم وتعطي رغم الجرح وتثق رغم الخيانة!!
ليست شخصية غافلة عن الواقع بل هي شخصية اختارت ان تكون مصدرا للضوء في عالم يموج بالظلام.
انها تعي تماما ان الشر موجود لكنها ترفض ان تتخذ منه عدوا لها. .
بل تتعامل معه كقدر الهي قدّره الله فتمضي في طريقها غير منكسرة ولا مرتابة.!!

وهذا ما يفسر اجابته عن حاسته السادسة:
فهو يستشعر الشر لكنه لا يسمح له بان يغير جوهريته.
انه يضع حدا فاصلا بين المعرفة والسلوك.
وبين الوعي والتفاعل.
وهذا هو سر عبقريته النفسية.!

ثانيا: قوة الشخصية النقية هي حين يكون الصفاء سلاحا!!

بعلم النفس التحليلي تعرف الشخصية التي تمتلك هذا المستوى من الاتزان الداخلي بـ
“الشخصية المتكاملة”
وهي تتسم بعدة سمات تعكس قوة استثنائية:

اولا: الوعي الذاتي العالي:
فتعرف نقاط قوتها وضعفها فلا تحتاج الى اسقاط عيوبها على الاخرين….

ثانيا: الاستقلال العاطفي:
فلا تتعلق مشاعرها بردود افعال الناس، بل هي مصدر سعادتها ذاتي.
ثالثا: الحكمة الوجودية:.
فتُؤمن بان الخير والشر جزء من نظام كوني اوسع، فلا تاخذ الامور بشكل شخصي.!!
رابعا: المرونة النفسية:
فتواجه الصدمات دون ان تنكسر لانها تتعامل معها كخبرات لا كاحكام على قيمتها الذاتية.!!

بهذه السمات تجعل الشخصية النقية قادرة على العطاء دون انتظار مقابل
وعلى الحب دون خوف من الغدر وهذا لا يعني انها ساذجة بل يعني انها تمتلك من القوة ما يجعلها فوق الحاجة الى التحصن الدائم بالشكوك والظنون.!!

ثالثا: ضعف الشخصيات الشريرة : فحين يكون الظن عذرا للفشل!!

على النقيض نجد الشخصيات التي تمتلئ بالشك وتستبق الاخرين بالظنون وتبرر فشلها في العلاقات الانسانية بان
“الناس كلهم شريرون”.
هذه الشخصيات ليست قوية كما تظن بل هي في الحقيقة شخصيات هشة تعاني من:

١_ مشاعر النقص :
فتبرز عيوب الاخرين لتشعر بتفوق مؤقت.
٢الخوف من الضعف،: فتظن ان الثقة ضعف والحب جهل والصفاء سذاجة.!! ٣انعدام الامن الداخلي :
فهي بحاجة دائمة الى ادلة على خيانة الاخرين لتبرر عجزها عن بناء علاقات صحية.!!

هذه الشخصيات لا تدرك ان شكها الدائم ليس دليلا على ذكائها بل هو دليل على عجزها عن تحمل مسؤولية اختياراتها.
انهم يلومون العالم الخارجي بدل ان ينظروا الى ما بداخلهم من فراغ وقلق.؟؟
رابعا: الحاسة السادسة والقدر و فلسفة التوازن بين الوعي والتسليم!!

ما قاله ذلك الانسان عن حاسته السادسة هو مفتاح فهم فلسفته العميقة.
فهو لا ينكر الشر ولا يتغافل عن وجوده لكنه يختار الا يكون اسيرا له..
يقول:
“قدر الله وما شاء فعل”..
هذه العبارة تحمل في طياتها رؤية توحيدية عميقة تجمع بين:

١الوعي العقلي الذي يقرأ النوايا ويدرك الخبايا. ٢التسليم القلبي الذي يضع النتائج بيد الله، فلا ياخذ الامور على محمل شخصي.

وهذه هي ذروة النضج النفسي والروحي:
ان ترى الشر وتقر بوجوده ثم تمضي في طريق الخير وكأنك لم تره..
انها قدرة على التعايش مع التناقضات دون ان تمزقك وهي سمة العظماء والمؤثرين حقا في التاريخ.!!

خامسا: رسالة الى العالم ولماذا نحتاج الى هذه الشخصية اليوم؟

ففي عالم تتسارع فيه ايقاعات الحياة وتزداد فيه الحساسيات وتكثر فيه الاحكام المسبقة تصبح الشخصية النقية كالنافذة التي تسمح بدخول الضوء الى غرفة مظلمة.
نحن بحاجة الى من يذكرنا بان:
١الابتسامة ليست ضعفا، بل هي تحد للظلام. ٢الحب ليس سذاجة، بل هو اعلى درجات الشجاعة.
٣_الثقة ليست غفلة، بل هي قرار واع بان نعيش الحياة بمعنى اعمق.

وان من يختار ان يكون اناء ينضح بالخير رغم كل ما يراه من شر لهو في الحقيقة من يكتب قصة انتصار الروح على كل ما يحاول كسرها.
وهو من يمنحنا جميعا درسا في كيف تكون الحياة جميلة ليس لانها خالية من الالم بل لاننا اخترنا الا نكون الالم.!!

وهنا اقف لنقول :
نستطيع ان نقول ان تلك الشخصية التي سئلت فاجابت بصدق واصالة ليست الا نموذجا حيا لما يمكن ان يكون عليه الانسان حين يحرر نفسه من اغلال الظنون ويملأ قلبه بالحب والاطمئنان.
انها دعوة صامتة لكل واحد منا ان يسأل نفسه:
هل انا اناء ينضح بما فيه من خير؟.
ام اني اسير لشرور الاخرين حتى قبل ان تظهر؟

فلنختر ان نكون كمن قال:
“نفسي صافية”
فهذه هي القوة الحقيقية التي لا تغلب،
وهذا هو النقاء الذي يبقى حين يتلاشى كل شيء.

عكـس الاتّجـاه نيـوز

الحقيقـة الـكاملـة

معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى