مقالات

القارورة والرّحم … حين تغتصب التّكنولوجيا حكاية الحبّ الأولى

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
الإنسان إلى أين؟

تأمّلات في زمن الرّحم الفولاذي …. ومعها أنين الشّعور الإنساني المفقود

في البدء كانت القبلة ثمّ كانت الرّغبة ثمّ كان الرّحم ….. ذلك الكهف المهيب الذي احتضن البشريّة منذ طفولتها الأولى حيث يلتقي الماء بالدم وحيث تتناجى الخلايا بلغة لا يفكُّ شفرتها إلا خالقها. كنا نخرج من الظّلمة إلى النّور نندفع مع أنين الأمهات وآلامهنّ ونولد مغمورين بدماء الحبّ الأول …
بدماء التّضحية التي لا تبارى ….

والآن…؟

ها هو الباحث في معمله البارد يقلب المعادلة رأساً على عقب ….
لا رحم من لحم ودم بل قارورة زجاجيّة ومختبر معقم وشاشات رقميّة ترصد كلّ خفقة قلب لجنين لم يذق طعم الحياة بعد ……
ثلاثون ألف طفل في العام يخرجون من خط الإنتاج كما تخرج السّيارات من معامل التّجميع ….
تختار لهم لون المقلتين ودرجة النّباهة ومقاومة الأسقام وكأنّك تطلب قهوتك في مقهى :
“كابتشينو مع رشفة من عبقريّة من فضلك”.

أيّها الإنسان أين أنت من ذاتك؟

لطالما عرفناك أيها الكائن العجيب. أنت الذي تذرف دمعة على قبر والدتك وتخفض رأسك بخشوع حين يمر بك اسم من تهوى. أنت الذي تشتاق إلى رائحة الثرى بعد الغيث وتفيض عيناك حين يمر طفل صغير يقهقه. أنت يا من تحمل في شريطك الوراثي ذكرى آدم وشوقه إلى الجنة وفيك شرارة إبليس وتمرده.

والآن تريد أن تنصب نفسك خالقاً؟
تنسخ الجينات وتعدل الكروموسومات وتصنع الحياة في الزجاج …..
تتناسى أن في رحم أمك كانت معجزة لا تدركها كل أجهزتك الإلكترونية.
تلك اللحظة التي يقرر فيها الجنين أن يقبض على إصبع أمه من داخل البطن تلك القبلة الأولى التي لا تلتقطها الموجات فوق الصوتية ذلك السر الذي يعرفه التراب والماء والسماء ولا تعرفه أنت .

الشعور الإنساني… أيها الغائب الحاضر

لكن دعني أهبط بك إلى الأعماق أيها المهندس الجديد للبشرية:

ماذا سيحدث للوشيجة الإنسانية بين ذلك الطفل المزروع في القارورة وبين أبويه اللذين لم يحملاه تسعة أشهر؟

تخيل معي هذا المشهد الموجع:

طفل يبلغ السابعة يسأل أمه: “أمي أين كنت تختبئين حين كنت في القارورة الزجاجية؟
أكنت تهمسين لي كل ليلة كما تهمسين لأخي؟
أكنت تضعين كفك على الزجاج وتحسين بحركتي؟ أكنت تبكين فرحاً حين سمعت خفقات قلبي أول مرة؟”

الأم تنظر إليه… ولا تجيب. لأنها لم تهمس له. لم تضع كفها. لم تبك فرحاً. كل ما حدث أنها وقّعت عقداً ودفعت ثمناً واستلمت طفلاً جاهزاً كما تستلم طلبية من متجر إلكتروني.

أيها العلم أين الأحاسيس من هذه المعادلة؟

الرابطة التي لا تولد في المختبر

أنصت إلي أيها العبقري الذي يظن أنه فك طلاسم الحياة:

تغفل أن العلاقة بين الأم ووليدها تبدأ قبل الولادة بتسعة أشهر كاملة. تبدأ بتلك الرعشة الأولى حين تعلم أنها حامل …..
بذلك الخوف الممزوج بالفرح. بذلك التعب الذي يضحكها رغم ألمه. بذلك الغثيان الصباحي الذي تصحوه لتقول:
“أهلاً بك يا صغيري” .
بذلك الشوق الذي يجعلها تحدث بطنها كل ليلة وتشغل له الموسيقى وتأكل ما يشتهيه وتضطجع على شقها الأيسر كي ينام هو مرتاحاً.

هذه الشهور التسعة ليست مجرد فترة حمل. إنها درس حب عملي وتمرين أمومة يومي ومعجزة تواصل صامت لا تفك رموزه لا أجهزة الرنين ولا التحاليل الدموية ولا كل شاشات العالم.

الطفل في الرحم يسمع نبض أمه قبل أن يسمع أي صوت في الدنيا. يرقص على إيقاع قلبها. يناغم نفسه مع تنفسها.
يحس بقلقها فيضطرب وبفرحها فيركل وبحزنها فيسكن. هذه اللغة المشتركة لا تترجم إلى شيفرات حاسوبية. هذه المحبة الخام تنضج على نار الانتظار الطويل لا على حرارة القارورة المعقمة.

الأب أيضاً… ذلك الغائب الحاضر

ولا ننسى الأب. ذاك الذي يضع كفه على بطن أمه فيحس برفرفة جناح طائر تحت جلدها. ذلك الذي يركض ليشتري لها ما تشتهي في هجعة الليل.
ذلك الذي يقف خارج غرفة العمليات وهو يرتجف لا يدري أيدخل أبوداً أم يدخل يتيماً لحظياً قبل أن تزلزل الحياة صرخة المولود الأول.

في عالم الزجاج يصبح الأب مجرد متبرع بمائه رقماً في ملف اسماً في عقد ….
لا رحلة استعداد ولا ليالي سهر ولا ربط حذاء الصغير بأنامله المرتجفة وهو يكتم عبرته أمام الممرضات.

فأي أب سيكون هذا؟ أي شعور سيربطه بطفله حين لم يحمل كفه على بطن أمه وهو ينمو؟سيكولوجيا المولود الزجاجي

دعني أذهب بك إلى أبعد من ذلك أيها القارئ المتأمل:

الطفل الذي يخرج من القارورة لن يعرف معنى التماس الجلدي الذي يصر عليه أطباء الأطفال اليوم. لن يحس بدفء جسد أمه عليه فور خروجه إلى هذا العالم القارس ….
لن يسمع نبضها وهو فوق صدرها ذلك النبض الذي كان سماعه طوال تسعة أشهر هو سيمفونية حياته الوحيدة.

سيعرف فقط نبض الآلات وأضواء الشاشات وصوت أجهزة التنفس الاصطناعي. سيكون أول صوت بشري يصل إليه هو صوت الممرضة التي تسلمه كسلعة وليس صوت أمه المبحوحة من البكاء وهي تقول: “ولدي… ولدي… أخيراً أبصرتك عيناي”.

ترى هل سيكون هذا الطفل قادراً على الحب كما نحب؟
هل سيعرف كيف يعانق حين يعانق؟ هل يفقه معنى الدفء العاطفي وهو لم يعرف دفء الحضن إلا عبر منظم حرارة القارورة؟

العلم يخبرنا أن أول ثلاث دقائق بعد الولادة وأول ثلاث ساعات وأول ثلاثة أيام هي نافذة ذهبية لتكوين الشعور بالأمان لدى الرضيع.
تخيل أن تفقد هذه النافذة بأكملها… وتستبدلها بقارورة زجاجية وشاشة رقمية.

الأمومة التي تتحوّل إلى معاملة بنكية

وهنا يزلزل السؤال الأكثر إيلاماً أيها القارئ الناقد:

ماذا سيكون حال الأمهات؟
تلك الكائنات التي فطرها الله على حب لا يكال بميزان ….
التي تحمل في أحشائها نطفة ثم علقة ثم مضغة وتضحك وهي تتقيأ وتنام وهي تتألم وتحلم وهي تخاف.

فجأة يأتي العلم ويقول لها: “لا حاجة لكل هذا العناء. اجلسي في بيتك واختاري مواصفات طفلك على التطبيق وادفعي ثمن القارورة واستلمي الطفل بعد تسعة أشهر… كأنه وجبة سريعة.”

أي إهانة هذه للأمومة؟
أي تجريد للحمل من معناه؟
أي سلب لمعجزة كون المرأة وعاء الحياة؟

الأمومة ليست مجرّد توفير بويضة…
الأمومة هي أن تحمل المرأة في جوفها سراً لا تعرفه الملائكة وأن تئن من الألم فتهتف لها السماء وأن تدفع بطفلها إلى الحياة وكأنها تدفع بقطعة من روحها.

هذا لا يستبدل بقارورة ولا بمختبر ولا ببراءة اختراع.

الأب بين الرثاء والضياع

والأب؟ أب يستلم طفله جاهزاً لم يسمع نبضه من وراء جدار الرحم ولم يضع يده على بطن حبيبته ويحس بحركة صغيرة تغير مسار حياته إلى الأبد.

هذا الأب سيكون غريباً عن طفله وطفله غريباً عنه. العلاقة بين الأب وولده لا تبنى في يوم التسليم بل تبنى في تلك الليالي التي كان الأب يهمس فيها للجنين عبر جدار البطن: “أنا أبوك أنا هنا أنتظرك بفارغ الصبر.”

بدون هذه اللحظات يصبح الأب مجرد ممول وليس والداً. يصبح اسمه في شهادة الميلاد مجرد إجراء شكلي وليس نبضاً في حياة طفل يبحث عن قدوة وعن حضن وعن صوت خشن يطمئنه في الليل: “لا تخف أنا معك.”

العلم… أيها السيف ذو الحدين

نعم العلم نور. بفضله داوينا السرطان وطوّرنا الأعضاء وأطلنا الأعمار.
العلم هو الذي أخبرنا أن الأرض تدور وأن الدم يجري وأن الكون يتسع. نحن مدينون للعلم بكل نبضة حضارة نعيشها.

لكن… متى تحول العلم من أداة لفهم الحياة إلى أداة لاستبدالها؟ متى صرنا نعيد تعريف الحياة كمنتوج قابل للتصنيع بدلاً من هبة تتلقى بالذهول والحب؟

بين أن تعالج العقم وبين أن تصنع طفلك كوجبة سريعة بون شاسع. بين أن تساعد رحماً عقيماً وبين أن تلغي الرحم من المعادلة كلها فرق هائل …
الأول رحمة والثاني… ماذا؟ استكبار؟ عجرفة؟
أم مجرد انبهار طفولي بقدراتك التقنية يجعلك تفقد بوصلتك الأخلاقية؟

الخيال… أيها الجنون الجميل

في خيالنا نصنع عوالم موازية. نكتب شعراً ونرسم لوحات ونحلم بمدن طافية فوق الغيوم. الخيال هو ما حملنا إلى القمر وغاص بنا في أعماق البحار وحاول بنا فهم لغة الدلافين.

لكن الخيال حين يتحول إلى مشروع الزجاج على أرض الواقع فإنه لم يعد حلماً جميلاً بل كابوساً مبطناً بغشاء بلاستيكي شفاف. تخيل عالماً لا يعرف الأطفال فيه معنى الحضن ولا يسمعون خفقات قلب أمهم في الليالي المظلمة.
عالم ينشأ فيه الإنسان في حاضنة زجاجية ثم يخرج إلى ضجيج الآلات وليس إلى همسات الأمهات.

هذا ليس خيالاً …..
هذا جنون متوحش بثياب التقدم العلمي.

وشوشة أخيرة للشعور الإنساني

دعني أسائلك الآن أيها الإنسان الذي يظن أنه يستطيع هندسة كل شيء:

متى كانت آخر مرة بكيت فيها بحرية؟ متى كانت آخر مرة شعرت فيها بدفء يد أمك على مفرق رأسك وأنت شاكٍ؟ متى كانت آخر مرة احتضنك فيها أبوك بقوة وقال لك : “أنا فخور بك”؟

هذه المشاعر لا تبرمج. لا تستخلص في أنابيب الاختبار. لا تحفظ في قوارير.

الشعور الإنساني هو ما تبقى لنا بعد أن جردتنا الحضارة من كل شيء. هو بصمة الخالق فينا. هو السر الذي لا تفسره الجينات. هو الروح التي توهبنا الحياة ولا نعلم من أين تأتي.

الإنسانيّة … إلى أين؟

دعني أختم بسؤال واحد أيها القارئ الكريم أيها الإنسان الذي يقلب هذه السطور الآن:

أترضى أن تعيش في عالم يحضن فيه الطفل آلة ويقهقه مع شاشة ويبكي وحيداً في قارورته ويتساءل طوال حياته: “من أنا؟ ولماذا لا أشعر بشيء؟”

أم تريد عالماً يولد فيه الطفل من رحم ويسمع نبض أمه ويحس بدفء أبيه ويكبر وهو يعرف أنه جاء إلى هذه الدنيا محبوباً قبل أن يكون شيئاً آخر؟

الإنسانية ليست في أن نصنع الحياة. الإنسانية في أن نحياها بكل تناقضاتها بألمها ومتعتها بفقدانها ووجدانها بموتها وحياتها.

الإنسانية ليست في القارورة الزجاجية ….
الإنسانية في القلب النابض الذي ينتظر تسعة أشهر كاملة ليرى طفله ثم يفيض دمعاً فرحاً وكأنه لم يبك من قبل.

فليذهب مشروع الزجاج إلى حيث يستحق… إلى أرشيف الأفكار المجنونة التي لا تستحق أن تخرج من شاشة فيلم خيال علمي فالحياة ليست لعبة إلكترونية والإنسان ليس شخصية قابلة للنسخ واللصق.

الإنسانيّة … هي أن تبقى إنساناً.

وهذا لا يصنع في مختبر.

خاتمة المقال وبداية السؤال المصيري الذي يقرع أبواب روحك الآن:

أأنت مستعد لتكون إنساناً… حقّاً؟

أأنت مستعد أن تحب بلا قيد وأن تعانق بلا سبب وأن تكون أباً أو أماً ليس لأنك اخترت المواصفات بل لأنك اخترت أن تحمل في صدرك نبضاً غير نبضك؟

أأنت مستعد أن تعيش الحياة بكل فوضها المقدسة بدلاً من أن تصممها كما تصمم خطة عمل؟

إن كنت مستعداً… فاهرب من القوارير.
اركض نحو الرحم …
نحو الحضن …..
نحو الصرخة الأولى التي تعلن أن الحياة لا تصنع ……

الحياة تعاش …..

فليذهب مشروع الزجاج إلى حيث يستحق… إلى أرشيف الأفكار المجنونة التي لا تستحق أن تخرج من شاشة فيلم خيال علمي فالحياة ليست لعبة إلكترونية والإنسان ليس شخصية قابلة للنسخ واللصق.

الإنسانية… هي أن تبقى إنساناً.

وهذا لا يُصنع في مختبر.

نهاية المقال وبداية السّؤال الحقيقي :

هل أنت مستعد لتكون إنساناً… حقّاً؟

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى