مقالات

حين يتكلّم الصّمت .. كيف يكشف الحيوان زيف لغتنا ويُظهر حكمة الله في الخلق ؟!

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

إنّي أرى أنّ الصّمت كمعرفة الحيوان نموذجاً … والإنسان سؤالاً ..

تشكّل العلاقة بين الإنسان والحيوان مجالاً خصباً للتحليل الفلسفي خصوصاً حين تُقرأ من زاوية تتجاوز السلوك الظاهري إلى بنية الوعي وطبيعة اللغة وحكمة الخلق الإلهي فالمشهد الذي يبدو بسيطاً عندما تسهر القطة بجانب صاحبها و تستجيب لحزنه دون لغة منطوقة يفتح باباً واسعاً لإعادة النظر في مفاهيم مركزية مثل الإدراك التعبير والوجود

فهذا المقال يقدّم مقاربة فلسفية صارمة لهذا السؤال مستنداً إلى مراجع كلاسيكية وحديثة مع إبراز البعد الإلهي في توزيع القدرات بين الكائنات.

أولاً _ اللغة كأداة للوجود … أم كقيد عليه؟

يرى مارتن هايدغر في كتابه “الوجود والزمان” أن «اللغة هي بيت الوجود»، أي أنها الوسيط الذي يُظهر العالم للإنسان.
غير أن هذا التصور يفترض أن الكائنات التي لا تمتلك لغة بشرية تعيش نقصاً وجودياً وهو افتراض يتعارض مع ما يقدّمه الحيوان من قدرة عالية على التواصل غير اللفظي.

أمّا لودفيغ فيتغنشتاين في “بحوث فلسفية” فيذهب إلى أن حدود لغتنا هي حدود عالمنا .
لكن الحيوان الذي لا يتقيد بهذه الحدود يبدو قادراً على إدراك حالات الإنسان النفسية دون المرور عبر اللغة مما يشير إلى أن اللغة ليست شرطاً للوعي بل قد تكون قيداً عليه.

وهنا يظهر سؤال فلسفي محوري :
هل اللغة توسّع أفق الإنسان أم تحجبه عن أشكال أعمق من الإدراك؟

ثانياً _ الإدراك الحيواني… بين الظاهراتية والذكاء الفطري !

تقدّم الظاهراتية خصوصاً في أعمال موريس ميرلو-بونتي إطاراً لفهم الإدراك بوصفه تجربة مباشرة لا تحتاج إلى وساطة لغوية.
فالحيوان لا “يفسّر” الإنسان بل “يعيشه” عبر :
١ _ قراءة الإيقاع الحركي
٢ _ التقاط التوتر العضلي
٣ _ ملاحظة تغيرات التنفس
٤ _ الاستجابة للروائح الكيميائية المرتبطة بالحالة النفسية

هذه القدرة ليست مجرّد غريزة بل شكل من الذكاء الفطري الذي يتجاوز التحليل اللغوي.

إن القطة التي تسهر بجانب صاحبها الحزين لا تمارس سلوكاً آلياً بل تمارس تعاطفاً إدراكياً لا يحتاج إلى لغة وهو ما تؤكده دراسات حديثة في علم السلوك الحيواني مثل أعمال كونراد لورنتس وفرانس دي فال.

ثالثاً _ حكمة الخلق … لماذا لا يتكلم الحيوان لغتنا ؟

من منظور لاهوتي-فلسفي يمكن قراءة صمت الحيوان بوصفه جزءاً من نظام إلهي متوازن.
فالإنسان مُنح اللغة لكنه مُنح معها القدرة على :

١ – الإخفاء
٢ – التزييف
٣ – الفصل بين القول والفعل

بينما الحيوان بصمته مُنح القدرة على :

١ _ الصدق الفطري
٢ _ التعبير بالفعل لا بالقول
٣ _ الحضور غير المشروط

وهنا تتجلّى حكمة الله في قوله تعالى:
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾
إشارة إلى أن لكل كائن نظامه الإدراكي والوجودي الخاص وأن اختلاف اللغات ليس نقصاً بل تنويعاً في طرق الإدراك.

إن حرمان الحيوان من اللغة البشرية ليس حرماناً من القدرة بل حماية من الزيف وتثبيت لوظيفة وجودية :
أن يكون شاهداً على أن الحب يمكن أن يُمارس دون خطاب وأن الوفاء يمكن أن يتحقق دون وعد وأن الحضور يمكن أن يكون أبلغ من الكلام.

رابعاً _ الحيوان كمرآة أخلاقية للإنسان !!

تُظهر التجربة الإنسانية أن الحيوان و خصوصاً الحيوانات الأليفة يمارس دوراً أخلاقياً غير مباشر .
فهو يقدّم نموذجاً للحب غير المشروط ويذكّر الإنسان بأنّ :

١ – الفعل أصدق من القول
٢ – الصمت قد يكون لغة
٣ – الحنان لا يحتاج إلى ترجمة
٤ – القرب الحقيقي لا يُعلن بل يُمارس

وهذا الدور الأخلاقي يتسق مع حكمة الخلق الإلهي حيث تُوزّع القدرات بين الكائنات بما يكمّل بعضها بعضاً ويعيد الإنسان إلى جذور المعنى التي فقدها في عالم يزدحم بالكلام.

و نحو فهم جديد للصمت الحيواني فإنّ صمت الحيوان ليس فراغاً لغوياً بل بنية معرفية وروحية.
وقدرته على فهم الإنسان دون لغة ليست لغزاً بيولوجياً بل جزء من حكمة الخلق التي تجعل من الحيوان كائناً :

١ – صادقاً في حضوره
٢ – مباشراً في تعبيره
٣ – نقياً في عاطفته
٤ – شاهداً على أن اللغة ليست شرطاً للحب ولا معياراً للوعي

وبذلك يتحوّل المشهد البسيط ( قطة تسهر بجانب صاحبها ) إلى أطروحة فلسفية كاملة حول طبيعة الوجود وحدود اللغة وعمق الحكمة الإلهيّة في خلق كائنات تتكلّم بالفعل حين نعجز نحن عن التّعبير بالكلام .

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى