مقالات

عندما يصنع الذّكاء دواءً للرئة .. فيُفاجئنا بعقار يُعيد عقارب السّاعة

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
في صباح أحد الأيام لم يكن أحد في مختبرات شركة “إنسيليكو ميديسين” يتوقع أن الجزيء الذي صممته الخوارزميات لوقف تليف الرئة سيفعل ما هو أعجب من ذلك. كانوا يبحثون عن مفتاح لوقف معاناة مرضى يلهثون بحثاً عن نفسٍ لا يأتي فإذا بهم يعثرون على عتلة قد تعيد ضبط الساعة البيولوجية للجسم بأكمله …..
هذه ليست حكاية خيال علمي بل هي حقيقة مختبرية تلوح في الأفق تحمل اسم “رينتوسيرتيب” وهي تطرح سؤالاً لم نعتد طرحه بهذه السرعة:
ماذا لو كان دواء أحد الأمراض المزمنة هو نفسه تذكرة العبور إلى زمن آخر من الحيوية؟

دعوني أكون صريحاً معكم منذ البداية: هذا ليس اكتشافاً عابراً بل هو ثمرة هندسة معقدة. لقد فوّض العلماء عقولاً آلية لتفحص بروتين اسمه “تنيك” كما يفحص الجواهرجي حجراً كريماً لتجد تلك العقول أن هذا البروتين هو العقدة التي تفسد نسيج الرئة وتصلّبه.
ومن هناك صُمم الجزيء بدقة جراحية. لم يمضِ وقت طويل حتى انتقل الدواء من شاشات المحاكاة إلى أجساد المتطوعين وهنا بدأت المفاجأة التي تستحق أن نرفع لها الحاجب.

في المرحلة الثانية من التجارب تحسنت سعة الرئة لدى المرضى بشكل ملحوظ بينما تدهورت أحوال نظرائهم الذين تناولوا العلاج الوهمي. هذا وحده كان نصراً. لكن التحليل الإضافي هو الذي هزّ كراسي العلماء: أولئك الذين تناولوا جرعة ثلاثين ملغراماً مرتين يومياً لم تتحسن رئاتهم فحسب بل انخفضت أعمارهم البيولوجية بمعدل يتراوح بين ثلاث وأربع سنوات وصولاً في نماذج معينة إلى ست سنوات وذلك بعد أربعة أسابيع فقط.

هنا أقف أنا كصحفي وأتساءل: هل نشهد ولادة “فيتامين الشباب” الأول أم أننا نضحك على أنفسنا؟؟؟؟؟؟
دعني أوضح الفارق الدقيق فالعمر البيولوجي يختلف عن عمر الميلاد. هو مقياس لحالة الخلايا والبروتينات وليس عدد الشموع على الكعكة.
لكن التقدم في هذا المقياس يعني نظرياً أن مفاصل هذا المريض قد تشعر بمرونة أكبر وأن جهازه المناعي قد يستعيد بعضاً من عنفوان شبابه.
إنه كمن يغيّر زيت محرك سيارته القديم فيعمل فجأة بسلاسة أكبر. لكن هل هذا يعني أننا سنعيش إلى الأبد؟؟؟؟؟؟
طبعاً لا وهذا هو الفخ الذي حذّرت منه وسأظل أردده: نحن أمام ملاحظة واعدة وليس أمام إكسير الحياة.

وهنا يا سيدي القارئ أدخل إلى اقتراحي الأهم وهو الجانب الذي تغافل عنه معظم التقارير: الجانب الأخلاقي الذي يلوح كسيف مسلط على رقابنا.

تخيل معي هذا السيناريو المخيف: لو نجح هذا الدواء في المرحلة الثالثة وأثبت أنه يعيد الشباب لمرضى الرئة بل ويمنح الأصحاء قدراً من التأخير للشيخوخة.
من سيحصل عليه أولاً ؟؟؟؟؟؟؟
هل سيكون حكراً على صناديق التأمين الضخمة أم سيتحول إلى سلعة ترفيهية للأثرياء يتسابقون عليها كما يتسابقون على ساعات اليد الفاخرة؟؟؟؟؟؟
حينها لن يقتصر الفرق بين الطبقات على المال والمنزل بل سيمتد إلى اختلاف بيولوجي حقيقي؛ حيث يعيش الأغنياء لعقود إضافية في صحة جيدة بينما يظل الفقراء أسرى لأمراضهم الطبيعية.
هل هذا هو المستقبل الذي نريده؟

بل أكثر من ذلك هناك سؤال وجودي أعمق:
لو استطعنا خفض أعمارنا البيولوجية كلما سمحت لنا المحفظة كيف سيتعامل المجتمع مع مفاهيم التقاعد والزواج وحتى الإرث؟ سيصبح القانون مجبراً على إعادة تعريف كلمة “شاب” و”عجوز” وستنهار حسابات معاشات التقاعد التي تقوم على موت البشر في وقت متوقع. نحن هنا أمام معضلة ليست طبية بقدر ما هي فلسفية.

أعود إلى الدواء نفسه فالطريق أمامه شائك.
جرعة الاستنشاق التي حصلت على الضوء الأخضر في الصين قد تقلل الآثار الجانبية الكبدية لكنها لا تحل الإشكالية الكبرى:
هل نريد حقاً دواءً يعبث ببروتينات الشيخوخة في جسمنا ونحن لا نعرف بعد ماذا يعني ذلك على المدى البعيد؟؟؟؟؟
هل سنجد أنفسنا بعد عشرين عاماً وقد عالجنا الرئة لكننا فتحنا باباً لسرطانات لم نكن نتوقعها أو لاضطرابات مناعية معقدة؟؟؟؟

في النهاية “رينتوسيرتيب” ليس مجرد مركب كيميائي.
إنه مرآة تعكس طموحنا الجامح وخوفنا الدفين. نحن البشر منذ أن وعينا الوجود نحلم بوقف الزمن ولكن حين يقترب الحلم من التحقق عبر أذرع الذكاء الاصطناعي نكتشف أننا لم نجهز أنفسنا أخلاقياً لهذه اللحظة.

أنا لا أدعو إلى وقف التجارب فالتليف الرئوي قاتل لا يرحم وكل مريض يستحق فرصته في التنفس بعمق….
لكنني أدعو إلى أن تُفتح نقاشات عامة وشجاعة الآن وليس بعد أن يصبح الدواء في الصيدليات…. لأن معجزة الطب حين تخلو من البوصلة الأخلاقية سرعان ما تتحول إلى كابوس.

هذه هي قصتي اليوم ليست عن جزيء بل عن اختيارنا بين أن نكون حكماء أو نكون مجرد آلهة صغار تعبث بالخلايا. الخيار كما يبدو لا يزال بين أيدينا.

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى