مقالات

عصر الخوارزميات .. حين يرقص العقل على إيقاع البكسل

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

ليس صباح الخير بل صباح السّؤال.؟؟؟

قبل أن نطلق أحكاماً مطلقة لنعترف .. لم يمت العلم ولم تُدفن الثّقافة ..
لكنهما تعرضاً لزلزال أعاد توزيع الأضواء .
المشكلة الحقيقيّة ليست في وجود الرّقصات على السّوشيال ميديا بل في اقتصاد الانتباه الذي يجعل الرّقص أكثر ربحيّة من المعرفة.!!

أولاً: لا تخلط بين الأعراض والدّاء

الدّاء ليس أنّ النّاس يتابعون تفاهات.
الدّاء أن خوارزميات المنصات صُممت لتكافئ ما يثير المشاعر السريعة
(الدّهشة الضحك الشّهوة)
وتهمش ما يتطلب تركيزاً
(التحليل النقد التأمل).
فالشاب الذي يضيع ساعات أمام الرقصات ليس بالضرورة جاهلاً بل هو أسير نظام صُمم لاختطاف دماغه.!!

ثانياً: الماضي لم يكن جنة فكرية!!

هل كان الناس في عصر ابن خلدون كلهم قرّاء ومفكرين؟
كلا.!!!
الغالبية كانت أمية والترفيه كان في الحكايات الشعبية والرقص أيضاً.
الفرق أن وسائل الترفيه آنذاك كانت محدودة الانتشار ولا تنافس العلم على وقت الناس بنفس الشراسة.
أما اليوم فأداة الترفيه
(الهاتف)
في جيب كل إنسان وتستعمل نفس العصب البصري الذي كان يقرأ به الكتاب.!!

ثالثاً: نماذج مشرقة لا تعرفها!!

قبل أن نُصدر حكماً بالإعدام على جيل كامل لنتأمل هذه النماذج التي أتقنت لغة العصر وزرعت العلم في قلب الرقصات:

الدحيح
(أحمد الغندور)
قناة تتجاوز 7.5 مليون مشترك تقدم العلوم بأسلوب كوميدي ساخر يجعل أعقد المعلومات العلمية سهلة الهضم.
من علم النفس إلى الفيزياء إلى الفلسفة ..
كل حلقة هي رحلة معرفية ممتعة مدققة علمياً تجاوزت مليار مشاهدة.
هذه ليست تفاهة بل عبقرية في توصيل العلم.!!

دروس أونلاين
(أحمد أبو زيد)
أكثر من 8 ملايين مشترك على يوتيوب.
بدأ بتعليم اللغة الإنجليزية ثم توسع إلى البرمجة والتصميم وإدارة الوقت وتطوير الذات.
بل أضاف بودكاستاً يستضيف فيه شخصيات ناجحة لمشاركة تجاربهم.
قناة واحدة تحولت إلى جامعة متكاملة بأسلوب صديق ممتع.!!

دوباميكافين
(ناصر العقيل)
قناة سعودية تجاوزت 7 ملايين مشترك متخصصة في تبسيط الكتب.
اسمه مبتكر: دوبامين
(هرمون السعادة) + كافيين (رمز النشاط).
يقدم خلاصات أروع الكتب (العادات الذرية أربعون لماذا ننام) في فيديوهات تمتد لنصف ساعة لكنها تمر كأنها دقائق بفضل الأسلوب القصصي المشوق والإنتاج المتقن.!!

أخضر (محمد أسامة) قناتان مصريتان بملايين المشتركين تعتمدان على التدوين البصري (Sketch Notes)
حيث تُعرض أفكار الكتاب بأسلوب الرسم الكرتوني مع التعليق الصوتي.
تحصل على زبدة الكتاب في دقائق معدودة وبمتعة لا توصف..

ونرى احد أشهر بودكاستات الوطن العربي من إنتاج إذاعة ثمانية. يستضيف شخصيات متنوعة من الفكر والفن والعلوم والسياسة. لا معايير ولا مواضيع محددة لكن الأكيد أن هنا كثيراً من المتعة والفائدة بطابع عفوي غير رسمي يجعل الحوارات عميقة وجذابة…

مهارات وسوالف بيزنس وعقل غير هادئ بودكاستات تطوير ذات وريادة أعمال وفلسفة نقدية يستمع إليها الملايين.
هل يعقل أن كل هؤلاء تخلوا عن العلم والثقافة؟

رابعاً: تيك توك نفسه لم يسلم

حتى منصة الرقصات نفسها أصبحت منصة للعلم.
هناك مبدعون يستخدمون التيك توك لنشر الشعر والتاريخ والفيزياء بطرق جذابة لا تتجاوز الدقيقة. الفيديو القصير الذي يشتكي منه البعض أصبح أقوى أداة تعليمية إذا أحسن استخدامه.

خامساً: ما الحل إذن؟

بدلاً من خطاب الموت البطيء للوعي نحتاج إلى الآتي:

أولاً: تحرير الخوارزميات عبر قوانين تلزم المنصات بتخصيص نسبة من الواجهة للمحتوى الثقافي أو دعم بدائل غير ربحية.

ثانياً: صناعة محتوى بديل جذاب. العلم لا يحتاج إلى خطب وعظية بل إلى رواة قصص يحولون المعرفة إلى دراما وتشويق مثل كثير من منصات التعليم

ثالثاً: تعليم الوعي الرقمي في المدارس.
بدلاً من منع الهواتف علّم الطالب كيف يقرأ الخوارزمية ولماذا يُجر نحو التفاهة وكيف يستخدم الأداة بوعي.

رابعاً: نقد التفاهة من داخلها.
أفضل فيلم وثائقي عن التيك توك صُوّر ونُشر على التيك توك نفسه. النقد لا يكون من أعلى البرج العاجي بل بالنزول إلى الحلبة.

خاتمة: رسالة إلى الناقد الغاضب

إلى من يشعرون بالغضب مما يرون:
غضبكم مشروع. ل
كن الصراخ في الفراغ لا يغير شيئاً. الخيار أمامنا واحد من اثنين:
إما نبقى في دائرة لوم الجيل وتحقير السوشيال ميديا ونكتب مقالات تبكي العصر الذهبي الوهمي.
وإما ننزل إلى المعترك ونتعلم لغة الخوارزميات ونصنع محتوى راقياً بقالب جذاب ونحتفي بكل شاب يحاول تقديم فكرة ولو بحركة رقص في آخر الدقيقة.

العلم لم يمت.
لكنه يحتاج إلى عباقرة تسويق بقدر ما يحتاج إلى عباقرة بحث. هكذا كان ابن خلدون نفسه علامةً في عصره لأنه أجاد لغة عصره.
فما هي لغتنا اليوم؟
البكسل.
فإما نتقنها وإما يكتب التاريخ عنا: كان لديهم كنز فضيعوه لأنه لم يأتِ بالشكل الذي يحبون.

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى