في سجون العار حيث الكلاب تغتصب والجّنود يضحكون ..أجساد تشهد وتُسقط أقنعة الوحشيّة البشريّـة

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
“أجساد تشهد” ….
إنّه ليس فلم ولا هو تحقيق صحفي من إنتاج قناة إعلاميّة بل إنّه تسليط ضوء وصرخة في وجه الإنسانيّة ..
حيث تنهش الكلاب كرامة الأسرى وتصرخ الجّثث بِمَ عجزت عنه الكلمات !!!!!
ففي مشهد يليق بأبشع كوابيس البشريّة وأكثرها إيلاماً تقدم قناة الجزيرة فيلمها الاستقصائي “أجساد تشهد” !!!!!
في شهر حزيران من عام ألفين وستة وعشرين ……
لتضع العالم أمام حقيقة تتجلّى كالنار في الهشيم وكالبرق في جنح الظّلام …..
ممارسات وحشيّة بحق معتقلين فلسطينيّين تشمل تعذيباً جسديّاً ونفسيّاً واعتداءات جنسيّة ممنهجة طالت الرّجال والنّساء والأطفال…!!
على نحو يتجاوز حدود الفظاعة الإنسانية إلى ما هو أبعد مما تتصوره العقول وأقسى مما تتحمله!!
هنا لا نتحدث عن إحصاءات جافة تدرج في جداول باردة بل عن قصص ترويها أجساد تحولت إلى شهود صامتين على وحشية ممنهجة..
حيث استخدمت الكلاب كأداة للاعتداء الجنسي.
وحيث تحولت السجون إلى مسارح للتعذيب والتصوير والسخرية.
وحيث تحول الإنسان إلى مجرد جسد يتعرض لأبشع ما يمكن أن تتصوره النفس البشرية من قسوة وإذلال.!!
يرى علماء النّفس الاجتماعي والمختصون في دراسات الصدمات النفسية أن استخدام العنف الجنسي المتطرف في النزاعات لا يهدف فقط إلى كسر الجسد وتكسير عظامه بل إلى تحطيم الروح وطمس الهوية وإجهاض القدرة على إعادة بناء الذات. إنه ليس مجرد اعتداء جسدي عابر بل هو هجوم شامل على كرامة الإنسان وأمنه النفسي ومستقبله ككائن قادر على الحياة والعطاء.
في هذا السياق تؤكّد الخبيرة الأممية فرانشيسكا ألبانيز مقررة الأمم المتّحدة الخاصة للأراضي الفلسطينية المحتلة أن التعذيب الجنسي “يدمر عقل الشخص وخاصة قدرته على إعادة بناء حياته الطبيعية أو الاستمتاع بحميميّته مع الآخرين”. إنه يصيب الضحية بشلل نفسي دائم ويجعل العودة إلى الحياة الطبيعية حلماً مستحيلاً وكأن الجسد بعد هذه التجارب لم يعد ملكاً لصاحبه بل أصبح أثراً من آثار الجريمة التي لن تندمل.
أما من الناحية القانونية فتُعد هذه المزاعم انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني الذي يجرم كافة أشكال التعذيب الجسدي والنفسي ويعتبر العنف الجنسي في النزاعات المسلحة جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بل قد يرقى إلى جريمة إبادة جماعية بحسب السياق والقصد خاصة حين يكون موجهاً ضد مجموعة بشرية معينة بقصد إبادتها أو القضاء على قدرتها على التكاثر والاستمرار.
يستند الفيلم إلى بناء درامي استقصائي محكم يعتمد على ثلاثة عناصر متكاملة:
أولاً: الشهادات التي تدمر الصمت
شهادة محمد زكي البكري وهو موظف مدني من قطاع غزة روى تفاصيل صادمة تهز كيان كل من يسمعها عن تعرضه للاغتصاب من قبل كلب ضخم بعد أن جُرد من ملابسه بالكامل وعُصبَت عيناه وكُبلت يداه ورجلاه بالسلاسل. وروى بألمٍ وحرقة أن سبعة معتقلين معه تعرضوا للاعتداء الجنسي من قبل الكلب نفسه بينما كان الجنود يقهقهون ويصفقون ويصورون المشهد كأنه عرض ترفيهي لا جريمة بشعة.
شهادة جوب وهو اسم مستعار لمعتقل آخر من غزة روى تفاصيل لا تقل فظاعة عن تعرضه للاغتصاب الجماعي من قبل جنود إسرائيليين بينما صوّر الجنود المشهد وصفقوا وكأنهم يشاهدون فيلماً. ووصف كيف دخلت جنود إناث إلى غرفته واغتصبته باستخدام أدوات اصطناعية بينما كان هو مكبلاً بالقيود وتُطعن أقدامه على ظهره وعنقه بطريقة وحشية تهدف إلى مضاعفة الألم والإذلال.
شهادة شيرين وهي ناشطة ومعتقلة سابقة وصفت بعيون دامعة وحلق مبحوح كيف كانت تُجرَّد من ملابسها مراراً وتكراراً وتُخضع لتفتيش مهين لا يحترم كرامة الإنسان ولا يرقى إلى أي معيار إنساني وكأن جسدها لم يعد ملكاً لها بل أصبح ملكية عامة للعبث به وإذلاله.
شهادة عدنان وهو اسم مستعار لفتى في السابعة عشرة من عمره من مدينة جنين اعتقلته القوات الإسرائيلية بعد أسبوع واحد فقط من بتر يده اليمنى بسبب انفجار قنبلة ألقاها الجنود نحوه. روى الشاب المراهق كيف تعرض للضرب المبرح على مناطق حساسة من جسده وخضع لعمليات تفتيش مهينة متكررة رغم إصابته الخطيرة التي كانت ما تزال تلتئم والألم يعصف به وكأن الجرح الجسدي لم يكن كافياً ليحقنوه بجراح النفس وعذاباتها.
شهادة عائلة أبو كباش من مدينة الخليل حيث روت تفاصيل اقتحام جنود إسرائيليين منزلهم تحت تهديد الكلاب الكبيرة الضارية وأمروا النساء بالتجرد من ملابسهن والتجول عاريات داخل المنزل أمام جنود إناث وكأنهن سلعٌ تباع أو جوائز تُعرض في مشهد يفضح انعدام أي أخلاق إنسانية.
ثانياً: اللقطات المسربة التي لا تقبل التأويل
صور وفيديوهات مسربة توثق حالات المعتقلين وتظهر تفاصيل التعذيب والاعتداء الجنسي بأوضح صورة مقدمةً بذلك دليلاً مادياً لا يقبل الجدل على ادعاءات وثقتها منظمات حقوقية عريقة مثل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان والمؤتمر الأوربي لمراقبة حقوق الإنسان وكأن الصورة أصبحت هي الكلمة الفصل في قضية كان الصمت فيها طيلة الوقت هو القاعدة.
ثالثاً: التحقيقات الميدانية التي لا تترك مجالاً للشك
جهود الصحفيين الميدانيين الذين تتبعوا الخيوط واستقصوا الأدلة ووصلوا إلى وقائع مروعة تؤكد أن هذه الانتهاكات ليست مجرد حالات فردية معزولة بل هي نظام متكامل ونهج ممنهج تمارسه السلطات بحق المعتقلين وكأن الأوامر قد صدرت من أعلى الهرم لتتحول السجون إلى معامل لإعادة تشكيل الإنسان بالقهر والتعذيب والوحشية.
ما يظهر بوضوح من التحقيق العميق هو أن هذه الممارسات المروعة ليست حالات فردية أو تصرفات عابرة لجنود فقدوا ضوابطهم بل تمثل نظاماً ممنهجاً متكاملاً تتجسد ملامحه فيما يلي:
أولاً: الكلاب كجزء من طقوس الإذلال: تكرر ذكر الكلاب في شهادات الضحايا بأسلوب يثير الرعب وكأنها أصبحت جزءاً ثابتاً من طقوس الإذلال والتدمير الجسدي والنفسي أداة لا تعض فقط بل تنتهك كل معاني الكرامة الإنسانية.
ثانياً: التصوير والتوثيق كأداة مضاعفة للتعذيب: كان الجنود يصورون الاعتداءات بكاميراتهم وكأنهم يريدون توثيق جريمتهم وتخليدها وليس هذا فقط بل استخدام التصوير كأداة إضافية للإذلال والتهديد وكأن الضحايا سيبقون أسرى للصورة حتى بعد خروجهم من الأسر.
ثالثاً: الإفلات من العقاب كقاعدة ثابتة: رغم توفر الأدلة والشهادات والصور لم يُدان أي جندي أو حارس إسرائيلي بتهمة العنف الجنسي ضد الفلسطينيين. بل إن القضية الأبرز التي اتهم فيها خمسة جنود باغتصاب معتقل في سجن “سديه تيمان” في شهر تموز من عام ألفين وأربعة وعشرين أُسقطت التهم عنهم في شهر تموز من عام ألفين وخمسة وعشرين وسط احتجاجات صاخبة من اليمين المتطرف الذي حاول اقتحام السجن لإطلاق سراحهم وكأن العدالة في هذا السياق أصبحت أسيرة لضغوط سياسية ومزايدات انتخابية.
رابعاً: الصمت المجتمعي كجدار إضافي للجريمة: وثق التحقيق كيف يُستخدم العار الاجتماعي كسلاح لإسكات الضحايا. فالرجال والفتيان لا يتحدثون خوفاً من الوصمة والنساء يخشين العقاب الاجتماعي والأطفال يحملون خجلاً لا يملكون لغة لوصفه وكأن المجتمع بأسره يُجبر على التزام الصمت خوفاً من تهمة الخزي التي لا تليق إلا بالمعتدين أنفسهم.
يواجه الصّحفي الذي يغطي مثل هذه القضايا الشائكة تحديات ثلاثية الأبعاد تستحق التأمل العميق:
التحدي الأول: المصداقية وسط ضبابية المعلومات: كيف يمكن التأكد من صحة اللقطات وعدم استخدامها خارج سياقها لخدمة أجندة سياسية معينة في عالم أصبحت فيه الصورة قابلة للتزييف والكلمات قابلة للالتواء؟
التحدي الثاني: الإنسانية وسط الاستغلال المحتمل: كيف نروي الألم بأمانة دون أن نستغله تجارياً أو إعلامياً وكيف نحمي هويات الضحايا ونحافظ على كرامتهم وهم يصرون على كشف الحقيقة رغم كل العواقب؟
التحدي الثالث: الأثر وسط زحام الأخبار: هل ستؤدي هذه التحقيقات إلى تغيير فعلي وملموس على الأرض أم أنها ستبقى مجرد حلقة في سلسلة لا نهاية لها من التبادل الاتهامي في معركة إعلامية وسياسية طويلة الأمد حيث تذوب القضايا في زحام الأحداث وتغرق في بحر النسيان؟
ما يطرحه الفيلم من أسئلة عميقة يتجاوز حدود فلسطين المحتلة وإسرائيل بوصفهما طرفين في نزاع ليمس جوهر العلاقات الإنسانية ذاتها:
الجسد كحقيقة لا تقبل الجدل: في حالات العنف الممنهج والاعتداءات الجسدية المروعة يصبح الجسد هو الحقيقة الوحيدة التي قد تبقى بعد أن تتلاشى الكلمات وتضيع الأقوال بين روايات متناقضة. إنه يتحول إلى أثر لا يمكن إنكاره ووثيقة تتحدث بصوت أعلى من أي رواية رسمية وندبات تبقى شواهد على جرائم يستحيل طمسها.
صراع الرواية وحقيقة الجسد الوحيدة: لا توجد حقيقة مطلقة في مثل هذه الأفلام بل توجد روايات متنازعة ومتشابكة. ولكن الجثث التي تشهد على التعذيب والندوب التي تركت آثارها على الأجساد والأضرار النفسية التي لا تلتئم مع مرور الأيام كلها وقائع مادية لا يمكن نفيها أو التلاعب بها وكأن الجسد أصبح الشاهد الأصدق في معركة الروايات المتضاربة.
في نهاية هذه الرحلة الاستقصائية المؤلمة يبقى فيلم “أجساد تشهد” شاهداً على عصر نعيش فيه هو دعوة للعالم أجمع لرؤية الصورة دون تشويش والاستماع للأصوات التي طال إسكاتها والنظر إلى الجثث التي ما تزال تنطق بالحقيقة رغم محاولات دفنها تحت أكوام النسيان.
التساؤلات الأعمق التي يجب أن تطرح الآن وبصوت عال: كيف يمكن للعالم أن يظل صامتاً مكتوف الأيدي أمام جثث تشهد على أبشع جرائم العصر وأكثرها وحشية؟ ومتى سينتهي زمن الإفلات من العقاب ليبدأ أخيراً زمن العدالة الحقيقية التي لا تفرق بين جنس أو دين أو عرق؟
يبقى الأمل معلقاً على دور الصحافة الاستقصائية الشجاعة في كشف القبح بكل تجرد لعله يصبح يوماً ما بوابة لشفاء الجروح العميقة لا مجرد أداة لتوثيقها. فطالما بقيت الجثث تتحدث وتصرخ وطالما بقيت الكلاب تئن من فرط ما حملت من جرائم وطالما بقيت الأجساد تشهد على ما لا تشهد به الكلمات فطالما بقي هناك أمل في أن تُسمع أصوات الضحايا وتُفضح جرائم المعتدين وتُستعاد كرامة الإنسانية التي انتهكت تحت أنظار عالم صامت اختار التفرج على مأساة من واجبه أن يوقفها.
في زمن تستعر فيه النيران وتُقتل فيه البراءة وتُغتصب فيه الكرامة يصبح الصمت خيانة ويصبح السكوت تواطؤاً ويصبح التزام الحياد جريمة أخلاقية لا تقل فظاعة عن الجريمة ذاتها. إن ما كشفه فيلم “أجساد تشهد” ليس مجرد تقرير صحفي بل هو صرخة في وجه العالم ونداء لأصحاب الضمائر الحية ووثيقة تاريخية ستظل تشهد على عصر كانت فيه الكلاب أرفع أخلاقاً من بعض البشر وفيه كانت الجثث أصدق من بعض الدول.
فليعلم العالم أن الجثث التي تشهد اليوم ستظل تشهد غداً وبعد غد وستبقى ندبات الأجساد رسالةً لا تُمحى وستبقى صرخات الضحايا حية في ذاكرة التاريخ لتقول للأجيال القادمة أن الإنسان حين يفقد إنسانيته يصير أقسى من حيوان وأكثر وحشية من وحش.
وهكذا حين تشهد الأجساد لا يحتاج القاتل إلى اعتراف وحين تنطق الجروح لا يحتاج الجاني إلى محاكمة وحين تئن الكلاب من فرط ما حملت تدرك البشرية أنها فقدت بوصلتها وأنها بحاجة ماسة إلى عودة الضمير قبل فوات الأوان.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




