سوريا معركة إعادة بناء الصّحة بين وطأة الموت وولادة الأمل

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم : محمد قد
دمشق بين ركام الماضي ومفاتيح المستقبل يرسم القطاع الصّحي السّوري لوحة تناقضات صارخة حيث تصارع بقايا المنظومة المدمّرة أعباء العودة بينما تبزغ ملامح نهضة واعدة تعيد تعريف الحياة ….
في مشهدية معقدة تعكس مرحلة انتقالية دقيقة يتنفس القطاع الصّحي في سوريا هواءً مشوباً بالألم والأمل.
بعد عقود من الجمود وأكثر من عقد من الصراع المدمر بات المشهد الصّحي أقرب إلى معركة وجودية بين إرث منهك من التهميش والدمار وطموح وطني يبحث عن نهضة شاملة…..
فالصورة ليست قاتمة بالكامل ولا هي مشرقة في تمامها بل هي ديالكتيكية معقدة تتجلى فيها إرادة البقاء رغم الجراح العميقة……
الإيجابيات إرادة التعافي تبشر بفجر جديد!!!!!
على وقع الأنفاس المتعبة يلوح في الأفق الأمل الذي ترسمه جهود الحكومة السّورية الجديدة بالتعاون مع شركائها الدوليين ……
تتجسّد هذه النهضة في خطط طموحة تهدف إلى نقل سوريا من مربع الاستجابة للطوارئ إلى فضاء التأهيل والبناء المستدام……
ففي خطوة نوعية ارتفع عدد المراكز الصحية العاملة إلى 1320 مركزاً مقابل 960 سابقاً في دليل على عودة الحركة لعجلة الخدمات الصحية الأولية التي تعد العمود الفقري لأي نظام صحي وطني ……
ولم تكتفِ الجهات الرسمية بهذا بل أطلقت مشاريع لتأهيل 22 مركزاً صحياً في ريف حلب مع تركيز خاص على دمج خدمات الصحة النفسية في نموذج الرعاية الأسرية وهو ما يمثل نقلة نوعية في التعامل مع جروح الحرب الخفية.
ويؤّكد ذلك توجه الدولة نحو بناء نظام صحي قائم على التخطيط الاستراتيجي يتجلى في خطة وطنية ذات سبع ركائز ومشروع لتحقيق التغطية الصحية الشاملة عبر “اتفاقية ميثاق” وبذل جهود حثيثة لتوحيد الجهات المانحة ضمن رؤية واحدة….
وفي سياق موازٍ يحظى الملف الدوائي المحلي بأولوية كبرى حيث تعول الوزارة على الصناعة الوطنية كركيزة للسيادة الصحية خاصة مع الكفاءة العالية والأسعار التنافسية للأدوية السورية ……
كما مثّلت حملات التطعيم الوطنية كحملة “اللحاق الكبير” التي استهدفت 60 منطقة تعاني من أعلى نسب للأطفال غير المطعمين نافذة أمل كبيرة في استعادة المناعة المجتمعية مع الاعتماد على بيانات اجتماعية دقيقة لاستعادة الثقة باللقاحات…..
السلبيات جروح غائرة في جسد المنظومة!!!!
رغم هذه البوادر لا يزال الواقع الصحي يحمل علامات الجوع والمعاناة التي خلفتها الحرب. فبحسب تقارير الخبراء لا يزال أكثر من نصف المستشفيات وقرابة ثلثي مراكز الرعاية الأولية خارج الخدمة وما يزيد الطين بلة أن 15.8 مليون مواطن أي نحو 65% من السكان لا يزالون بحاجة ماسة للمساعدة الصحية…..
ولعل أخطر أزمات القطاع تكمن في نزيف العقول حيث غادر نحو 70% من الكادر الصحي البلاد مما خلق خللاً هيكلياً في توزيع القوى العاملة…….
فبينما تعاني الريف من شح مريع تشهد المدن تكدساً نوعياً لا يعكس الجودة والكفاءة المطلوبة…..
ويؤكد تحليل معهد “هيلث سيستمز غلوبال” أن توزيع الكادر غير العادل يمثل تحدياً أكبر من النقص العددي نفسه……
وهنا تبرز مفارقة مذهلة !!!!
ففي مقابل هجرة الأطباء يوجد في سوريا اكتظاظ غير مسبوق في أعداد الصيادلة حيث يبلغ معدل صيدلي واحد لكل 613 مواطناً وهو رقم يتجاوز بكثير المعدلات العالمية مما يعكس خللاً في جودة التعليم وسوق العمل وليس وفرة في الخدمة…..
وتتفاقم هذه السلبيات مع انهيار شبه كامل لأنظمة المعلومات الصحية واعتمادها على بيانات متضاربة مما يجعل التخطيط مبنياً على “تخمينات” لا وقائع دقيقة بالإضافة إلى فجوات تمويلية هائلة تهدد بإغلاق 246 مرفقاً صحياً في الشمال الغربي والشمال الشرقي…….
التشخيص والعلاج ملامح خريطة طريق للخلاص!!!!!
في خضم هذه التناقضات يطرح الخبراء حلولاً منهجية لا تكتفي بالتجبير بل تعيد هيكلة العقل الجمعي للنظام الصحي…..
الإجماع الدولي والمحلي يتجه نحو تعزيز الرعاية الأولية كدرع حماية يمنع توسع القطاع الخاص غير المنظم ويضمن العدالة في الوصول للخدمات……
وهذا يستدعي وضع حزمة أساسية مكلفة من الخدمات الصحية وربطها بشبكة إحالة قوية ونظام طوارئ متكامل مع حزم مرافق البنية التحتية بالطاقة والمياه والاتصال لا كمجرد مبان معزولة…….
أما بالنسبة لأزمة الكوادر فالحل يكمن في توحيد جداول الرواتب وتحفيز العمل في المناطق النائية وإرساء قواعد موحدة للممارسة المهنية مما يوقف هجرة الكفاءات ويشجع عودة الخبراء المهاجرين تدريجياً……
وفي هذا الإطار ينظر إلى الصيادلة رغم التحديات كعنصر فاعل وحلقة وصل مهمة إذا ما تم إعادة تأهيلهم وتوزيعهم بوعي في إدارة سلاسل الإمداد والرقابة على الجودة بدلاً من تركهم فريسة للبطالة المقنعة أو السوق السوداء……
الخلاصة الجوهرية التي يقدمها المراقبون هي أن التحدي الأكبر ليس في إعادة بناء الأسمنت والحديد بل في إعادة بناء الثقة وتعزيز الحوكمة ……
النظام الصحي السوري يحتاج إلى “جدار تحمل” مؤسساتي يقوم على الشفافية ومشاركة المجتمع المدني وتحويل المنظمات الدولية من ممولة لحالات الطوارئ إلى شريك استراتيجي في تمويل متعدد السنوات لبرامج التنمية المستدامة كما نصت عليه توصيات منظمة الصحة العالمية …….
إن معركة الصحة في سوريا ليست معركة بناء مستشفيات بل هي معركة بناء دولة حديثة تعيد تعريف مفهوم “الحق في الحياة” بكامل أبعاده الإنسانية والصحية .
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً





