ابن الأصول ليس نسباً بل مواقف .. والنّاس معادن لا ألقاب.. فمن أنت حين تخونك المرايا ؟

عكس الاتّجاه نيوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
في زمن يُباع فيه الضّمير.. ابن الأصول هو الثّمن الذي لا يُدفع
ابن الأصول..
حين تكون الجّذور طيبة والثّمرة شامخة..
كثيراً ما تتهادى على الأسماع كلمة
“ابن الأصول”
فتخفق لها القلوب وتستبشر بها النفوس ولا يكاد الإنسان يدرك لماذا تترك هذه الكلمة ذلك الأثر العميق في الوجدان ..؟؟
ولماذا تحمل بين طياتها ذلك الثقل المعنوي الذي لا تحمله سواها.؟؟
وهل هي مجرّد نعوت تتردّد في مجالس المفاخرة . ؟؟
أم أنّها وصف لحالة إنسانيّة نادرة تجمع في شخص واحد معاني الرجولة والوفاء والشهامة والعفة..؟؟
ومن ذا الذي يقف متأملاً هذه العبارة فيسائل نفسه هل عايشت معناها حقاً..؟؟
أم أنها بقيت في عالم الخيال بعيدة عن واقع التجربة..؟؟
وهل لامست روحي يوماً في إنسان قريب مني فأيقنت حينئذ أن ابن الأصول لا يخفى وأن أصله يبزغ ولو بعد حين ..؟
وأن معدنه لا يصدأ وإن تطاول الزمن وتقلبت الأقدار.!!
هنا اقف برهة مع الزمن
في تعريف الأصول وتمييز الطباع!!
إن الأصول في جوهرها الفلسفي ليست نسبًا محضًا ولا سلسلة آباء تتناقلها الأسماء …
وإنما هي منظومة قيمية راسخة تغرس في أغوار الشخصية وتصير هي البوصلة التي يهتدي بها السالك في دياجير المواقف..!!
فابن الأصول هو ذلك الكائن البشري الذي ارتوت جذوره من ماء المروءة واستقامت فروعه في سماء الفضيلة فأثمر أخلاقاً لا تنضب ومواقف لا تخون فليس الأمر كما يتوهم البعض مجرد انتساب عائلي أو انتماء طبقي بل هو منهج حياة متكامل تتجلّى معالمه في تصرفات صاحبه آناء الليل وأطراف النهار فتراه في الشدة صامدًا وفي الرخاء سخياً وفي الغياب مشتاقاً وفي الحضور مباركاً وأما ابن الحرام -وهو النقيض الصّريح- فهو شخصية لا جذور لها في الخير ولا فروع تظلل غيرها إنه كالنبتة العفنة التي تعيش على حساب غيرها ولا تثمر إلا الشوك والضغائن شخصية لا تعرف للوفاء طريقاً لأنها لم تذقه ولم تختبره ولا تفقه من الشهامة معنى لأنها لم تحتضنها ولم تترب عليها فهو يتلون بتلون المصالح ويتبدل بتبدل الأحوال لا رسوخ عنده ولا استقامة ولا شيمة تشرف بها نفسه وتسمو به عن صغائر الأمور.
ابن الأصول بين الثبات الجبلّي والانهيار العرضي !!!@
يقول علم النفس التحليلي إن هوية الإنسان تتشكل من ازدواجية الجوهر والصورة فالجوهر هو ما يثبت حين تتزحزح الظروف والصورة هي ما يتشكل وفقًا للألوان المحيطة وابن الأصول هو من اتحد عنده الجوهر بالمظهر فلم يعد بحاجة إلى تقمص الأدوار ولا إلى تصنع المواقف لأنه بكل بساطة هو ما يبدو وما يبدو هو ما يكونه في كل زمان ومكان ومن هاهنا تنبع ظاهرة الطمأنينة التي يفيض بها هذا الطراز من الشخصيات على المحيطين به إذ يعلمون أنه لا يخون ولا يغدر ولا يبيع المشاهد ولا يشتري بضميره ثمناً بخساً وإنما يظل ذاك الثابت المهيب الذي يغمر النفوس بالسلام والقلوب بالارتياح كما يغمر الجبل المسافر المتعب إحساساً بالأمان لأنه يدرك أن الجبل لا يتزحزح مهما اشتدت الزلازل.
وأما ابن الحرام النفسي والاجتماعي فهو كيان هلامي لا ملامح له ولا ثبات يبعث على الاطمئنان إنه يتحول كلما تحولت الريح وتتبدل هيئته كلما تبدلت المرآة التي تواجهه تجده اليوم ندًا وغدًا عدوًا وفي المحنة يختفي وفي المنحة يلوح كأن حضوره رهن بما يقتنص لا بما يبذل وهذه الشخصية في المختبر النفسي هي النموذج الأمثل للشخصية الانتهازية التي تعاني من شظف هوياتي يجعلها تبحث عن تعريفها عبر الآخرين لا عبر ذاتها فإذا وجدت مغنمًا تشبثت به وإذا فقدته تعلقت بغيره وكأنها لا تملك مركز جذب ثابتًا في جوفها.
الوفاء عنوان الأصل والرجولة !
إن من أبرز مخايل ابن الأصول أنه لا ينسى الجميل أبدًا ولا يغدر بمن التجأ إليه ولا يخون من ائتمنه على الأسرار ولا يخذل من استند إلى عضده فالوفاء عنده ليس مجرد خلق مكتسب بل هو طبيعة تجري في دمه وتسكن في روحه كأنها جزء من بنيته الوجودية تجعله يرى في جحود الإحسان خيانة للذات قبل أن تكون خيانة للغير وفي هذا السياق يذكرنا علم النفس الأخلاقي بأن الوفاء هو أحد ركائز الثقة الاجتماعية التي بدونها تنهار المجتمعات وتسود الفوضى فالعلاقات البشرية تقوم على مخزون من الثقة يتراكم بفعل المواقف ولا شيء يهدم هذا المخزون أسرع من الغدر والمكر ولذلك ترى ابن الأصول يحافظ على هذا المخزون وكأنه جوهرة ثمينة لا تقدر بثمن فلا يفرط بها مهما كانت الإغراءات ومهما تضايق المسلك.
وفي الطرف الآخر نجد ابن الحرام يمارس الغدر وكأنه هواية يومية لا تثقل على ضميره المشلول أو الميت فهو يعد ولا ينجز ويحضر فيزرع الريبة ويغيب فلا يُشتاق إليه لأنه لا يخلف وراءه إلا أثراً عكراً وذكريات مرة تشبه طعم العلقم الذي ترك السم في الطريق ومضى وقد صدق القائل إن الناس تعرف الرجال بكرائم الأفعال لا بحسن النسب وإن الأخلاق هي البصمة التي لا تزور وإن السيرة الزكية هي التي تسبق صاحبها إلى الأفئدة قبل أن تطأ قدمه الأعتاب.
ابن الأصول وابن الحرام في رحاب المجتمع المعاصر
وإذا رحنا متأملين واقعنا الاجتماعي وجدنا أنفسنا في عصر تضطرب فيه القيم الأخلاقية واختلطت المفاهيم وتزعزعت المعايير فأصبح من يبيع مواقفه ويغير جلده بحسب المكاسب ينال الإعجاب أحياناً ويوصف بالذكاء السياسي والمرونة الفائقة بينما يتهم ابن الأصول بالجمود والتعقيد وكأن الثبات على المبادئ صار مذمة والانحناء للمصالح صار مكرمة وهذا انعكاس مأساوي لمجتمع فقد بوصلته الأخلاقية وتحوّل إلى غابة تتنافس فيها الشخصيات النفعية على حساب الشخصيات النبيلة.
وفي التحليل النفسي الاجتماعي نجد أن انتشار شخصيات ابن الحرام في المجتمع ليس عارضاً طارئاً بل هو وليد تغليب ثقافة الربح على ثقافة القيم حيث يُسأل عن الإنسان ماذا يملك لا ماذا يمثل وعن الشخص ماذا يدر من منفعة لا ماذا يبذل من مبادئ وهذه النزعة تجعل المجتمع هشًا متداعيًا لأنه يقوم على علاقات مصلحية لا علاقات وجدانية والعلاقة التي تقوم على المنفعة تزول بزوالها أما العلاقة التي تقوم على الأصول والقيم فإنها تبقى وإن تغيرت الدنيا كلها وقديماً قيل الناس معادن والأيام صياغة فمن كان أصله ذهباً ظل ذهباً وإن تعرض للصهر ومن كان أصله خبثاً بقي خبثاً وإن زينته البرى.
فلسفة الأصالة في زمن الاستلاب والضياع
وإذا ما نظرنا إلى المسألة من منظور فلسفي وجدنا أن ابن الأصول هو تجسيد للإنسان الأصيل الذي يحافظ على ذاته وكينونته في مواجهة قوى الاستلاب التي تسعى لجعله أداة أو بضاعة أو وظيفة إنه الكائن الذي لا يُشترى ولا يُباع ولا يُرهن ولا يُستبدل لأنه يمتلك قيمة ذاتية تنبثق من داخله لا من خارجه وأما ابن الحرام فهو الإنسان المسلوب المنقطع عن جذوره الذي يتلمس هويته في مرايا الآخرين وفي رضا الأسياد وفي موافقة الأهواء فهو لا يملك مركزاً وجودياً ثابتاً ولذا فهو أبداً قلق أبداً متذبذب أبداً مقلد لمن يراه قويًا دون أن يدرك أن القوة كل القوة في الثبات لا في التلون وفي الوفاء لا في الخيانة وفي أن تكون أنت لا أن تكون صورة مكررة لكل من مررت بهم.
وفي الختام تظل الحقيقة ساطعة أن ابن الأصول لا يُخفى وإن تطاول الزمن وأن أصله يتبدى في أحلك الأوقات وأنه يظل شامخاً كالنخلة التي لا تنحني للعواصف وإنما تعود إلى اعتدالها بعد كل إعصار وأما ابن الحرام فإنه كالحشيش الطفيلي الذي يذبل حين تذبل الشجرة التي يتسلقها ولا يخلف بعد رحيله إلا أثراً شنيعاً وذكريات لا تطيب ولا تسر ولا تدوم.
سلام على ابن الأصول
سلام على ابن الأصول حيثما حل وارتحل سلام على من يحمل الإجلال في فؤاده والسماحة في سجاياه والصدق في منطقه سلام على من لا ينسى إحساناً ولا يغدر بصاحب ولا يبيع قضية ولا يشتري بذمته ثمناً زهيداً سلام على من تعرف الناس قدره بفعله لا بقوله وبسيرته لا بنسبه وبأخلاقه لا بلقبه سلام عليه في كل آن وفي كل مكان فهو نادر الوجود نادر الزمان كالجمانة التي لا توجد إلا في أعماق البحار وكالبدر الذي لا يظهر إلا في بهيم الظلام وكالنخلة التي لا تنمو إلا في تربة طيبة ومناخ معتدل وأما من عداهم فإنهم يمرون في الحياة كأشباح لا ثقل لها ولا قيمة ولا بقاء فليعلم كل من ادعى أنه ابن أصول أنه مسؤول عن إثبات ذلك في المواقف لا في المقال فالأيام كفيلة بكشف النقاب والحقيقة كفيلة بالظهور وإن تلعثم الأجل والأصل لا يخفى وإن توارى صاحبه وراء الأقنعة وشتان بين من يورثك المكارم ومن يورثك الحسرات وشتان بين من يخلد لك ذكرى عطرة ومن يترك لك جرحاً غائراً وشتان بين ابن الأصول وابن الحرام في ميزان الناس وفي ميزان الضمير وفي صحائف الأيام.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




