مِن كن فيكون إلى لا يُحيطون به علماً .. قصة عقل استسلم لجلال الخالق

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
كيف يدرك الإنسان قدرة الله تعالى؟؟
تأمّل في أبواب السّماء!!
سبحان من لا تدركه العقول ..
ولا تحيط به الأفهام …
سبحان الخالق العظيم الذي إذا تفكر المتفكرون في عظمته تحيروا!!
وإذا حاول العقل البشري أن يصل إلى كنوز قدرته تقاصر وتلاشى كالسراب في قاع بئر لا قرار له….
لقد أخبرنا الله تعالى في محكم تنزيله أن للسماءلها أبواباً فقال عز من قائل
“وفتحت السماء فكانت أبواباً” وهي ليست كأبواب الدنيا التي نعرفها ولا كأي باب تصوره البشر في حضاراتهم..
أو تخيله فلاسفتهم أو حلم به شعراؤهم بل هي أبواب من عظمة الخالق وجلال صنعه ما يجعل كل محاولة عقلية لتصورها مجرد هرولة طفل خلف ظل طائر في مدى لا يتناهى!!!
لنتأمّل هذا المشهد الكوني التّأمّل الذي يليق بلحظة إدراك العجز ذاته مهما بلغ الإنسان من قوة ذكاء ومهما ترقت به مداركه العلمية وتقنياته التي يظن بها أنه بلغ ذرى المعرفة .
فليعلم علم اليقين أنه لو جمع كتلة الكرة الأرضية بأسرها بجبالها الشامخات التي نعدها عظيمة وبمحيطاتها التي نظنها لا متناهية وبكل ما تحويه من ثروات وأسرار وطاقات ثم وضع هذه الكتلة الهائلة أمام باب واحد من أبواب السماء لما كانت هذه الكرة بأكملها إلا كنقطة صغيرة جداً بل نقطة متناهية في الصغر توضع على لوح عملاق لا حدود له في الامتداد ولا يمكن للعقل البشري أن يتخيل هذا اللوح ذاته …
ولا أن يرسم له بداية أو نهاية ولا أن يدرك كيف تكون النقطة شيئاً على سطح لا متناه…
فإن العقل البشري الذي خلق محدوداً في طاقته ومحدوداً في أدواته ومحدوداً في نطاق إدراكه والذي لا يرى من الطيف إلا جزءاً ضئيلاً ..
ولا يسمع من الترددات إلا نطاقاً صغيراً ..
ولا يستوعب من الأبعاد إلا ثلاثة فقط كيف لهذا العقل أن يتصور باباً واحداً من تلك الأبواب التي جعلها الله في سمائه فإذا كانت الأرض كلها مجرد نقطة بالنسبة إلى ذلك الباب فما قيمة تلك النقطة أمام امتداد الباب ذاته..
ثم ما قيمة الباب الواحد أمام السماء التي هو فيها ثم كيف هي السماء بعدد أبوابها واتساع أفقها وعظمة فضاءاتها التي لا يعلم مداها إلا الله …
ثم كيف يكون كل الأبواب معاً وقد فتحت في مشهد يوم لا تنساه الوجود حين يقال للسماء ائتي طوعاً أو كرهاً..
وهنا تأتي اللحظة التي ينهار فيها كل تعبير وتتقطع فيها كل الأوصاف…
فمهما بلغ الكاتب من بلاغة ومهما استخدم من أقوى المفردات وأعذب الاستعارات وأمتن التشبيهات وأعمق المجازات فإن كل هذا يظل مجرد تعبير لا أكثر… وكأن إنساناً يحاول أن يصف لوناً لم يره أو نغمة لم يسمعها أو طعماً لم يذقه أو شوقاً لم يسكن صدره إن الخيال البشري مهما امتد يبقى أسيراً لحدود الجمجمة …
ومهما حلق يظل مربوطاً بخيوط الخبرات الأرضية الضيقة فلا يمكن أن يتصور باباً لا تقاس أبعاده بمقاييسه..
ولا يمكن أن يرسم لوحاً لا متناهياً بعقله المحدود بالمكان والزمان!! فكيف به أن يتصور السماء ذاتها بكل ما فيها من عظمة وروعة وجلال وهول وقد قال عنها رب العزة “السماء منفطر به كان وعده مفعولاً”..
إذا كان باب واحد من أبواب السماء هكذا فكيف هي السماء وكيف عرضها ؟
وكيف مداها ؟
وكيف أحجامها ؟
وكيف تكون كل الأبواب مجتمعة؟ وكيف يكون الخالق الذي خلق هذا كله بكن فيكون …
الذي إذا قال للشيء كن فيكون أفلا يكون الإنسان قد وصل إلى ذروة الحكمة حين يدرك أنه لا سبيل له إلى الإدراك …
وأسمى مراتب العقل أن تعترف حدود عقلك…
وخير ما يقال في هذا المقام هو ما نطق به القرآن على لسان من عرفوا ربهم حق المعرفة حين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم…
فليس أمام هذا العجز الجليل إلا أن تخر الجباه ساجدة وتلهج الألسن بذكر سبحان ربي الأعلى… وتنطلق القلوب في فضاء من التسليم المطلق بأن الله أكبر أكبر من كل وصف.
ومن كل تقدير ومن كل عقل ومن كل خيال ومن كل باب ومن كل سماء بل هو أكبر من كل ما نتصور وأكبر مما لا نتصور وأعظم مما نحسب وأعظم مما نحلم به في أقصى طموحاتنا الروحية والعقلية…
فهو الله الذي لا تحيط به الأبواب ولا السماء ولا العرش ولا الكرسي ولا شيء من خلقه بل هو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير…
وبعد هذا التأمل الذي لا يزيد العبد إلا إجلالاً وتعظيماً..
ولا يمنحه إلا مزيداً من اليقين بأنه لا مفر من التسليم لله..
فإنه لا بد أن نضع أيدينا على الجوهرة التي أشرقت في نهاية هذا الطريق والخلاصة التي لولاها لكان كل ما سبق مجرّد لهوٍ وعبث إنها الحقيقة التي لا يعلو فوقها حقيقة..
ولا يصح بعدها إلا الإيمان المحض ليس مطلوباً منا أن ندرك عظمة الله بعقولنا المحدودة ..
وإنما أن نؤمن بها ونسلم لأن العقل خلق ليدرك عالم الشهادة لا ليقتحم ملكوت الغيب…
ولأن العلم الذي أوتينا مهما عظم يظل كما قال ربنا “وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً”…
فكيف بمن يظن أن بقليل العلم هذا يستطيع أن يحيط بكيفية خلق السماوات والأرض؟
أو أن يتصوَّر باباً واحداً من أبوابها!!
فإن كل محاولة لتصور قدرة الله أو عظمة خلقه هي في النهاية تصغير لها..
وذلك لأن أي تصور يبقى ابن العقل البشري المحدود.
الأسير لحدود الزمان والمكان والخبرات والقياسات فالتصور مهما بلغ من السعة هو سجن آخر!! والتخيل مهما امتد هو قيد جديد لأن المحدود لا يحيط بغير المحدود..
والمخلوق لا يدرك حقيقة الخالق!! والمقيد لا يلم بصفات المطلق!! فسبحان الذي إذا أراد أن يعرفنا بهيبة ذاته جعل من عجزنا عن إدراكها أقرب الطرق إلى فهمها!!!!
والأجمل من كل محاولة وصف وأروع من كل تأمل وإمعان هو أن نعيش هذه الحقيقة..
لا أن نكتبها أو نرددها.
بل أن نعيشها في كل خفقة قلب. وفي كل سجدة وفي كل لحظة شعور بالعجز ..
وفي كل موقف تتصاغر فيه الدنيا أمام كلمة واحدة هي كلمة الله أكبر…
أكبر من أن يحيط به عقل وأعظم من أن يدركه خيال .
فأي فخامة تفوق فخامة هذا الإقرار؟
وأي حكمة تفوق حكمة من وقف على حافة العقل فأعلن استسلامه؟ وأي بلاغة تفوق أن يقول العبد في آخر كل تأمل وفي ختام كل مقال سبحان ربي الأعلى سبحان الله عما يصفون….
إلا كما وصف نفسه وحسبنا أنه قال “ليس كمثله شيء” فكفى وأنه قال “وهو السميع البصير” فعلمنا أن صفاته غير صفات خلقه ..
وأنّه قال “الله أكبر” فتركنا والإيمان لا التّصوّر والتّسليم ..
لا التّكلف والحب لا الحصر والخشوع لا الخوض فلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير..
وليس مطلوباً منا أن ندرك عظمة الله بعقولنا المحدودة.
وإنما أن نؤمن بها ونسلم .
قال تعالى:
“وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ” (الإسراء: 85).
وقصارى ما نستطيع أن نقوله : سبحان الله عمّا يصفون .
إلا كما وصف نفسه.
كل محاولة لتصور قدرة الله أو عظمة خلقه هي في النهاية تصغير لها
لأن أي تصور يبقى ابن العقل البشري المحدود.
والأجمل من كلّ محاولة وصف أن نعيش هذه الحقيقة :
الله أكبر من أن يحيط به عقل وأعظم من أن يدركه خيال.
سبحان الله الذي خلق كلّ شيء فقدّره …
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




