مقالات

سلطة الوعي .. مِقصلة لا تنتظر الجّلاد

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
سُلطة الوعي حين يتحوّل الفهم الزّائد إلى مقصلة وجوديّة
تكرّس الحكمة الشّعبيّة أنّ المعرفة نور والوعي طاقة والنضج الفكري بوابة السعادة…
لكن ثمّة مفارقة سريرية وأكسيولوجيّة لا تُذكر في خطب التّنميّة البشريّة
الوعي الفائق ليس نعمة مطلقة ..
بل قد يتحوّل إلى نقمة كلما اقترب صاحبه من رؤية الحقيقة العارية.!!!
فالإنسان الناضج فكريّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً ونفسيّاً لا يعيش في طمأنينة الجاهل …
بل يُقذف في متاهات من الأسئلة التي لا تجيب عنها الأيديولوجيات الجاهزة..
و يرى ما تخفيه النخب ويفكك ما تبنيه الدعايات .
ويكتشف أن الضمير الجمعي للبشر في غالب أحواله ليس أخلاقيّاً بقدر ما هو تكتيكي وانتهازي.!!
وهذه المعرفة ليست كسبًا معرفيًا فحسب.
بل هي حمل ثقيل على الروح.
عندما يتعمق الإنسان في فهم طبيعة المؤسسات والنوايا الخفيفة والأنسجة الاجتماعية الزائفة..
فيحدث انزياح جذري في علاقته بالعالم إذ لم يعد قادرًا على المشاركة في الطقوس الاجتماعية السطحية دون أن يشعر بتناقضها الصارخ ..
فيُجبر على خيارين وجوديين أحلاهما مر
١العزلة الاختيارية هربًا من نفاق الجماعة…. ٢أو الانهيار تحت وطأة المعرفة حين تصبح الرؤية أكثر إيلامًا من القدرة على تحملها!!!
وليس الوعي هو المشكلة هنا
بل تخلف الأدوات النفسية والاجتماعية عن مواكبة هذا الوعي…
فالمجتمع ككيان حي يكافئ السذاجة ويعاقب الفطنة المفرطة ليس بدافع الحقد بل بدافع الخوف من تفكيك أسسه الوهميّة.!!!

إن نبذ الإنسان شديد الوعي ليس ناتجًا عن كره للمعرفة…
بل عن آليّات دفاع جماعية تشمل تهديد التوافق الاجتماعي الهش.
إذ تقوم المجتمعات على أكاذيب حميدة وتوافقات ضمنية.
والإنسان المفرط في الوعي يعري هذه التوافقات فيتحول إلى خطر رمزي يجب تحييده …
وهو ما يفسر لماذا كان الفلاسفة والعلماء الثائرون أكثر المخلوقات نبذًا في تاريخ البشرية.
كما أنّ النقاش معه ليس ترفاً فكريّاً بل عملاً شاقاً يرفع السقف ويكسر المجاملات ويرفض الخطابات الجاهزة!!
وفي ثقافات ترى الراحة النفسية قيمة عليا يصبح هذا الشخص ثقيل الظل بامتياز.!!!
إضافة إلى الخوف من المرآة الصادقة.
فكل إنسان يحمل عيوبه وأقنعته.
والإنسان الواعي جدًا يعكس للآخرين حقيقتهم بلا تجميل ..
والنادر من يقدر هذه الخدمة بينما الأغلبية تطلق عليه صفات مثل المتشائم أو المتعجرف أو المريض النفسي!!!!.
وأخيراً .
الاختلاف في أولويات القيمة: حين تبحث الأغلبية عن السعادة عبر الترفيه والاستهلاك والعلاقات التبادلية …
وهنا يبحث الفائق الوعي عن الحقيقة والمعنى والعدالة العميقة ..
وهذا التباعد في منظومة القيم يخلق فجوة لا تلتئم فيُنبذ لأنه مختلف لا لأنه مخطئ.!!!

لكن من الخطأ الافتراض بأن الوعي الزائد يقود حتمًا إلى الانهيار!!!
فالتاريخ يزخر بأمثلة لأناس فائقي الوعي لم ينهاروا بل حوّلوا وعيهم إلى أداة مقاومة لا أداة تعذيب ذاتي …
وقوة بناء لا سبب للعزلة.
وحكمة تمكّن لا معرفة تدمر.!!
إن ما يحدد إن كان الوعي نعمة أم نقمة يتوقف على أربعة متغيرات جوهرية:
أولاً البنية النفسية المسبقة فالشخص الذي يعاني أصلًا من القلق أو الاكتئاب سيجد أن الوعي الزائد يضاعف معاناته أما صاحب النفس القوية والمرونة العصبية والقدرة على الاحتمال الفلسفي فينمو مع وعيه لا أن يضمحل… ثانيّاً الأدوات الفلسفية المتاحة
فالوعي دون إطار معنوي كالسير في صحراء لا سقف لها
والفلاسفة الذين طوروا فن العيش كالرواقية والتصوف والوجودية المسؤولة قدموا تدريبات عملية لتحويل المعرفة المؤلمة إلى حكمة محتملة..
وغياب هذه الأدوات هو ما يحول الوعي إلى لعنة. !!
ثالثاً_ الانتماء إلى جماعة واعية:
فالعزلة هي القاتل الحقيقي وليس الوعي ..
والإنسان فائق الإدراك إن وجد جماعة من النظراء يشاركونه رؤيته يصبح وعيه مصدر قوة جماعية لا مقصلة فردية.!!

رابعاً _القدرة على إدارة الجهل الوظيفي: فحتى أكثر العقول وعيًا تتعلم متى تغمض عيونها عن التفاصيل الصغيرة ومتى تركز على الكلي..
والحكمة ليست في رؤية كل القبح بل في رؤية ما يكفي لتغييره وما يبقى لتجاوزه.!!

إذا كان الطرح الأول قد أخطأ في المبالغة التشاؤمية..
فإن الحقيقة الأعمق هي أن الوعي الزائد ليس نقمة في ذاته بل هو قوة خام كالطاقة النووية: إن امتلكت مفاعلًا ومصدات أنار عالمك
وإن فقدت الحماية دمّرك. لذلك لا ينبغي التخويف من الوعي بل تعليم فائقي الوعي..
فن التحصين : أن يتعلموا متى يصمتون ومتى يتكلمون..
وأن يختاروا المعارك التي تستحق وتفادوا التي تستنزف
وأن يبنوا جسراُ بين الحقيقة الداخلية والحياة الاجتماعية لا حفر خندق..
وأن يقبلوا أن الأغلبية ستنبذهم لكن هذا النبذ ليس دليلًا على خطئهم بل على فجوة التطور الجماعي.
أيها الفائق الوعي.
لا تندم على ما ترى ولا تتباه به لا تعزل نفسك كاملة ولا تذب كليّاً في الجماعة تعلم أن تكون راقبًا يبتسم لا قاضياً يبكي.!!
اعرف أن البشر ليسوا جهلة لأنهم أغبياء بل لأنهم يحتاجون إلى قدر من الوهم لمواصلة الحياة ..
ولست أنت أفضل منهم لأنك رأيت الوهم بل أنت فقط أتعس حين لم يعد بإمكانك أن تصدقه.!!
لا تنتظر أن تشكرك الأغلبية على كشف حقائقها..
فكشف القناع قد يكون عملاً نبيلاً لكن ارتداء القناع أحياناً بقصد لا بضعف قد يكون فناً من فنون البقاء الأخلاقي!!
والفرق الجوهري أنك تعلم أنك ترتدي القناع وهم يعتقدون أنه وجههم الحقيقي.!!

احذر من فخ المعرفة الفردية المطلقة فمهما بلغ وعيك تبقى رؤيتك جزئية ومنقوصة بمنطق المنظور الواحد..
وأعظم أنواع الوعي ليس الذي يراك متفردًا بل الذي يجعلك قادراً على رؤية نقص معرفتك أنت أيضاً !!
وعيك بعمق جهلك الجزئي هو ذروة النضج الفكري
لا إتقانك لتشريح عيوب الآخرين.

اختَر معاركك فلست مضطراً لإعادة تفسير كل موقف اجتماعي ولا كشف كل تناقض مؤسّساتي..
فالوعي المتفرغ للتفكيك فقط هو نهم انتحاري.
ابحث عن جماعتك ولو بين الكتب ولو في التاريخ ولو في ثلاث شخصيات فحسب،
فالعزلة المطولة حتى للعظيم تصنع الهذيان لا الحكمة.
طوّر جمالية النصف معرفة أي علم نفسك متى تقول :
هذا يكفي لفهمي الآن ولست بحاجة للغرق في التفاصيل…
فكثير من فائقي الوعي ينهارون لأنهم يخلطون بين الدقة الإبستمولوجية والاجترار المرضي!!.
تذكر أن للحقيقة ألواناً …
فليست كل حقيقة قاتمة وليست كل سعادة سطحية
والواعي حقاً هو من يرى القبح دون أن يفقد القدرة على رؤية الجمال القابع تحته أو بجانبه أو رغم عنه.
وتعلم أن الغباء الوظيفي المؤقت اختيار حكيم بينما الغباء المزمن هو المأساة..
فقد تحتاج أحياناً أن تنسى ما تعلمته مؤقتاً لتعانق طفلاً أو تشرب قهوة بلا تحليل أو تصفق لحظة وطنية كاذبة وأنت تعلم زيفها..
ليس هذا نفاقاً بل هو رحمة بالنفس قبل أن يكون هروباً .

إن ما قدمناه ليس دعوة للجهل ولا تبريراً للانهزاميّة المعرفيّة !!!!
بل هو بيان نقدي لثقافة التّنمية البشرية التي تبيع المعادلة الساذجة “المعرفة تساوي السعادة” كسلعة رخيصة.
إن الوعي سلاح ذو حدين وشاحن كهربائي دون مروض ونافذة تطل على البحر والعاصفة معاً .
المشكلة ليست في أن ترى الحقيقة بل في أن تظن أن رؤيتها وحدها تكفي!!!.
تكمن المهارة الوجودية الحقيقية في القدرة على تحمل رؤية الحقيقة وتحويلها إلى فعل لا إلى جرح مفتوح.!!!
القوي ليس من لا يرى بل من يرى دون أن ينكسر ويمسك بيده حبل الأمل الرفيع وهو يعلم أنه قد لا يصل إلى القاع أبداً.!!
فاختر أن تكون فائق الوعي..
لكن ليس بوصفك ضحية بل بوصفك مهندساً لمعنى ممكن في زمن يئن من فراغ..
. وعندها فقط يصير الوعي لا مِقصلة وجوديّة ولا تاج غرور
وبل واجباً أخلاقيّاً أثقل من السّعادة لكنه أسمى من الطّمأنينة الزّائفة!!

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى