إيمان العجائز بين فطرة اليقين وضجيج البراهين …..

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
قراءة في حكمة خالدة من رحم نيسابور …..
إيمان العجائز بين كنوز الفطرة وأسئلة الحداثة …..
وقفة تأمّليّة في حكمة نيسابور وانعكاساتها على وعينا المعاصر …..
في مدينة نيسابور تلك الحاضرة الوضيئة التي أشرقت بنجوم العلم والفلسفة والكلام!!!!
وأنتجت من الأفذاذ والعباقرة ما يفوق العدّ والحصر
دارت حكاية خالدة أصبحت أيقونةً في تاريخ الفكر الإسلامي ومعلماً من معالم اليقين
حكاية امرأة عجوز لا يُعرف اسمها ولا يُذكر نسبها ولا يُحتفي بمكانتها!!!!!
لكن كلمتها الموجزة البليغة صارت علامةً فارقةً في باب الإيمان ومرجعاً لطالبي الحقيقة!!!!!
يُروى أن الإمام فخر الدين الرازي ذلك الجبل الأشم الذي هزت مؤلفاته أركان الفلسفة وأقامت صروح الكلام!!!!!
كان يسير في موكبه العلمي وحوله تلاميذه ومريدوه في شوارع نيسابور!!!!!
فإذا بعجوز من عجائز المدينة تقف في طريقه متطلعةً إلى هيبته متسائلةً عن هويته
فقيل لها إنه الإمام الرازي صاحب المصنفات الجليلة الذي حشد في كتبه أكثر من ألف دليل قاطع على وجود الباري عز وجل!!!!
فما كان منها إلا أن هزت رأسها باستغراب عجيب واستنكار غريب
وقالت كلمتها الخالدة التي دوّنها التاريخ بحروف من نور:
أفي الله شك يا قوم؟؟؟؟؟
لولا عنده ألف شك لما احتاج إلى ألف دليل!!!!
ووصل الخبر إلى الإمام الرازي نفسه فرفع يديه إلى عنان السماء باكياً متضرعاً خاشعاً!!!!
اللهم إيماناً كإيمان عجائز نيسابور!!!!
هذه الحكاية التي تبدو في ظاهرها حكايةً بسيطةً عابرةً
تحمل في طياتها ثمائلاً إشكاليةً ظلت تؤرق الفكر الإسلامي وتشغل بال الباحثين قروناً طويلة
ثنائية العقل والقلب
ثنائية الاستدلال والذوق!!!
ثنائية الفلسفة والفطرة!!!
ثنائية البرهان والمشاهدة!!!
فالرازي الذي أمضى عمره المديد في تأليف الأدلة وإقامة البراهين ونسج الحجج المنطقية
يقف في نهاية المطاف باكياً متوسلاً إلى ربه أن يهبه إيماناً لا يحتاج إلى كل ذلك العناء والجهد
وكأنه يعترف اعترافاً مُرّاً بأن ثمّة طريقاً إلى الحقيقة أقصر من طريق المنطق!!!
وأن ثمّة معرفةً أشرف وأسمى من معرفة الاستدلال
هي المعرفة التي تسكن الفطرة قبل أن تسكن المدارك
وتستقر في سويداء القلب قبل أن تستقر في خلايا العقل
غير أن الحكاية لا تخلو من مفارقة عجيبة تثير التأمل وتهز الوجدان
فالرازي نفسه لو لم يخض في تلك المتاهات الفلسفية ويغص في تلك البحار الزاخرة
لما أدرك قيمة إيمان العجائز ولا عرف فضل اليقين القلبي
وهو لو لم يشق طريقه في متاهات الجدل العقائدي لما تاق إلى يقين لا يعرف الشك
وهو لو لم يجرب طعم الحيرة والتردد لما عرف حلاوة التسليم والانقياد
وهذا هو الدرس الأعمق الذي تفيض به هذه الحكاية العظيمة
أن الوصول إلى البساطة المدهشة يحتاج أحياناً إلى عبور معقد طويل
وأن العودة إلى الفطرة النقية قد تكون ثمرة رحلة شاقة من التعب العقلي والمعاناة الذهنية
وأن إيمان العجائز لا يُورث ولا يُوهب ولا يُهدى
بل يُكتسب غالباً بعد طول عناء وشدة كدح
كما يكتسب العارف حكمته بعد أن يحترق في نار الأسئلة ويغتسل بماء الشكوك
في زمن الفوضى المعرفية وانهيار اليقينيات
وهنا نُسقط هذه الحكمة الخالدة على واقعنا المعاصر الذي يعج بالتناقضات ويتلاطم بأمواج الفتن
فنحن نعيش في عصر يموج بالشكوك وتتدافع فيه الروايات وتتصارع فيه الحقائق وتتناحر فيه الأيديولوجيات
عصر أصبحت فيه المعرفة سلعة رخيصة والمعلومات فوضى عارمة واليقينيات مجرد احتماليات
عصر اختلط فيه الحق بالباطل والصواب بالخطأ والحقيقة بالوهم
عصر صار فيه الإنسان أكثر معرفة وأقل يقيناً وأكثر اطلاعاً وأقل إيماناً وأكثر قراءة وأقل بصيرة
في هذا الزمن العاصف المضطرب نحتاج إلى إيمان العجائز بمعناه المتجدد لا بمعناه التقليدي
ليس إيمان التقليد الأعمى الذي يغلق العقل ويطفئ نور البصيرة
بل إيمان الفطرة الواعية التي ترى الحقائق بقلبها قبل عينها
وتلمس الجوهر بإحساسها قبل منطقها
وتعرف الطريق بالفطرة قبل أن ترسمه الخرائط
وتصل إلى اليقين بالذوق قبل أن تصل إليه بالبرهان
هذا الإيمان النقي لا يناقض العلم ولا يتعارض مع العقل
بل هو يرتفق بهما ويرتفع فوقهما في آن واحد
فالعلم يدرس الظواهر والإيمان يدرك جوهرها
والعقل يبحث عن الأسباب والإيمان يعرف المسبب الأسمى
والمنطق يحلل التفاصيل والإيمان يستشرف الكليات ويحيط بالغايات
والبرهان يقيم الأدلة والإيمان يذوق الحقيقة في أعماق الروح
وقد يعترض معترض فيقول في حيرة أو توجس
أليس هذا الدعاء إقراراً بالجهل وتبريراً للتقاعس عن طلب العلم
أليس هذا تفضيلاً للسذاجة على الفطنة وللجمود على الحركة
أليس هذا تنازلاً عن قيمة البحث والتحقيق ومكانة الاجتهاد والتدقيق
والجواب القاطع أن إيمان العجائز الذي ندعو إليه ليس هو الجهل المركب ولا التقليد الأعمى
إنما هو تلك الحالة السامية التي يصل إليها العقل بعد أن يستنفد كل طاقاته وجهوده في البحث والتنقيب
ليكتشف في النهاية حقيقة لا مفر منها
أن ثمّة حقائق لا تُدرك بالعقل وحده ولا تبلغ بالمنطق وحده
حقائق تُذاق بالقلب وتُعاش بالوجدان وتُحس بالروح وتُشاهد بالبصيرة
حقائق تكون أقرب إلى الذوق منها إلى الدليل
وأقرب إلى الإحساس منها إلى البرهان
إنه إيمان العارفين لا إيمان الجاهلين
وفرق شاسع بين من يؤمن لأنه لم يعرف شيئاً ومن يؤمن لأنه عرف فعرف أنه لا يعرف
فالأول إيمان غريزة ووراثة وتبعية
والثاني إيمان حكمة وخبرة واختيار
والأول إيمان هش يتزعزع بأقل عارض
والثاني إيمان صلب راسخ كالجبال لا تهزه الزلازل ولا تعصف به الأعاصير
والرازي الذي تمنى إيمان العجائز لم يكن جاهلاً ولا متقاعساً
بل كان عالماً جليلاً أمضى عمره في البحث والتنقيب والتصنيف والتأليف
حتى وصل إلى ما وصلت إليه تلك العجوز بالفطرة السليمة والقلب النقي
وهذا هو الفارق الجوهري
أن تصل إلى القمة بالكدح والعناء والمعاناة
أو أن تولد عليها بالفطرة والنقاء والصفاء !!!!
تتلخص حكمة هذه القصة الخالدة في جملة من الدروس البليغة التي لا غنى عنها لطالب حقيقة
أولها أن الإيمان الحقيقي الأصيل لا يُبني على الحجج والبراهين وحدها
فهناك إيمان قلبي يسبق الاستدلال ويعلو على المنطق ويتجاوز الجدل
وهو الإيمان الذي يلامس الروح قبل أن يلامس العقل
ويخاطب الوجدان قبل أن يخاطب الفكر
وثانيها أن كثرة الأدلة ووفرة البراهين قد تكون دليلاً صارخاً على قلة اليقين وضعف الإيمان
فمن أيقن بالشيء أيقاناً صادقاً لم يحتج إلى إقامة البرهان عليه ولا إلى حشد الأدلة حوله
ومن شك فيه أو تردد احتاج إلى كل تلك الأدلة والبراهين ليُقنع نفسه قبل أن يُقنع غيره
وثالثها أن العقل مهما بلغ من قوة وشأوٍ ومكانةٍ
فهو في النهاية أداة للوصول إلى الحق ووسيلة للتقرب إلى الحقيقة
ليس هو غايةً في نفسه ولا مقصداً في ذاته
وأن ثمّة مقاماً من الإيمان يتجاوز الاستدلال إلى المشاهدة
ويتجاوز الفكر إلى الذوق
ويتجاوز الجدل إلى التسليم
ورابعها أن العالم الحقيقي الرباني ليس من يستعرض أدلته ويتباهى ببراهينه
بل من يصل إلى يقين لا يحتاج إلى دليل ولا إلى برهان
وهي المكانة السامية التي تمنّاها الرازي نفسه في خواتيم عمره
وتضرع إليها في آخر أيامه
وخامسها أن الكمال الإيماني إنما يتحقق بالجمع المبارك بين العقل والقلب!!!!!!
فالعقل يبصر الطريق ويرسم الخريطة
والقلب يمنح القوة للسير ويضفي الروح على الخطى
والدليل يرشد إلى الباب واليقين يفتحه
والفلسفة تفهم كيف تدخل والفطرة تذيب كل الشكوك وتزيل كل الحجب !!!!
أيّتها العجوز النيسابورية المجهولة!!!! التي لا يعرف الناس اسمك ولا يذكرون نسبك ولا يخلدون سيرتك
لقد كنتِ أعظم من كثير من الفلاسفة وأعمق من كثير من المتكلمين وأبصر من كثير من المفكرين
لقد كنتِ تملكين ما تمنّاه أعظم علماء الإسلام بعد عمر مديد من البحث والتنقيب والجدل والمراء
لقد كنتِ تملكين اليقين الذي يحرك الجبال ويمشي على الماء ويقطع الفيافي
وفي زمننا هذا الذي تكاثرت فيه الأدلة وتضاعفت فيه البراهين وتنوعت فيه المناهج
وازدادت فيه الشكوك وتكاثرت فيه الأسئلة وتشعبت فيه السبل
نحن أحوج ما نكون إلى إيمان لا يهتز ويقين لا يتزعزع وبصيرة لا تُعمى
نحن أحوج ما نكون إلى قلوب نقية كقلب تلك العجوز
ترى الحق بعين الفطرة وتلمس اليقين بيد الروح وتذوق الحقيقة بذوق الوجدان
اللهم إيماناً كإيمان عجائز نيسابور
لكن بعد أن نكون قد فهمنا لماذا تمنّاها الرازي !!!!!
ولماذا سيبقى العالمون يتطلعون إليها ويتاقون إليها إلى آخر الدهر ؟؟؟
ولماذا تظل تلك الكلمة البسيطة حاضرة في ضمير التاريخ وشاهداً على عظمة الفطرة ؟؟؟
والسلام على من اهتدى بفطرته واستنار بقلبه وتجاوز عن تعقيدات عقله إلى سعة يقينه
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلوات والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين ……
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




