مقالات

ديوانُ من قتل العتابَ بصمته.. ومضى خلف الأبوابِ يجرُّ ماضيه

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
فحين يصير الصّمت سيفاً والذّاكرة طعنة!!

فإنّه تتكوّن في دهاليز الذّاكرة حيث تتكدّس الجّروح كالكتب المغلقة على رفوف النّسيان.
يقف رجلٌ لا يشبه أحداً.
رجلٌ قرّر أن يكتب وصيته الأخيرة قبل أن يرحل عن عالمٍ لم يعد يستحق منه حتى نظرة وداع.!!.
إنّه ذاك الذي قال لنفسه ذات مساءٍ شتوي:
[كل مسجل بس أحساب متأجل] إنّها جملةٌ موجعة كالزجاج المكسور تحمل في طياتها حقيقة وجودية صادمة:
أن كل ما نفعله في هذه الحياة ليس إلا أرقاما مؤجلة في دفاتر الغياب.
وأن التواريخ التي نكتبها بأحمر الشوق سرعان ما تتلاشى كأحلام اليقظة تحت شمس الواقع القاسية.!!!!
من هنا في هذه اللحظة الفارقة التي تعلن فيها الروح تمردها الأخير يُقتل العتاب بصمتٍ مدوٍ وتُرفع راية اللامبالاة عاليا ويُعلن أن كل المسجلات التي كانت تحمل أسماءنا وأسماء من أحببنا ليست سوى حساباتٍ مؤجلة إلى يومٍ لا نعرف متى سيأتي أو ربما إلى يومٍ لن يأتي أبداً.!!

في سردية : كل مسجلٍ بس أحسابٍ متأجل؟؟!!

تلك الكلمة البسيطة في ظاهرها العميقة في باطنها كالبئر التي لا قرار لها تحمل فلسفة وجودية لا يستهان بها.
“كل مسجل بس أحساب متأجل”

إنها ليست مجرد جملةٍ عابرة بل هي تأملٌ عميق في ماهية الزمن والذاكرة والوجود.
كل ما نسجله كل ما نكتبه كل ما نحتفظ به من صورٍ ورسائل ومواعيد وأمنيات هي ليس إلا حساباتٍ مؤجلة في دفاتر الزمن التي تمضي بنا إلى حيث لا نعلم.!؟

تأمل معي أيها القارئ الفطن: كم من موعدٍ سجلناه في عقولنا وانتظرناه بفارغ الصبر فلم يأتِ إلا متأخرا .
أو لم يأتِ أبداً؟
و كم من وعدٍ كُتب بحروف من نور فتحول إلى سرابٍ حين حلَّ موعده؟
وكم من ذكرى احتفظنا بها كالكنز!!
فإذا بها تتحول إلى حساباتٍ مؤجلة لا قيمة لها في ميزان الحاضر؟

هذه الشخصية التي أطلقت هذه الكلمات كرصاصةٍ في قلب الزمن هي شخصية أدركت أن الحياة كلها لعبة حسابات مؤجلة!!
وأن من ينتظر من الآخرين أن يوفوا بوعودهم أو أن يحافظوا على ذكرياتهم كمن ينتظر أن تزهر الصخور أو أن تمطر النار فلقد تعلمت بعد طول عناء أن الوفاء في هذا العصر أصبح عملة نادرة وأن الصدق صار كالكبريت الذي يشتعل لحظةً ثم ينطفئ تاركا خلفه رماداً وذكرى عابثة.!!

وفي حكمة
: قتل العتاب بالصمت.!؟
فحينها يصبح السكوت أبلغ من ألف خطاب!

ومن قلب هذا الديوان الوجودي حيث تُكتب الفصول بحبر الجروح لا بحبر المداد نجد مشهدا دراميا لا يُنسى
: مشهد قتل العتاب بصمتٍ مدوٍّ.! إنها لحظة يختار فيها الإنسان ألا يقول ما في قلبه ليس لأنه لا يملك الكلمات.
بل لأنه أدرك أن الكلمات في هذه الدنيا لم تعد تحمل أي معنى.
إنها لحظة يختار فيها السكوت لأنه أبلغ من كل الخطابات!؟ وأعمق من كل الاعتذارات! وأصدق من كل التبريرات….!

فالعتاب في جوهره الفلسفي هو اعترافٌ ضمني بأن الطرف الآخر لا يزال مهما.
وأن العلاقة ما زالت تستحق المحاولة.
لكن حين يُقتل العتاب وحين يُدفن في مقبرة الصمت فهذا يعني أن الإنسان قد وصل إلى مرحلة اللامبالاة المطلقة….
انها مرحلة لا يعود فيها يكترث بما قاله الآخرون أو بما فعلوه. لأنه أدرك أن كل ما حدث ليس إلا جزءاً من حساباتٍ مؤجلة في دفاتر لا تعني شيئاً.

فيكون الصمت هنا ليس ضعفاً بل هو قوة لكن من نوع خاص.
إنه انتصار الفلسفة على الدراما. والعقل على العاطفة.
والوجود على الزوال.
إنه رسالةٌ تقول:
لقد تجاوزتك.
لقد اصبحت في مكانٍ لا يصل إليه صوتك ..
.لقد أصبحت خارج نطاق تأثرك فوداعا إلى الأبد.؟!!
والمضيّ خلف الأبواب..
رحلة الماضي الذي لا يعود!!

“ومضى خلف الأبواب يجرُّ ماضيه”
– هذه الصورة الشعرية المدهشة تحمل في طياتها عبقرية المكان والزمان.
إنها تصور لنا إنسانا يغادر عالم العلاقات والذكريات لكنه لا يستطيع أن يترك ماضيه خلفه فيجره خلفه كالظل الثقيل كالسلسلة التي لا تنفك عن قدميه كالجسد الذي لا يفارق الروح حتى وإن أرادت الروح أن تطير.!!

فالأبواب هنا ليست مجرد أبوابٍ خشبية أو حديدية..
بل هي حدودٌ فاصلة بين مرحلتين من العمر
بين حالين من الوعي وبين شخصيتين من نفس الإنسان

الحالة الأولى: باب الطفولة حيث البراءة والحلم.
وللخالة الثانيى:
باب الشباب حيث الحماسة والوهم
والنرخلة الثالثة:
باب النضج حيث الخيبة والصمت.
والمرحلة الأخيرة:
باب الرحيل حيث لا شيء سوى الظل الذي يجره الماضي خلفه.؟؟؟

هذه الشخصية التي مضت خلف الأبواب تاركةً كل شيء لكنها تجرّ ماضيها كالجندي الجريح الذي يجرّ ساقه المبتورة هي في ذاتها تدرك أن الماضي لا يمكن تركه بسهولة وأن الذاكرة ليست مجرد أرشيفٍ نفتحه حين نشاء ونغلقه حين نشاءابدا بل هي كيان حي يتنفس في أعماقناو يذكرنا بمن كنا وبمن أحببنا وبمن خذلنا وبمن رحلوا وبقيت آثارهم فينا كالوشم الذي لا يزول.!!
لنصل لمرحلة حكمة الروح والعقل فتتكون فلسفة الحسابات المؤجلة في زمن الغياب!!

في هذا العالم الذي نعيشه حيث كل شيء يُسجل ويُحسب ويُؤجل تبرز حقيقة وجودية مؤلمة:
أننا جميعا مسجلون في دفاتر الغياب ….
وأن حساباتنا كلها مؤجلة إلى يومٍ لا نعرف متى سيحين.
كل علاقة عشناها كل كلمة قلناها، كل دمعة أهرقناها كل ضحكة أطلقناها كلها مسجلةفي ذاكرة الزمن لكنها مؤجلة في حساب الوفاء الذي لا يأتي.!!

إنها رؤية عبقرية للحياة تضع الإنسان أمام مرآته الصادقة وتقول له:
ما دمت تعلم أن كل شيء مؤجل فلماذا تتعب نفسك في التسجيل؟
ولماذا تراكم الحسابات التي لن تُسدَّد؟
ولماذا تنتظر من الغائبين أن يعودوا؟؟
ومن الراحلين أن يقدموا اعتذاراً!!
ومن الموتى أن يبعثوا؟

إن هذه الشخصية التي أعلنت أن كل مسجل هو حساب مؤجل هي شخصية وصلت إلى قمة الوعي الوجودي ..
شخصية أدركت أن التعلق بالآخرين والتشبث بالذكريات والانتظار طويلا كلها حسابات مؤجلة في دفاتر الوهم!!!
وأن الحقيقة الوحيدة هي أننا وحدنا في هذه الرحلة وأن كل من نلتقي بهم ليسوا سوى مسافرين عابرين على طريق لا نهاية له.!!
لتولد من جديد ملامح هذه الشخصية في مرآة المجتمع

ففي سياقنا الاجتماعي العربي حيث العلاقات الإنسانية معقدة ومتداخلة.
حيث التوقعات العائلية والاجتماعية مرتفعة كالجبال. حيث الاعتذار غالباً ما يُعتبر ضعفا والصمت قوةً تبرز هذه الشخصية كنموذجٍ فريدٍ يحمل في طياته كل تناقضاتنا الجمعية.

هذه الشخصية هي نتاج بيئة علمتها أن العتاب لا يجدي.
وأن الصمت أبلغ من كل الكلام.! وأن الموت أول درس في الحياة وأن الماضي يجب أن يبقى خلف الأبواب!!. إ
نها ليست شخصية ضعيفة أو هاربة!
بل هي شخصية وصلت إلى مرحلة من النضج القاسي تجعلها تدرك أن السلام الداخلي لا يأتي من الآخرين بل من التصالح مع الذات ومع الماضي ومع الحسابات المؤجلة التي لن تُسدد أبدا!!!

فهذه الشخصية في جوهرها الاجتماعي هي صوت كل من تعب من النفاق الاجتماعي ومن كثرة الأقنعة التي نرتديها في علاقاتنا ومن الكلام الذي لا يصدقه أحد ومن الاعتذارات التي لا تعني شيئاً ومن الحسابات المؤجلة التي نراكمها في قلوبنا دون أن نجد من يسددها.!!
فيكون الدروس من ديوان الصامت المتمرد له ديوانا خاصا

ومن هذا الديوان العظيم الذي كتب بحبر الجروح ودماء القلب يمكننا أن نستخلص دروسا وجودية عميقة:

الدرس الأول: أن العتاب حين يموت يموت معه الأمل.
لكنه يولد معه السلام الداخلي فالسلام الحقيقي يا سيدي لا يأتي من إصلاح العلاقات المتآكلةابدا بل من تحرر الروح من أغلالها.!!

الدرس الثاني:
أن الصمت ليس فراغا بل امتلاء وأن من يصمت بعمق هو من يملك أكثر الكلام عمقاً،د!
لأن الكلام الحقيقي لا يُقال بل يُعاش ويُشعر به واحساس عميق!!

الدرس الثالث:
أن الماضي مهما حاولنا تركه خلف الأبواب فإنه يجرخلفنا كالظل ليس لأنه عنيد بل لأنه اصبح جزء من هويتنا..
ومهما حاولنا التخلص منه فإنه يبقى فينا كالحمض النووي الذي لا يتغيرابدا…..!

الدرس الرابع:
أن الحسابات المؤجلة في الحياة لا تُسدَّد أبدا ليس لأن الناس لا يريدون تسديدها بل لأن الحياة نفسها قائمة على التأجيل.
فكل شيء في هذه الدنيا مؤجل:
اللقاءات مؤجلة الوداعات مؤجلة الاعتذارات مؤجلة حتى الموت نفسه مؤجل إلى أجلٍ لا يعلمه إلا الله.؟؟؟؟

الدرس الخامس: أ
ن التمرد الحقيقي ليس في رفع الصوت بل في إسكاته ليس في الهجوم بل في الانسحاب!!.
ليس في المواجهة بل في تجاوزها إلى أفقٍ آخر من الوعي حيث لا يصل إليها ضجيج الدنيا ولا حساباتها المؤجلة.!!

وفي نهاية هذه الرحلة العتابية الصامتةحيث كتبنا فصول ديواننا بحبر الجروح ودماء القلب نعود إلى تلك الشخصية التي قتلت العتاب بصمتها ومضت خلف الأبواب تجرّ ماضيها لتقول لنا بصوتٍ خفيضٍ لكنه يملأ الكون:
كل مسجل بس ألحساب متأجل فلا تتعب نفسك في التسجيل ولا تراكم الحسابات التي لن تُسدَّد
ولا تنتظر من الغائبين أن يعودوا.
لأن العودة لا تأتي إلا لأولئك الذين لم يغادروا حقا…؟؟

تلك الشخصية التي رفعت راية الصمت عالياً وأعلنت تمردها على كل الحسابات المؤجلة هي في الحقيقة نموذج إنسانيٌ فريد يجمع بين قسوة التجربة ورقة الفلسفة!!
وبين صرامة العزلة وعمق الوعي!
وبين مرارة الماضي وجمال التحرر منه.!!

وهي تترك لنا في النهاية سؤالاً وجودياً مفتوحاً:
هل يمكننا حقاً أن نترك ماضينا خلف الأبواب ؟؟؟؟
أم أننا جميعاً مسجلون في حساباتٍ مؤجلة؟؟
،ونمضي خلف الأبواب التي لا تنتهي ونجرّ خلفنا ماضيا لا يموت ولا يغفر ولا ينسى؟

ربما يكون الجواب في كلماتٍ أخرى.
في صمتٍ آخر.
ففي ديوانٍ آخر يكتبه كل منا بحبر روحه ويضعه خلف بابٍ يفتح مرةً واحدة ثم يغلق إلى الأبد.!!!

فيا أيها الصامت الذي قتل العتاب بصمته..
ويا أيها الماضي الذي يجرّ خلف الأبواب. .
ويا أيها الحساب المؤجل الذي لن يُسدَّد….
إليك هذه الكلمات التي لن تقرأها

وهذا الديوان الذي لن تفتحه وهذه التحية التي لن تصل لأنها مسجلة في دفاتر الغياب مؤجلةٌ إلى يومٍ لا يعلمه إلا من سجلنا عنده كل شيء.

وخلف كل بابٍ تغلقه هناك بابٌ آخر ينتظر.
ووراء كل حسابٍ مؤجل هناك حقيقة لم تسجل بعد.
وبعد كل صمتٍ يقتل العتاب هناك كلمة لم تُقل…
تنتظر من يجرؤ على نطقها ولو بعد فوات الأوان.!!

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى