مقالات

حين ينتهي الاختيار ويبدأ التّكوين

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

أن أكون أو أن أكون
ليس لأنّ الخيارات قد تعدّدت أمامي فأمعنت النّظر بينها ثم اخترت أصلبها … بل لأنّ الدّهر وقد مارس سلطانه الكامل على مسالك العمر لم يترك لي من الاحتمالات إلا ما يشبه القدر المحتوم!!!
فكان علي :: أن أكون صلباً أو أكون صلباً !!
فهناك ثمة لحظات في حياة الإنسان لا يعود فيها الاختيار فعلاً من أفعال الحريّة. ..
بل يتحوّل إلى صورة أخرى من صور الضّرورة.
إذ تنكمش المسافات بين الممكنات !! وتتلاشى الفوارق بين البدائل !!!
حتى يغدو الطريق الواحد متنكراً في هيئة طرق متعددة !!
بينما تكون الوجهة واحدة والمصير واحداً والتكليف الوجودي واحداً.

لقد اعتاد الفكر الإنساني أن يمجد الحرية بوصفها أعلى تجليات الكرامة البشرية غير أن التجارب العظمى تعلمنا أن الإنسان لا يُصنع في ساحات الاختيار الرحبة.
بل في الأزمنة التي تضيق فيها منافذ النجاة وتتعاظم فيها أثقال الأيام حتى يصبح الثبات ضرورة …
والبقاء معركة.
والصبر شكلاً من أشكال البطولة الصامتة!!!
فالدهر ليس مجرد تعاقب للأيام .
ولا دوران للفصول .
ولا حركة صامتة لعقارب الزمن!!
بل هو القوة الخفية التي تعيد تشكيل الأرواح في أتون المحن …
وتنحت الشخصيات بأزاميل الخسارات.. وتصوغ الوعي من مادة الألم الخام حتى يخرج الإنسان من ذاته القديمة كما يخرج المعدن النفيس من قلب النار أكثر نقاءً وأشد تماسكاً وأبعد عن الانكسار!!!
وحين يبلغ المرء هذه المرتبة من الإدراك يكتشف أن السؤال لم يعد أن أكون أو لا أكون ؟؟؟
كما توهمت الفلسفات القلقة !!
بل أن أكون على نحو يليق بِمَ اجتزته من عواصف.
وأن أكون على قدر ما فرضته الحياة من امتحانات.
وأن أكون أهلاً للأثقال التي وضعتها الأقدار على كتفي دون استئذان!!
فالصلابة ليست خشونة الروح .
ولا جفاف المشاعر
ولا موت الحس الإنساني.
بل هي ذلك التوازن المهيب بين القدرة على التألم والقدرة على الاستمرار وبين الانحناء للعاصفة والامتناع عن السقوط.. وبين حمل الجراح في أعماق النفس. ومنعها في الوقت ذاته من التحول إلى هوية نهائية!!
وما الإنسان القوي إلا ذلك الكائن الذي تعلم كيف يحول الخسارة إلى معرفة… والوحدة إلى بصيرة.
والعجز إلى تأمل .
والوجع إلى طاقة أخلاقيّة تعينه على عبور العالم دون أن يفقد جوهره ….
أو يتنازل عن كرامته الدّاخليّة !!
لهذا لم يعد قولي أن أكون أو أن أكون مجرّد عبارة أدبيّة عابرة !!
بل صار بياناً وجوديّاً مكثّفاً يختصر رحلة طويلة من الصّدام مع الواقع !!
ومن التفاوض المضني مع الألم !!
ومن الانتصار المتكرّر على دوافع الانهيار
فالدهر حين يضيق الخيارات إلى أقصاها لا يسلب الإنسان حريته كما يُظن…
بل يكشف له جوهره العاري من الأوهام ويضعه وجهاً لوجه أمام حقيقته الكبرى
وحينها يدرك المرء أن بعض الناس يعيشون لأنّهم اختاروا الحياة …
أمّا بعضهم الآخر فيعيشون لأنّهم تعلموا كيف يكونون أصلب من كل ما أراد لهم السّقوط !!!
وهكذا لم يبق لي : إلا أن أكون
أن أكون..
كما تصنع القمم هيبتها من مواجهة الرّياح !!
وأن أكون كما تصنع البحار عمقها من تراكم العواصف…
وأن أكون كما يصنع الزّمن حكمته من عبور القرون…
لأنّ الدّهر لم يترك لي خيارات كثيرة..
غير أن أكون إنساناً
صلباً أو أن أكون إنساناً صلباً …..

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى