مقالات

حين تكلّم الرّئيس وسكتت الحواجز سوريا تفتح أبوابها للإعلام وتغلقها على الخوف

بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

إنّ اللقاء الذي كسر الحواجز كيف أعاد الرّئيس أحمد الشّرع تعريف العلاقة بين السّلطة والإعلام
ففي لحظة فارقة من تاريخ سوريا السّياسي والإعلامي شهدت العاصمة لقاء غير مسبوق جمع الرّئيس أحمد الشّرع بنخبة من كبار الإعلاميين العرب والعالميين من رؤساء ومدراء تحرير مؤسّسات صحفيّة بارزة إلى شخصيات أكاديمية ووزراء إعلام سابقين لم يكن اللقاء مجرد بروتوكول دبلوماسي بل لحظة تأسيسيّة أعادت رسم العلاقة بين السلطة والصّحافة وطرحت أسئلة عميقة حول مستقبل الخطاب السّياسي السّوري في ظل انفتاح إعلامي غير مألوف

هذا الحدث لم يكن محصورا في قاعة اللقاء بل امتد صداه إلى الصّحافة العالميّة التي سارعت إلى تحليله واعتبرته نقطة تحو؟ل في صورة سوريا السّياسية بل وفي مفهوم الحاكم العربي نفسه

فمنذ اللحظة الأولى بدا واضحا أن اللقاء لا يخضع لقواعد المجاملة بل يتأسس على مبدأ المكاشفة الرئيس الشرع واجه أسئلة غير تقليدية بعضها يعتبر محرما في السياقات العربية وبعضها لا يطرح حتى في ديمقراطيات الغرب من ملفات حقوق الإنسان إلى علاقة النظام بالحركات الإسلامية ومن موقفه من المعارضة إلى رؤيته لمستقبل سوريا أجاب الشرع بصراحة وواقعية دون مواربة أو تهرب

هذا السلوك السياسي الجديد الذي يتبنى الشفافية لا كتكتيك بل كمنهج أعاد تعريف صورة الحاكم في المخيال السوري والعربي لم يعد الرئيس ذلك الكائن المعزول خلف جدران القصر بل أصبح طرفا في حوار مفتوح مع الإعلام يعترف بالاختلاف ويتقبل النقد ويمنح الصحافة حقها في السؤال والمساءلة

اللقاء لم يمر مرور الكرام في الصحافة العالمية مجلة ذي إيكونوميست البريطانية خصصت تقريرا موسعا وصفته بأنه لحظة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث مشيدة بجرأة الرئيس في طرح الملفات الحساسة وبقدرته على مخاطبة الجمهور العالمي بلغة سياسية ناضجة المجلة اعتبرت أن الشرع رجل يتقن فن التناقض يجمع بين الحزم في إعادة السلطة المركزية والمرونة في الحوار مع الآخر ويؤسس لخطاب سياسي جديد لا يشبه خطابات الأنظمة العربية التقليدية

أما صحيفة النهار اللبنانية فقد رأت في اللقاء إعلانا لنهاية مرحلة التعتيم الإعلامي مشيرة إلى أن الصحفي السوري الذي عاش عقودا من التهميش والخوف تلقى دعوة غير مباشرة للعودة إلى الميدان لكن هذه المرة بشروط جديدة حرية الطرح احترام العقل النقدي وإعادة تعريف الصحافة كسلطة رابعة لا مجرد بوق دعائي

صحيفة لوموند الفرنسية ركزت على البعد الرمزي للقاء معتبرة أن مجرد جلوس الرئيس أمام وفد إعلامي متنوع والإجابة عن أسئلة غير مريحة هو إعلان ضمني بانتهاء مرحلة الزعيم المعصوم وبداية عهد الرئيس المحاور

فالوفد الإعلامي الذي حضر اللقاء لم يكن متجانسا بل حمل معه أطيافا فكرية متباينة بعضها يتقاطع مع رؤية الرئيس وبعضها يعارضه جذريا من صحفيين يساريين إلى ليبراليين من قوميين إلى إسلاميين من مؤسسات إعلامية محافظة إلى منصات نقدية حادة ومع ذلك لم يقص أحد ولم تمنع أي وجهة نظر ولم تفرض خطوط حمراء على الأسئلة

بل على العكس كان اللقاء مساحة مفتوحة حيث طرحت أسئلة غير تقليدية بعضها يعتبر محرما في السياقات العربية وبعضها لا يطرح حتى في ديمقراطيات الغرب من ملفات التعذيب إلى سجن صيدنايا من البراميل المتفجرة إلى فساد النظام السابق أجاب الشرع بصراحة وواقعية دون إنكار أو تبرير قال
نحن لا نبرر نحن نراجع وما لا يراجع يعاد إنتاجه

بهذا أعاد الرئيس الشرع تعريف العلاقة بين الحاكم والمحاور بين السلطة والناقد بين الدولة والصحافة لم يعد الآخر تهديدا بل ضرورة ولم يعد السؤال خطرا بل فرصة

لا إخوان ولا سلفية فالشرع يرفض التصنيف

حين طرحت عليه أسئلة مباشرة حول علاقة حكمه بالحركات الإسلامية أجاب الشرع بوضوح
لا إخوان ولا سلفية نحن لا نصنف نحن نبني نموذجا سياسيا مستقلا لا يستنسخ تجارب الآخرين ولا يخضع لابتزاز الهويات الدينية أو الطائفية

هذا الرد لم يكن مجرد نفي بل موقف فكري وسياسي يعكس رغبة في بناء دولة مدنية لا تدار بمنطق الجماعة ولا تختزل في خطاب ديني بل تبنى على أسس مؤسساتية عقلانية وتعددية

اللافت في خطاب الشرع أنه لم يتبن موقفا عدائيا تجاه الحركات الإسلامية بل قدم قراءة نقدية لتجاربها معتبرا أن معظمها فشل في التحول من منطق الدعوة إلى منطق الدولة قال
المشكلة ليست في الإسلام بل في من يحاول احتكاره وتحويله إلى برنامج حكم مغلق لا يعترف بالاختلاف

فالرسالة التي حملها هذا اللقاء كانت مزدوجة للداخل والخارج للصحفي السوري كانت دعوة لاستعادة دوره المهني بعد عقود من الرقابة والتهميش وللصحافة العالمية كانت إعلانا بأن سوريا لم تعد تلك الدولة المنغلقة التي ترفض النقد بل باتت مستعدة للمساءلة للحوار وللظهور أمام الكاميرا دون خوف من الأسئلة الصعبة

و لقد أعاد الرّئيس الشّرع الاعتبار للصحفي المحلي لا بوصفه ناقلا للخبر بل صانعا للوعي وشريكا في صياغة المستقبل أما الصحفي العالمي فقد تلقى دعوة مفتوحة تقول
نحن هنا نسمعكم ونرد عليكم ولسنا نسخة مشوهة من أنظمة الشرق الأوسط التي تكمم الأفواه وتخاف من الكلمة

و إنّ هذا اللقاء يستحق أن يؤرّخ

ما جرى لا يختزل في عنوان صحفي أو تقرير إخباري إنه حدث يستحق أن يكتب عنه مؤلفات وتحليلات لأنه لم يكن مجرد لقاء إعلامي بل لحظة تأسيس لخطاب سياسي جديد يعترف بالآخر يحترم الإعلام ويؤمن بأن النقد ليس تهديدا بل فرصة

في زمن اعتادت فيه الأنظمة على تكميم الأفواه جاء هذا اللقاء ليقول الكلمة الحرة لا تخيف بل تنير والاختلاف ليس خطرا بل ضرورة والسّلطة التي لا تسائل لا تحترم

عكـس الاتّـجاه نيـوز
الحقيقـة الكاملـة
معــاً نصنع إعـلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى