سوريا تكتب استقلالها بمداد السّلام وتُعلن ميلاد شرق أوسط ما بعد التّبعيّة ..

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
خلع العباءتين وسوريا الجّديدة …
نحو تأسيس شرق أوسط ما بعد المحاور قراءة في رؤية الرّئيس أحمـد الشّرع من لقاء الجّزيرة…!!!
في تقاطع المصالح السّياسيّة تقف المنطقة العربيّة رهينة لنماذج استراتيجيّة بالية قوامها
“محاور”
تستعبد الدول وتستنزف مقدراتها.!
لكن لقاء الرّئيس أحمـد الشّرع مع قناة الجّزيرة لم يكن مجرّد حوار صحفي.
بل كان إعلاناً عن ولادة فلسفة سياسيّة جديدة يمكن وصفها
بـ[نظرية الخروج المزدوج]أي التّحرّر من عباءة النّفوذ الإيراني وعباءة الهيمنة الإسرائيليّة معاً…
نحو فضاء إقليمي جديد يقوم على السّيادة الوطنيّة والسّلام الشّامل والازدهار الدّائم….!!
في هذا المقال نسعى لتفكيك هذه الرّؤية.
واستقراء دلالاتها الرّمزية وتحليل تداعياتها الإقليميّة والدّوليّة والدّاخليّة في محاولة لفهم كيف يمكن لكلمات أن تغير مسار تاريخ منطقة بأكملها.؟؟
إن ما ميّز لقاء الشرع هو وضوح لا يقبل التأويل وهذا في حد ذاته يشكل قطيعة مع ثقافة
(الغموض)
التي طبعت العقود السابقة.!
· النقطة الأولى:
(الاتفاق الأمني مع إسرائيل):
حين صرّح قائلاً:
[نسعى لاتفاق أمني بمشاركة دولية]كان ذلك تجاوزا لكل المحرمات..
حيث حوّل الملف من خانة الردع والغارات السرية إلى خانة التفاوض العلني مع تمسكه بحق سوريا في الجولان مما يجعل السلام مشروعا سياديا لا تنازلاً.!!
· النقطة الثانية:
(لبنان ونزع السلاح):
بقوله:
[لا تدخل عسكرياً والقرار بيد الدولة اللبنانية]أعلن فصلا تاما عن عقيدة
(العمق الاستراتيجي)
التي جعلت سوريا منصة لإيران.!!
هذا الموقف يعيد تعريف العلاقة السورية اللبنانية على أسس الدولة وليس المحور. وانهاء هذا اامحور وللابد..
· النقطة الثالثة :
(العقوبات وقائمة الإرهاب):
كشف وعيه السياسي الدقيق بقوله
: [رفع العقوبات دون شطب الاسم من قائمة الإرهاب لا قيمة له]مشيراً إلى أن لب المشكلة هو التصنيف الدولي لا الأداة الاقتصادية فقط.
هذه الجملة وضعت النقاط على حروف المأزق الدولي الذي تعاني منه سوريا.!!
دلالة رمزية:
الشرع لم يضع النقاط فقط بل رسم بإصراره خريطة طريق تُحدد معالم دولة جديدةلا تنتظر أوامر من عاصمة ولا تخشى تهديدا من جارة ولا تلوذ بالغموض كغطاء للضعف…..
ونعود لنقف امام اشد الحظات التاريخية بهذا اللقاء حيث كان الخروج من المشروع الإيراني هو البعد الأكثر إثارة في الرؤية حيث حملت كلمات الشرع إيحاءات قطيعة أنطولوجية مع عقد من النفوذ.
· فالرمزية السياسية :
حين تحدث عن رفض أي دور عسكري في لبنان وحصر السلاح بيد الدولة كان ذلك إعلاناً بفك الارتباط بكل أدوات النفوذ الإيراني من ميليشيات إلى ممرات برية وكأنه يقول:
[انتهى عصر الجسور]
· الدلالة الفلسفية:
خروج سوريا من العباءة الإيرانية لا يعني مجرد تغير تحالفات بل هو تحرر من فكرة “الدولة العميقة الإقليمية”
التي جعلت سوريا أداة لمشروع طائفي لا وطني…
الشرع يعيد تعريف سوريا كدولة عربية ذات سيادة لا كحلقة في سلسلة محور أجنبي.!!
· التأثير الاستراتيجي:
إيران تواجه اليوم فقدان ركيزتها الأساسيةليس فقط في سوريابل في المعادلة الإقليمية بأكملها.
فقد أصبحت معزولة في مواجهة تحالف سوري تركي خليجي عربي و غربي مما يضعها أمام مأزق وجودي:
[ إما إعادة تعريف نفوذها عبر الدبلوماسية أو الانكماش إلى الداخل]…
فالأكثر دهاءً سياسي في رؤية الشرع هو تحويل علاقة سوريا مع إسرائيل من صراع تحت الضغط إلى مفاوضات بمعايير وطنية…
مما يخلخل أسس التفوق الإسرائيلي التقليدي.!!
١· الدلالة العبقرية:
الشرع حوّل إسرائيل من محتل يفرض وقائع على الأرض إلى شريك ممكن في معادلة سلام لكن بشروط سورية واضحة.
هذا يضع تل أبيب في موقف المتلقي لا المطلق للشروط، لأول مرة منذ عقود.
٢· الرمزية التاريخية:
تمسكه بالجولان ونفيه لأي نية للحرب يعني أن السلام ليس استسلاماً بل هو مفاوضات لاستعادة الأرض والحقوق.
بهذا ينتزع الشرع من إسرائيل ورقة
“التهديد الأمني”
التي استخدمتها لتبرير عدوانها.!!
٣· التأثير النفسي:
إسرائيل التي تعودت على عدو يقول
“المقاومة”
تواجه اليوم عدو يقول “التفاوض”.
هذا يربك عقيدتها الأمنية القائمة على الردع ويجبرها على التفكير في أمنها عبر طاولة الحوار لا عبر طائراتها.!!
وما يقدمه الشرع ليس مجرد سياسة بل مشروع حضاري للمنطقة يقوم على استبدال منطق الصراع بمنطق التكامل….
١· الرمزي الكامن:
منطقة سلام دائم تعني كسر حلقة الفقر والعنف وتحويل الشرق الأوسط من بؤرة توتر إلى فضاء للتنمية والتبادل.
سوريا بموقعها الجغرافي ستتحول من ثقل أمني إلى جسر للطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.
٢· الدلالة الاقتصادية:
ربط الشرع بين الأمن والازدهار حيث لن يكون هناك سلام حقيقي دون تنمية تشمل الجميع. وهذا يفتح الباب لعودة الاستثمارات وإعادة الإعمار وعودة النازحين مما يخلق مصالح مشتركة تجعل الحرب مكلفة للجميع.
٣· الإسقاط الداخلي:
المواطن السوري وجد في هذه الرؤية طوق نجاة من واقعه المأزوم حيث تصبح الدولة راعية لمستقبله لا ساحة لصراعات غيره….
و التداعيات الإقليمية والدولية والتحولات استراتيجية عميقة
…. إقليمياً:
١· إيران في مأزق:
فقدان الممر السوري والانعزال عن التحالفات الجديدة يضع طهران أمام خيارات صعبة بين القبول بالواقع أو المواجهة المعزولة.
٢ · إسرائيل بين المطرقةن والسندان:
قبول التفاوض يعني الاعتراف بشرعية المطالب السورية والرفض يعني تفويت فرصة سلام تاريخي مع خصم كان ألد أعدائها.
٣· دول الخليج وتركيا:
تجد نفسها أمام شريك جديد يمكن البناء عليه مما يعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة.
…. دولياً:
١ _ واشنطن وأوروبا: وضوح الشرع في فصل سوريا عن إيران وتصريحاته عن الإرهاب أعطى الغرب ذريعة لإعادة النظر في موقفه متجاوزاً فكرة “العدو اللدود” إلى “الشريك الممكن”.
٢ _ المؤسسات المالية الدولية: ربط العقوبات بقائمة الإرهاب فتح الباب أمام نقاش جاد حول إعادة إدماج سوريا في النظام المالي العالمي.
بين كلمات الشرع ونظراته كان هناك وعي بخطورة المرحلة وإدراك أن المنطقة لا تحتمل المزيد من التجارب الفاشلة. رؤيته ليست مجرد برنامج حكومي بل هي بيان تأسيسي لدولة جديدة ولشرق أوسط جديديقوم على نفي التبعية واستبدالها بـالسيادة..
واستبدال الصراع بـالمنفعة المشتركة.
التحدي الأكبر: كيف ستترجم هذه الرؤية إلى أفعال على الأرض في ظل عقلية المحاور التي تغلغلت في النخب والشعوب لعقود؟
لكن الذي لا شك فيهأن الشرع قد وضع حجر الزاوية لتحول ربما يكون الأهم في تاريخ المنطقة الحديث.!!!
والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه اليوم:
هل هذا الشرق الأوسط الجديد الذي يبشّر به قادر على الولادة؟؟؟
أم ستبقى رؤيته أسيرة لعوائق الواقع وتوازنات القوى القديمة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.؟؟
في لقاء واحد، استطاع الشرع أن يقلب الطاولة على الجميع:
أخاف إسرائيل بالسلام الشامل وأربك خصومه بالوضوح المطلق وأعاد العالم للتفكير في سوريا كعنوان للاستقرار لا للصراع.
لم تكن كلماته مجرد حوار بل كانت نقاطاً فوق حروفٍ ظلت مشوشة لعقد من الزمن..
لترسم ملامح شرق أوسط جديد لا يخلو من المخاطر لكنه واعد بواقع مختلف بفضل لغة غير مسبوقة من الصراحة السياسية والعمق الاستراتيجي.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




