مقالات

الأخلاق تُقاس بطول التّنورة لا بعمق الضّمير

بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

حين تصبح الأخلاق سروالاً ضيقاً وتُنسى في مكاتب الفساد
فالأخلاق ليست سراً تحت الحزام لتفكيك النّفاق الأخلاقي في الثّقافة العربيّة

و في المشهد العربي حين يُذكر مصطلح الأخلاق تتّجه البوصلة فوراً نحو الجنس وكأننا مجتمع لا يرى في الأخلاق سوى ما يتعلق بالجسد الستر والفضيحة هذا الاختزال ليس مجرد سوء فهم بل هو نتاج منظومة تربوية ودينية وثقافية كرست لعقود طويلة فكرة أن الاخلاق تُقاس بما يُلبس ويُمارس لا بما يُقال ويُفعل وبينما نُشهر سيف الفضيلة في وجه النساء نُغض الطرف عن الفساد الكذب الغش والظلم الذي ينخر في مؤسساتنا و أرواحنا

الأخلاق في جوهرها ليست قائمة ممنوعات جنسية بل منظومة قيم تحكم سلوك الإنسان في تعامله مع نفسه ومع الآخرين تشمل الصدق الأمانة العدالة الاحترام الرحمة المسؤولية النزاهة الشجاعة والوفاء
الأخلاق هي أن لا تسرق لا تكذب لا تظلم لا تستغل لا تبرر القبح بالسلطة أو المال أو الدين
الأخلاق هي أن تكون إنساناً قبل أن تكون محتشماً

لكننا كمجتمع نُعلم أبناءنا كيف يخفون أخطاءهم لا كيف يُصلحونها نُدين اللباس ولا نُدين الكذب نُقدس السمعة ونُهمل الضمير نُطارد الفضيلة في ملابس النساء ونتركها تُغتصب في مكاتب المسؤولين

هذا الانحراف في فهم الأخلاق له جذور عميقة فالتربية العربية غالبا ما تُبنى على الخوف من الفضيحة لا على الوعي بالخطأ يُقال للطفل لا تفعل كي لا تُفضح وليس لا تفعل لأنه خطأ الخطاب الديني بدوره يُركز على الزنا واللباس والاختلاط بينما يغيب الحديث عن الرشوة الكذب الغش النفاق والظلم السلطة الأبوية والذكورية تُحمل المرأة عبء شرف العائلة بينما يُغض الطرف عن سلوك الرجل مهما كان فاسداً والاعلام كعادته يُصور الانحلال الأخلاقي غالباً عبر مشاهد جنسية بينما لا يُعالج الفساد الإداري أو الأخلاقي في المؤسسات بنفس الحدة

في ظل هذا التشويه من الضروري أن نُعيد تعريف الاخلاق ونُعيد الاعتبار لقيم تم تهميشها عمداً فالنزاهة مثلاً تعني أن لا تبيع ضميرك مقابل منصب أو مصلحة والعدالة ان تُنصف حتى من تختلف معه الاحترام أن تُصغي قبل أن تحكم لا أن تُهين المختلف المسؤولية أن تتحمل نتائج افعالك بلا تبرير أو تهرب الرحمة أن ترى الإنسان قبل أن ترى خطأه الصدق ليس فقط في الكلام بل في النوايا والعلاقات والمواقف الوفاء أن لا تتخلّى عن من وثق بك والشجاعة الأخلاقية أن تقول لا في وجه القبح حتى لو كنت وحدك أما الكرامة فهي أن لا تُذل نفسك ولا تُذل غيرك والحياء الفكري أن لا تتحدّث فيما لا تعرف وأن لا تُصدر أحكاماً دون فهم

إعادة بناء الخطاب الأخلاقي تبدأ بإعادة التربية على القيم لا على الخوف بفصل الأخلاق عن الجنس بفضح النفاق الاخلاقي في المؤسسات والمجالس وبإعادة بناء الخطاب الثقافي والإعلامي حول الانسان لا حول الجسد

في مجتمعنا قد يُعتبر من يرفض رشوة موظف ساذجا بينما تُلاحق من تلبس بنطالا ضيقا بتهمة انعدام الأخلاق هذا الانقلاب في المفاهيم لا يُضحك فقط بل يُبكي ايضا الأخلاق ليست ما يُقال عنها في المجالس بل ما يُمارس في الحياة اليومية فهل نملك الشجاعة لنُعيد تعريفها أم سنبقى نُطارد العفة في ملابس النساء ونتركها تُغتصب في ضمائر الرّجال

عكـس الاتّـجاه نيـوز
الحقيقـة الكاملـة
معــاً نصنع إعـلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى