سارمات .. صاروخ الشّيطان المتجدّد..!!

هل يكتب نهاية التّفوّق الغربي ؟؟
أم يفتتح عصراً جديداً من الرّعب الاستراتيجي؟
عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
حين تخترق صواريخُ روسيا حجبَ الغلاف الجوي فإنّها لا تحمل رؤوساً حربيّة مشعةً فحسب بل تحمل معها فلسفةَ الرّدع ذاتها وتكتب على صدر السّماء بأحرفٍ من جحيمٍ متأجج:!!!
إنّ معادلات القوة لم تعد كما كانت وأن من يمتلك
“سارمات”
يمتلك حقَّ إعادة كتابة قوانين اللعبة من جديد…
فما بالك بجبارٍ يزن ما يزيد على مئتي طن ؟!
ويقطع مسافاتٍ يفوق مداها خيالَ المهندسين.
ويتخذ من الفضاءِ الخارجي مطيةً ليفاجئ أعداءَه من حيث لا يحتسبون.
حاملاً على متنه عشرةَ أرواحٍ نوويةٍ أو تزيد.
كلٌّ منها يهدّد مصيرَ مدنٍ بأكملها؟ إنه ليس سلاحاً عابراً للقارات فحسب!!
بل هو عابرٌ للتاريخ.
كاسرٌ لكلِّ تصوراتِ التفوقِ الغربي ومعلنٌ عن ميلادِ عصرٍ لم تعد فيه أمريكا وحدها من تملك مفاتيحَ السماء.!!
وفي مشهد هزّ أركان الردع العالمي ونقض ثوابت التوازن الاستراتيجي..
أطلقت روسيا بنجاح صاروخها العابر للقارات
“آر إس – ثمانية وعشرين سارمات”
ذلك الجبار الذي لم يتردد حلف شمال الأطلسي في تسميته بـ”الشّيطان المتجدّد”.
وبينما يقطع الكرملين عهداً على نفسه بأن هذا الصاروخ سينخرط في الخدمة القتالية الفعلية مع مطلع العام القادم .
يبرز السؤال المحوري بإلحاح بالغ: هل نحن على موعد مع نقلة نوعية في فلسفة التدمير الاستراتيجي؟؟
أم أننا أمام أسطورة دعائية ضخمة في سياق الصراع الوجودي المتأجج بين موسكو وواشنطن؟
ما يمنح
“سارمات”
تفرده لا يقتصر على كونه مجرد صاروخ.
بل يتجاوز ذلك ليصبح مدرسة متكاملة في فن الردع .
فهو يُصنف بوصفه أضخم صاروخ في تاريخ البشرية العابر للقارات.
إذ يتجاوز وزنه مئتي طن وثمانية أطنان .
ويستمد قوته الاندفاعية الهائلة من وقوده السائل.
بيد أن الرقم الذي يزرع الرهبة في أعماق القلوب هو مداه الأسطوري الذي يتجاوز وفقاً للرواية الروسية خمسة وثلاثين ألف كيلومتر متخطياً بفارق مهول كل ما تمتلكه واشنطن أو بكين من نظائر.!!
ويكمن السر الأعظم في قدرته على الإبحار في مسارات شبه مدارية لا تخضع لمنطق الباليستية التقليدي مما يمنحه امتيازاً نادراً في مباغتة الأهداف من بوابات غير متوقعة تماماً….
كأن ينقض من فوق القطب الجنوبي متجنباً شبكات الدفاع الصاروخية الأمريكية التي شُيدت بعناية فائقة لصد الهجمات القادمة من القطب الشمالي.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد.
بل يمتد ليمتلك قدرة استثنائية على حمل ما يتراوح بين عشر إلى خمس عشرة رأساً نووياًوكل منها موجه باستقلالية تامة نحو هدف مختلف.
فضلاً عن إمكانية تجهيزه بالمركبة الانزلاقية الفرط صوتية
“أفانغارد”
التي تسير بسرعة تفوق الخيال وتغير مسارها في الهواء كأنها شبح أفلت من كل قوانين الباليستية.!!!
إن إجراء مقارنة بين عملاق روسيا ونظيره الأمريكي
“مينيوتمان الثالث”
ليس سوى مقارنة بين فيلق هائل من الجبابرة وكتائب من المشاة. فـ”مينيوتمان”
الذي لا يزال حتى اليوم العمود الفقري للقوات البرية الأمريكية النووية لا يتجاوز مداه ثلاثة عشر ألف كيلومتر.
ولا يحمل أكثر من رأس حربي وحيد،.
رغم أنه صُمم في الأصل ليحمل ثلاثة.
وحتى الصاروخ الصيني
“دي إف – واحد وأربعين”
الذي يُعد بحق من أكثر الصواريخ تطوراً في الشرق لا يصل مداه إلى حدود خمسة عشر ألف كيلومتر.. غير أن الفارق الجوهري الحقيقي لا يكمن في المدى فقط.
بل في قدرة الاختراق وعبقرية المناورة.
ذلك أن الصواريخ الأمريكية وإن راهنت على التخفي والسرعة النسبية فإن
“سارمات”
يمتلك ترسانة من الحيل المذهلة التي لا حدود لها!!
رؤوس حربية متعددة ومخادعات إلكترونية مذهلة ومركبات فرط صوتية وقدرة على الهجوم من أي اتجاه يرتضيه.
وهذا كله كما يصفه كبار المحللين يجعله سلاحاً لتحدي أنظمة الدفاع وتفكيكها لا مجرد أداة للإطلاق.
غير أن الصورة وإن بدت مكتملة البريق فإنها لا تخلو من شروخ خفية تجعل هذا العملاق عرضة للنقد العميق.
فهو يعتمد على الوقود السائل الذي يستوجب عملية تزويد معقدة قبل الإطلاق مباشرة..
و على نقيض الصواريخ العاملة بالوقود الصلب التي تظل في حالة تأهب دائم.
وهذا القيد يفقده جزءاً كبيراً من مرونته في سيناريوهات الضربة المفاجئة ويجعله أشبه بسلاح يحتاج إلى نفَس طويل قبل أن يزفر ناره.
والأكثر إثارة للقلق هو تاريخه المضطرب مع التجارب الميدانية. فرغم سعي موسكو الحثيث لتقديمه بوصفه معجزة تكنولوجية فإن برنامجه شهد فشلين ذريعين في عامي ألفين وأربعة وعشرين وألفين وخمسة وعشرين.
حين انفجر أحد نماذجه وهو في قاذفته مخلفاً حفرة هائلة في موقع الإطلاق.
وهذا الفشل العسير يطرح تساؤلات مريرة حول مدى جاهزيته القتالية الفعلية..
ويذكرنا بأن الردع لا يبنى على العدد والتهديد فحسب.
بل على الجدارة والموثوقية في آن واحد.!!
وفي التحليل الأخير يظل “سارمات”
لغزاً يحير العقول ويأسر الألباب.
فإن كان سلاحاً حقيقياً مكتملَ الجاهزية فهو إيذانٌ ببزوغ فجرٍ جديدٍ في تاريخ الحروب والردع حيث يكتب الروس معادلاتهم بأيديهم ويضعون الغرب أمام واقعٍ استراتيجيٍّ لم يألفه.!!
وإن كان ولا نقول مجرد أداة دعايةٍ هائلة.
فهو الشاهد الأكبر على أن الترهيب أحياناً يسبق التدمير.
وأن المخاوفَ قد تهزم الأسلحةَ قبل أن تنطلق من قواعدها.
لكن يبقى اليقينُ الأعمق أن موسكو إذ ترفع راية
“سارمات”
في وجه واشنطن إنما تقول بلسان الحال: إن كنتم تملكون دروعاً فلدينا ما يخرقها!!
وإن كنتم تملكون حصوناً فلدينا من يفتتها!!
وإن كنتم تظنون أن الردعَ محسومٌ لكم إلى الأبد فالزمنُ وحده كفيلٌ بأن يثبت أن الغبار لا يموت .
وأن النارَ إذا اشتعلت في القلب الروسي لم يبقَ للغربِ من ملجأ ولا منجى من قهرِ هذا العملاق الذي صنع من الفولاذ إرادةً ومن النار هويةًومن التحدي خلوداً.!!
وهذا المقال أيها القارئ الكريم ليس مجرد سردٍ لتقنية عسكرية.
بل هو رحلةٌ في أعماق الردع الاستراتيجي .
حيث تلتقي الهندسة بالفلسفة وتتصارع الإرادات على مسرح الكون .
لتبقى النهاية معلقةً على سؤالٍ واحد: هل يستطيع الغرب أن يردّ على تحدي “سارمات” بمعجزةٍ تكنولوجية تليق بعظمة هذا التحدي؟؟
أم أن الزمن سيأتي بما لا تشتهي سفنُ واشنطن؟
لننتظر ونراقب ونتابع ….
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




