مقالات

الأيام القاسية تصنع الأيادي التي لا ترتجف

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّ

مرثية الجّبابرة في زمن الهشاشة …..
ليست القسوة لعنة كما يظنُّ الواهنون بل هي معموديّة النّار التي لا يجتازها إلا من كُتبَ له الخلود …..
النعومة ليست فضيلة بل إنّها مجرّد قبر يمشي على قدمين … ينتظر أول عاصفة ليهوي في وحل النسيان ….
أمّا الأيادي التي لا ترتجف .. فتلك أيادٍ خُضِّبت بدماء المعارك ..
وطُبِّخت بنيران الانتظار .. وعُجنت بملح الدموع ..
حتى صارت قبضتها أقسى من صخرة، وأدفأ من نبض.. وأصدق من وعد …

حين يصبح الجّبار وحيداً في زمن الضعفاء ….
المجتمع لا يحب الجّبابرة ….. المجتمع يحب الضّحايا الوسيمين ..
أولئك الذين يبكون على الهواء ..
ويصنعون من جرحهم أغنية ..
ومن ضعفهم تُراثاً ..
أمّا الذي نهض من رماده … وشيّد عرشه على أنقاضه ….
وأمسك بقلب الزمن وهو يرتجف فجعله يسير على إيقاع نبضه ..
فهذا مزعج ..
مزعج جداً ..

لماذا ؟؟؟
لأنه مرآة تعكس عورات الآخرين !!!!!
حين يمر الجبار بين الناس ..
تضيق بهم الأرض بما رحبت ..
لا لأنه متكبر ..
بل لأن وجوده اتهام صامت لكل من استسلموا …
نظراتهم إليه تخالطها الدهشة والحسد والخوف : “كيف نجا؟؟؟؟
كيف لم ينكسر؟؟؟؟؟
كيف يضحك والماضي لا يزال يئن تحت قدميه؟؟؟؟ “

المجتمع يشفق على الباكي …
لكنه يخشى الصامد ….
يمد يده للجريح ….
لكنه يتراجع عن الجبار ….
هذا ليس جحوداً …
بل هو قانون بقاء القطيع : القطيع يحمي الأعوج …
لكنه يطارد السوي ….
القطيع يؤمن بالجماعة المتوسطة لكنه يكره الفرد الاستثنائي …

مواجهة الجبار مع عين المجتمع !!!!

حين تظهر شخصية صنعتها الأيام القاسية في فضاء اجتماعي ناعم تنشأ معركة صامتة:
١ _ الاستغراب أولاً …
كأن الجبار مخلوق من كوكب آخر ….
“كيف لا ينهار ؟؟؟؟؟؟
كيف لا يطلب العون .؟؟؟؟
كيف يتعامل مع الألم كأنه نافذة وليس سجناً ؟؟؟؟”
المجتمع في حيرة لأنه ألفَ البكاء عنواناً للإنسانية واعتاد على أن الضعف دليل على الرقة والانهيار دليلاً على العمق …. لكن الجبار لا يلعب هذه اللعبة.
٢ _ التهمة ثانياً …
يتهمونه بالجفاف العاطفي بالقسوة بعدم الاكتراث …… يقولون عنه :
“قلبه من حجر” …
لكنهم لا يعرفون أن الحجر هو الذي صمد حين انهار كل شيء…..
الحجر هو الذي لم يتبدل حين تبدلت الوجوه …..
الحجر هو الأوفياء.
٣ _ الاستقواء ثالثاً …..
يحاول البعض استغلال صلابته فيُلقون عليه أثقالهم …
لأنه الوحيد القادر على حملها ….
المجتمع يخلق من الجبار حصاناً للحروب يركبونه في الأزمات ثم يتركونه في العراء بعد النصر ….
يصبحون بحاجة إلى أياديه التي لا ترتجف لكنهم في قلوبهم يتمنون لو ارتجفت ولو مرة ليشعروا أنهم مثله أو ليشعروا أنه مثلهم.

ثم يأتي الدور الأعظم: كيف يرى الجبار المجتمع؟؟؟؟؟

هنا العكس الأكثر إيلاماً….. الشخصية التي صنعتها القسوة تنظر إلى المجتمع نظرة الذي رآهم عراة تحت الأقنعة…..
ترى فيهم خوفاً مقنّعاً بغطرسة وضعفاً متنكراً بكبرياء وحاجة ماسة إلى طمأنينة لا يملكونها.
تنظر إليهم بلا حقد بل بلا رغبة في الانتماء …..
لأنها عرفت أن الانتماء الحقيقي ليس أن تكون جزءاً من جماعة بل أن تكون أنت بكل ما تحمله من جروح قديمة وأسلحة جديدة.

الجبار لا يحتاج إلى قبول المجتمع، لأنه تخطى حاجتهم إليه حين تخطى حاجته إليهم. لكنه مع ذلك يظل يمد يده ….
ليس حباً فيهم، بل وفاءً لإنسانيته التي لم يفقدها رغم كل شيء.
يمد يده لمن سقط ومن بكى ومن استسلم
لا شفقةً …
بل تذكيراً بأن النهوض ممكن ….
لكن الأغلبية لا تسمع لأن الأذن المصابة بالصمم الاختياري، لا تلتقط إلا ألحان البكاء الجماعي …

في ساحات المعارك الكبرى :

في العمل:
الجبار لا يُحَبّ ……
يُحتاج إليه ثم يُطرد حين تنتهي الأزمة لأنه يظل صامداً في زمن التملق والتماهي مع الجماعة.

في الحب:
الجبار يُخاف منه.
يظنون أنه لا يحتاجهم لأنه لا يتمسك بثوبهم وقت الخوف، فيتركونه ليرحل ثم يكتشفون أنهم فقدوا الملجأ الوحيد.

في الصداقة:
الجبار يصير معالجاً مجانياً يستمع لانهياراتهم يحمل أوجاعهم يمسح دموعهم لكن حين يحين دورهم ليكونوا سنداً يجدون أنفسهم عاجزين لأنهم لم يتعودوا على سند الجبال.

المجتمع لا يؤمن بالشخصية التي صنعتها الأيام القاسية،
لكنه يستدعيها في كل لحظة تاريخية مصيرية….
في الحرب يستدعي الجنود الصامدين …
في الأزمات يستدعي القادة الحديديين.
في الكوارث يستدعي الأيادي التي لا ترتجف. لكن حين يعود السلام حين تعود التفاهة إلى سدة المجد، يعودون إلى موقفهم القديم:
“هؤلاء لا يناسبون زمننا الناعم”.

وما أدراك ما زمننا الناعم !!!!!!! زمن تصنع فيه البطولات من منشورات وتُقاس فيه القيمة بعدد الإعجابات ويُقدَّس فيه الضعف لأنه “إنساني” ويُتهم الصمود بأنه “لا مبالاة”.

الأيادي التي لا ترتجف هي أيادٍ باهظة الثمن لكن المجتمع لا يملك عملتها.
هي أيادٍ كتب عليها أن تكون وحيدة لأنها أصبحت من نوع مختلف من الطين.
طينٌ خُبز في أتون الأيام لا في حمامات الدفء الزائف.

إن صادفت أحدهم فلا تسأله: “كيف تحملت ؟؟؟؟”
واسأله :
“كيف تعلمت ألا ترتجف ؟؟؟؟؟؟”
لكن لا تنتظر إجابة ترضي عقلك الناعم …..
فإن إجابته لن تكون كلمات بل نظرةٌ تقول :
“لأنني رأيت الموت مبكراً فعرفت أن الحياة لا تُعاش إلا بقبضة لا تلين…….
ولأنني بكيت وحدي ..
فعرفت أن الدموع لا تغسل الجروح بل تغسل فقط من يظن أن البكاء خلاص.
ولأن المجتمع أحبني حين انكسرت،
وكرهني حين نهضت فعرفت أن الطريق إلى ذاتي يمر وحيداً لكنه يمر بلا رجفة …..”

أيها الجبار لا تنتظر تصفيقاً ولا تبحث عن مرآة تعكس عظمتك فأنت أكبر من أن تحويه مرآة ….
فقط استمر في مد يدك لا لتمسح دموعهم بل لتريهم أن اليد التي لا ترتجف هي اليد التي يستطيع العالم أن يقوم عليها، ولو كرهوا ذلك.

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى