الاقتصاد السّوري يفاجئ العالم .. نمو إيجابي ومعركة المعيشة ما تزال مشتعلة

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ الثّلاثاء الاقتصادي
بقلم : أحمـد غريب قد _ مدير التّحرير
إنّنا اليوم نتحدّث عن مرحلة مهمّة من تاريخ سوريا الاقتصادي…
فإنّ سورية اليوم تقف أمام منعطف جديد تتداخل فيه إشارات التّعافي مع تحدّيات الواقع المعيشي…
فبعد سنوات طويلة من الانكماش بدأت المؤشرات الدّوليّة ترصد عودة النّمو وتراجع التّضخّم وتحسّن سعر الصّرف وعودة المؤسّسات الماليّة العالميّة للتعامل مع سوريا بعد قطيعة امتدت أكثر من عقد…
ومع ذلك يبقى السّؤال الأكثر إلحاحاً : هل يشعر المواطن السّوري بهذا التّحسن؟…
أولاً : عودة النّمو… الاقتصاد يلتقط أنفاسه
تشير تقارير البنك الدّولي وصندوق النّقد الدّولي إلى أن سوريا ستسجل نموّاً اقتصاديّاً إيجابيّاً لأول مرة منذ عام 2022 بنسبة تقارب 1% في عام 2025 بعد انكماش بلغ 1.5% في 2024
هذا التّحوّل ليس مجرّد رقم بل يمثل استعادة تدريجيّة للثقة في اقتصاد أنهكته الحرب والعقوبات والانقسام الجّغرافي .
كما سجّلت الليرة السّوريّة ارتفاعاً بنسبة 29% بين نهاية 2024 ومنتصف 2025 وهو تحسّن نادر في سوق الصّرف انعكس مباشرة على استقرار أسعار الغذاء وتراجع وتيرة الغلاء .
أمّا التّضخّم الذي كان العدو الأول للمواطن…
فقد انخفض إلى 6.4% في يناير 2025 مقارنة بـ118% في العام السابق وهو تحوّل جذري في مسار الأسعار .
هذه المؤشّرات مجتمعة تعني أن الاقتصاد السّوري بدأ يخرج من عنق الزّجاجة وأن مرحلة الانكماش الحاد قد تكون خلفه .
ثانياً: الإصلاحات الحكوميّة … هندسة التعافي
التّحسّن لم يأتِ من فراغ بل من حزمة قرارات وإصلاحات شملت :
١- توحيد السياسات المالية والنقدية
٢- تحسين الحوكمة والشفافية
٣- إطلاق تعاون فني مع صندوق النقد الدولي لأول مرة منذ 2009
٤- رفع رواتب القطاع العام بنسبة 400%
٥- تحسين إمدادات الكهرباء
٦- تسهيل دخول السلع عبر الحدود
هذه الإجراءات أعادت شيئاً من الانضباط إلى السوق وفتحت الباب أمام عودة الاستثمارات وبدء مشاريع إعادة الإعمار.
ثالثاً: انعكاس النمو على المواطن… بين الانفراج والضيق
١ _ الأسعار تتراجع… لكن القدرة الشرائية ما تزال ضعيفة
استقرار الليرة وتراجع التضخم أديا إلى انخفاض نسبي في أسعار الغذاء وتحسن توفر السلع في الأسواق .
لكن رغم ذلك تبقى القدرة الشرائية للمواطن متآكلة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور الحقيقية .
٢ _ الرواتب ترتفع… لكن الفقر ما يزال واسعاً
رفع الرواتب بنسبة 400% خطوة مهمّة لكنها لم تكفِ لانتشال أكثر من 90% من السوريين من تحت خط الفقر.
التحسن ملموس لكنه غير كافٍ لتغيير نمط الحياة اليوميّة .
٣ _ عودة السوريين تحرك الاقتصاد… وتضغط على الخدمات
عودة 2.6 مليون سوري بعد التغيير السياسي خلقت حركة اقتصادية نشطة لكنها زادت الضغط على :
ا- الخدمات
ب- البنية التحتية
ج- سوق العمل
٤ _ قطاع البناء… محرّك التعافي الأول
الدمار الواسع فتح الباب أمام:
أ- فرص عمل جديدة
ب- تحريك الصناعات المرتبطة
ج- خلق دورة اقتصادية جديدة
لكن هذا القطاع وحده لا يكفي لإحداث تحول شامل.
٥ _ أزمة السيولة… عقدة التحسن
رغم كل المؤشرات الإيجابيّة تبقى أزمة السّيولة _ قيود السحب تعليق المدفوعات الإلكترونية تأخر الرواتب _ أكبر عائق أمام استفادة المواطن من التحسن الاقتصادي.
رابعاً: قراءة تحليليّة شاملة
الاقتصاد السوري اليوم يقف على أرضية جديدة:
نمو إيجابي تضخم منخفض سعر صرف مستقر انفتاح دولي وعودة تدريجية للثقة.
لكن هذا التّحسّن ما يزال هشاً ويحتاج إلى :
١- تعزيز الإنتاج المحلي
٢- إصلاح القطاع المصرفي
٣- معالجة أزمة السيولة
٤- دعم الطبقة العاملة
٥- توسيع شبكة الأمان الاجتماعي
بمعنى آخر :
الاقتصاد يتحسّن… لكن حياة المواطن لم تتحسّن بالقدر الكافي بعد.
التّحسّن موجود لكنّه يحتاج وقتاً ليصل إلى المائدة إلى الدواء إلى فاتورة الكهرباء إلى جيب الموظف والعامل .
فسوريا اليوم ليست كما كانت قبل عامين .
هناك تحسّن حقيقي في المؤشّرات الاقتصاديّة وهناك أمل واقعي بمرحلة تعافٍ تدريجي .
لكن الطّريق ما يزال طويلاً والمواطن ينتظر أن يتحوّل هذا التّحسّن من أرقام وتقارير إلى تحسّن ملموس في حياته اليوميّة .
إنّنا نمر بمرحلة صعبة و دقيقة تتطلّب إدارة حكيمة واستثماراً في الإنسان وإعادة بناء الثّقة بين الدّولة والمجتمع.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




