حين تُرفع الرّسوم كالسيوف… وتُترك الصّناعة السّوريّة في العراء

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ الثلاثاء الاقتصادي
بقلم : أحمـد غريب قد _ مدير التّحرير
ليس ما فعلته المملكة الأردنيّة الهاشميّة مجرّد تعديل جمركي ولا إجراءاً تقنيّاً عابراً بل صفعة اقتصاديّة صريحة وجرس إنذار مدوٍ يضرب ما تبقى من قدرة الصّناعة السّوريّة على التّنفس .
فالقرار جاء كمن يضع حجراً إضافياً فوق صدر اقتصاد يختنق منذ سنوات بينما يقف الصّناعي السّوري في خط النار بلا حماية وبلا درع وبلا سياسة تجارية تحميه من موجات الإغراق التي تتدفق على أسواقه من كل اتجاه.
لقد آن لهذا الملف أن يُفتح بلا مجاملة وأن يُناقش بلا تردد فليس من المقبول أن تُغلق أبواب التصدير في وجه المنتج السوري بينما تُفتح أسواقه على مصراعيها لكل ما هو مستورد رخيص أو مدعوم أو موجّه لإزاحة الصناعة الوطنية من الطريق.
ما يحدث اليوم ليس خللاً بل استنزافاً وما يُفرض على سوريا ليس رسوماً بل حصاراً اقتصاديّاً مقنعاً يهدّد ركائز الإنتاج ويقوّض ما تبقى من فرص العمل.
إنّ الصّناعة السّوريّة لم تعد تطلب دعماً بل تطلب عدالة ولم تعد تبحث عن امتيازات بل عن حقها الطبيعي في بيئة تنافسية متوازنة. واللحظة الراهنة لا تحتمل التردد فإما أن تتحرك الحكومة السورية بقرارات حاسمة وسريعة تعيد ضبط ميزان التجارة وتحمي المنتج الوطني أو سنجد أنفسنا أمام انهيار صناعي لا يمكن ترميمه لاحقاً مهما كانت الإجراءات.
ويشكل القرار الأخير الصادر عن المملكة الأردنيّة الهاشميّة برفع الرّسوم الجّمركيّة على المستوردات السّوريّة ضمن القائمة السلبية تطوّراً اقتصادياً بالغ الحساسية لما يحمله من انعكاسات مباشرة على حركة التجارة الثنائية وعلى قدرة المنتج السوري على النفاذ إلى الأسواق الإقليمية في لحظة يعاني فيها الاقتصاد الوطني من ضغوط غير مسبوقة.
هذا القرار لا يمكن النظر إليه كإجراء فني أو إداري بل كتحول في قواعد التعامل التجاري يفرض على سوريا إعادة تقييم أدواتها وسياساتها التجارية بما يحفظ مصالحها ويمنع المزيد من الخسائر في قطاع الإنتاج.
فرفع الرّسوم الجّمركيّة على السلع السّوريّة يأتي في سياق ثلاثي الأبعاد :
١_ حماية الصّناعات الأردنيّة التي تواجه منافسة من المنتجات السّوريّة منخفضة التكلفة
٢_ تعويض العجز المالي عبر زيادة الإيرادات الجمركية
٣_استخدام الورقة التجارية كأداة ضغط سياسية واقتصادية في ظل توازنات إقليمية معقدة
لكن هذا القرار يحمل آثاراً سلبية واضحة على الاقتصاد السوري أهمها :
١– تراجع الصادرات السورية نحو الأردن وهو أحد أهم المنافذ البرية المتبقية
٢– زيادة تراكم المخزون لدى الصناعيين السوريين وانكماش دورة الإنتاج
٣– ارتفاع تكاليف النقل والعبور نتيجة انخفاض حجم التبادل
٤– فقدان آلاف فرص العمل المرتبطة بسلاسل التصدير
و لماذا يجب أن تتحرّك الحكومة السّوريّة بسرعة ؟
الاقتصاد السّوري اليوم لا يحتمل المزيد من الصدمات فالصناعة الوطنية تعمل في بيئة مرتفعة التكاليف منخفضة القدرة التنافسية وتعاني من ضعف الطلب المحلي وتراجع الصادرات وبالتالي فإن أي قيود إضافية على التصدير تعني عملياً تهديداً مباشراً لاستمرارية منشآت كاملة في قطاعات النسيج والغذاء والدواء والمواد الكيميائية.
التأخر في اتخاذ قرارات مقابلة سيؤدي إلى :
١– خروج منشآت جديدة من سوق الإنتاج
٢– ارتفاع البطالة وتراجع الدخل الحقيقي للأسر
٣– زيادة الاعتماد على المستوردات الأجنبية
٤– توسع العجز التجاري
٥– فقدان ما تبقى من القاعدة الصناعية السورية
و ما الذي يجب على الحكومة السّوريّة اتّخاذه فوراً ؟
بناء على المعطيات الاقتصاديّة والقدرة الحالية للقطاع الصناعي فإن الإجراءات العاجلة يجب أن تكون على مستويين داخلي وخارجي
١_ إجراءات خارجية دبلوماسية وتجارية
١– تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل مع الأردن والدول التي تفرض قيوداً على الصادرات السورية
٢– فتح قنوات تفاوض مباشرة مع الجانب الأردني لإعادة النظر بالرسوم الجديدة أو استثناء قطاعات محددة
٣– تفعيل الاتفاقيات التجارية العربية التي تضمن حرية التبادل وخفض الرسوم
٤– توسيع أسواق التصدير البديلة نحو العراق والخليج وشمال إفريقيا
٢_ إجراءات داخلية اقتصادية عاجلة
١– تخفيض تكاليف الإنتاج عبر دعم الطاقة للمنشآت الصناعية المنتجة
٢– إعادة هيكلة التعرفة الكهربائية للصناعة بما يضمن استمراريتها
٣– تقديم حوافز تصديرية مباشرة تشمل دعم الشحن والتأمين
٤– تشديد الرقابة على الاستيراد وتنظيمه بما يحمي المنتج الوطني من الإغراق
٥– إطلاق برنامج تمويل سريع للمصانع المتضررة من تراجع التصدير
٥– إعفاءات ضريبية مؤقتة للمنشآت التي تحافظ على العمالة
و هناك حلول استراتيجيّة طويلة الأمد فلا يكفي التعامل مع القرار الأردني كحدث منفصل بل يجب أن يكون محفزاً لإعادة بناء السّياسة التجارية السّوريّة على أسس جديدة :
١– تنويع الشركاء التجاريين وتقليل الاعتماد على منفذ واحد
٢– تطوير جودة المنتج السوري لزيادة قدرته على المنافسة
٣– دعم الابتكار الصناعي والتحديث التكنولوجي
٤– إنشاء مناطق صناعية موجهة للتصدير
٥– تحسين بيئة الأعمال وتسهيل الإجراءات الجمركية والضريبية
فإن القرار الأردني ليس مجرد إجراء جمركي بل رسالة اقتصادية تستوجب رداً سريعاً ومدروساً من الحكومة السورية لحماية الصناعة الوطنية ومنع انهيار قطاعات إنتاجية حيوية. المطلوب اليوم ليس رد فعل انفعالي بل حزمة قرارات اقتصادية متوازنة تجمع بين الدّبلوماسية التجارية والدعم الدّاخلي وتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل بما يضمن استقرار السوق السّوريّة ويحافظ على فرص العمل ويُعيد للصناعة الوطنيّة قدرتها على الصّمود والمنافسة .
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




