نحن وإخوة يوسف .. قصة تتكرّر كلما استبدلنا الحق بهوانا ….

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
لغتان في فم واحد ..
بين “أخانا” حين ننتفع و”ابنك” حين نتبرّأ…!!
في مشهد قرآني خالد يقف إخوة سيدنا يوسف بين يدي أبيهم سيدنا يعقوب عليه السّلام فيُدهشنا القرآن ببراعة تصوير تناقض النّفوس حين تخلّى عن مراقبة الله وتركت القياد لهواها.!! ففي المرة الأولى إذ كانت لهم حاجة في اصطحاب أخيهم قالوا بأفصح البيان وأعذبه:
[أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]…
بل تجاوزوا إلى أبلغ التّعظيم وأسمى التّعبير:
[وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ].
أمّا حين انتهت المصلحة وتحوّل الأخ الصّغير إلى عبء ثقيل
وتجلّت الّتبعة قالوا بكل برود وجفاء :
[إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ].
لم يقولوا أخانا ولا حملهم الوجد على التّخفيف عن أبيهم بل قالوا ابنك في تحوّل مذهل من لغة القرب إلى لغة التّباعد ومن دعوى الحفظ إلى رمي التهمة.
ومن التودّد إلى التّبرؤ..
وكأنّ العلاقة لا تثبت إلا ما دامت المصالح قائمة وكأن القول يتبدل بتبدل الأغراض والدين يتشكل وفق الحاجات الآنية.!!
هذا المشهد القرآني مع كونه حكاية عن قوم مضوا وانقضوا.
فهو مرآة صادقة لحال أمة اليوم في كل زمان ومكان.
ذلك أن النفوس إذا خلت من خشية الله واستبدلت برهانه بهواها وحكمه بغرضها صارت تتكلم بلغتين وتحكم بحكمين وتفسر الحدث الواحد تفسيرين بحسب موقع المخاطب من قلبها وموضع المصلحة من نفسها.!
فانظر إلى أعجب مظاهر هذا التناقض وأخطرها وهو ذلك التباين الصارخ في فهم الابتلاء والعقاب .
حيث يختلف موقف البشر منه اختلافا كليا تبعا لهوى النفس لا تبعا للحق.
إذا مرض من نحب أو حلت به شدة بادرنا بالقول: هذا ابتلاء من الله يرفع به درجاته ويكفر سيئاته والله يحبه ويمتحنه ليسمع تضرعه ويرى خشوعه.
واستحضرنا الأحاديث التي تؤكد أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.
أما إذا مرض من نبغض أو حاقت به مصيبة عدلنا القول بلا تردد ولا تثبت: هذا عقاب إلهي وهذه نقمة من السماء وهذا جزاء وفاق لما اقترفت يداه وكأننا قد اطلعنا على علم الغيب ووقفنا على سر المقادير ونفذنا إلى حقيقة القضاء الإلهي الذي لا يعلمه إلا هو.!!
القضية واحدة، وهو المرض أو البلاء .
لكن التفسير يتغير بتغير هوى المتكلم.
والحال أن الله تعالى يقول في محكم كتابه: [وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ]فالبلاء سنة شاملة لا تفرق بين مؤمن وكافر ولا بين محبوب ومكروه ولا بين قريب وبعيد.
لكننا نُخضع هذه السنة الإلهية الهائلة لعواطفنا الصغيرة ونجعل من الله حكما في خصوماتنا وشهيدا على عداواتنا وساندا لأهوائنا.!
وهذا من أفحش القول على الله وأعظم الجرأة في تفسير مراده وأكبر الظلم في توزيع أحكامه وفق المزاج.!
ثم تأمل الشخصيات التي تمثل هذا التناقض في واقعنا المعاصر فتجد صنوفا من الناس كلهم يشتركون في هذه الآفة وإن تنوعت مظاهرهم.
تجد المصلح الانتقائي الذي يدعو الناس إلى العفو والتسامح فإن أساء إليه أحد طالب بالقصاص واعتبر الإساءة له اعتداء على حرمات الله .
مع أنه قبل ساعة كان يخطب في الناس بأن العفو من شيم الكرام. وتجد القريب المتطرف في النصيحة الذي إذا مر أخوه بأزمة مالية قال له: اصبر هذا ابتلاء من الله.
فإذا مر هو بنفس الأزمة قال: هذا ظلم وفساد وتقصير من الناس ولم يذكر الابتلاء ولا الصبر.
وتجد المربي المزدوج الذي يأمر أبناءه بالفضائل وهو مقصر فيها بحجة الظروف والمشاغل فيفقد القدوة ويضيع التوجيه.
وتجد الموظف الأصولي في علاقاته العامة المتشدد في الأحكام على مخالفيه المتساهل المتهاون في أحكام موافقيه فيجعل النص تابعا للشخص لا الشخص تابعا للنص.!
من جهة النفس يفسر علم النفس الاجتماعي هذه الظاهرة بما يعرف بالتنافر المعرفي حيث يحتاج الإنسان الذي يخطئ أو يظلم إلى تبرير أفعاله.
وأسهل التبريرات أن يرى الآخر مستحقا لما ناله ليخفف عن نفسه وطأة الذنب ويقنع نفسه بأنه كان على حق.
ومن جهة الاجتماع يفسرها الانحياز الجماعي حيث يميل الإنسان إلى التغاضي عن أخطاء من ينتمي إليهم والتشدد في محاسبة من يخرج عن جماعته. لكن حين يدخل الدين في هذه المعادلة يصير الأمر أشد خطرا لأننا نُشرك الله في أهوائنا ونُضفي الشرعية المقدسة على انحيازاتنا البشرية ونحكم باسم السماء فيما هو أرضي بحت.!
فما أخطر هذه الآفة وأشدها حيث تنقلب الموازين ويختلط الحق بالهوى.
إنها افتراء على الله أن نصفه بما لا نعلم.
وتطاول على علم الغيب أن ندعي معرفة مراده في تعيين البلاء والعقاب.
وتدمير للثقة بين الناس أن نجعل التدين غطاء للعداوة والبغضاء ونفاق عملي أن نظهر بالتقوى ونبطن بالهوى قال ابن القيم رحمه الله: من أعظم الفتن أن يرى الإنسان الحق في غير قوله والباطل في قوله وهذا من أشد عقوبات القلب.
إن العودة إلى الله لا تعني أن نركب أهواءنا باسمه.
بل أن نضع أهواءنا تحت حكمه وأن نُخضع رغباتنا لمراده .
وأن نكف عن توزيع أحكامه على مقاس مزاجنا.
المرض مرض والبلاء بلاء والمصائب مصائب ولا يحق لأحد أن يحدد لمن تكون رحمة ولمن تكون نقمة.
فهذا شأن الله وحده أما نحن فعلينا أن ندعو لجميع المرضى بالشفاء بغض النظر عن مشاعرنا تجاههم.
وأن نعزي كل مكلوم بغض النظر عن خلافاتنا معه وأن نقف عند حدودنا كبشر جهال لا يملكون من علم الغيب شيئا وألا نزكي أنفسنا ولا نحكم على غيرنا بما لا نعلم.
فما أحوجنا إلى وقفة مراجعة وما أشد حاجتنا إلى لحظة خجل وصمت حين ننظر إلى أنفسنا في مرآة الحقيقة المجردة ونسأل أنفسنا بصدق: كم مرة حكمنا على شخص بما نحبه لا بما يليق به؟ وكم مرة أولنا النصوص لتخدم غرضنا لا لتقربنا من الله؟
وكم مرة جعلنا الدين سيفا في يدنا لا منهاجا لقلوبنا؟
وكم مرة تغافلنا عن عيوبنا وأسرعنا إلى عيوب غيرنا؟
أليس فينا من العيوب ما لو ظهر لكان فضيحة؟
أليس لولا ستر الله علينا لكنا موضع سخرية ولوم؟
أفلا نستحي من الله الذي يرانا وهو يرى السرائر والنوايا ويعلم من خلوص النية من زيفها ومن صدق التوجه من ريائه؟
وإذا تذكرنا نهاية قصة إخوةسيدنا يوسف وقفوا بين يديه معترفين بخطئهم نادمين على جرمهم قالوا: [تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ].
كانت تلك لحظة الانكسار التي تسبق الإصلاح لحظة خلع الغرور والاعتراف بالهوى.
لحظة رجوع إلى الله بعد طول غياب في وادي الغواية.
فهل نصنع كما صنعوا؟
هل نعترف بأننا كنا نظلم الناس بأحكامنا؟
ونتولى على الله بما لا نعلم ونتخذ الدين مطية لأغراضنا؟
هل ننحني رؤوسنا خجلا من الله؟
ونبكي على ما فرطنا في جنبه ونستقبل بقية أعمارنا بخشوع وتواضع وقلب يرى العدل غايته والإنصاف ديدنه والله رقيبه ومولاه!؟
رحمة الله أوسع من أن تضيق به أهواؤنا وعدله أسمى من أن يدركه ظنوننا.
وحكمته أجل من أن تحيط بها عقولنا.
فلنترك الحكم له ولنشغل أنفسنا بإصلاح ما بيننا وبينه وما بيننا وبين خلقه
ولنتواضع بين يديه فإن التواضع من شيم الكرام والغرور من شيم اللئام.
وما أحسن قول القائل:
إذا ما المرء لم يخش الإله [فإن النفس تأخذه دواء]
وإذا ما اعتدل في القول لم يجر ولم يتبع هواه فيما يشاء!!
فلنعتدل ولنرجع ولنتب ولنخجل ولنستحي من الله..
أن نكون ممن ينطقون باسمه بأهوائهم ويوزعون أحكامه بآرائه ويجعلونه تابعا لهم لا هم تابعين له.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.!!
اللهم اهدينا إليك …
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً



