حين يتحول العطاء الى عبء

قراءة نفسية في ديناميكية الحب غير المتكافئ
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّةفي العلاقات الانسانية
ينظر إلى العطاء غالبا كفضيلة كدليل على النضج العاطفي والكرم النفسي لكن ماذا يحدث عندما يتحول هذا العطاء إلى فائض لا يستوعب عندما يمنح الشخص كل شيء الحب الحنان الدعم الكفاية النفسية ثم يبيع كل ذلك بلا تردد هنا لا يكون السؤال عن الخيانة فقط بل عن البنية النفسية التي تجعل احد الطرفين غير قادر على استقبال الحب وعن الآثار العميقة التي يخلفها هذا الخلل في ميزان العاطفةوالعطاء المفرط حين يتحول الحب إلى روتينفالعطاء في العلاقات ليس مجرد فعل بل هو لغة تواصل وسلوك يعبر عن الانتماء والرغبة في بناء الامان لكن حين يصبح العطاء مفرطا بلا حدود بلا توقف يتحول إلى روتين الطرف الآخر يبدأ بالشعور أن هذا الحب ليس استجابة له بل عادة لدى من يمنحه وهنا يفقد العطاء قيمته الشعورية ويتحول إلى خلفية لا ترى كالماء الذي لا يشعر به من اعتاد الغرق فيهمن منظور علم النفس هذا النوع من العطاء يصنف ضمن ما يعرف بالإشباع الزائد حيث يغرق احد الطرفين الآخر بالمشاعر والدعم فيفقد الاخير القدرة على التفاعل أو التقدير يصبح الحب عبئا لا هدية ويتحول المعطي من شريك إلى مزود ومن حبيب إلى نظام دعم لا يشكر عليهفحين يبيع الطرف الآخر كل ما منح له لا يكون ذلك دائما بدافع الجحود بل أحيانا نتيجة لعدم قدرته على استيعاب هذا الكم من العاطفة بعض الاشخاص لم يتعلموا كيف يتلقون الحب لم يربوا على فكرة الاستحقاق أو يحملون في داخلهم شعورا دفينا بعدم الجدارة وحين يغمرون بالعطاء يشعرون بالاختناق لا بالامتنانفي هذه الحالة يبدأون بالانسحاب أو حتى بتدمير العلاقة لأنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع من يمنحهم أكثر مما يعتقدون أنهم يستحقون وهنا يتحول المعطي إلى مرآة تظهر لهم نقصهم فيكرهون انعكاسها لا الشخص نفسهوحين يباع الحب لا يشعر المعطي بالضعف بل بالقوة التي لم تفهم هو من منح من احتوى من قدم نفسه على طبق من صدق ثم رفض وهذا الرفض لا يفسر كخسارة بل كدليل على أن الطرف الآخر لم يكن مؤهلا لاستقبال هذا النوع من الحبلكن هذه القوة لا تأتي بلا ثمن المعطي يبدأ بإعادة تقييم نفسه علاقاته طريقته في الحب يتحول من شخص يمنح بلا شروط إلى شخص يضع شروطا قبل أن يمنح وهنا تبدأ مرحلة الحذر وربما الانغلاق خوفا من تكرار التجربفالطرف الذي باع الحب لا يشعر بالخسارة فورا بل يعيش فترة من الراحة الزائفة يظن فيها أنه تحرر من عبء العاطفة لكن مع الوقت يبدأ يدرك أن ما فقده لم يكن شخصا فقط بل منظومة دعم نفسي وشعورا نادرا بالاحتواءهذا الإدراك المتأخر لا يصلح ما كسر لكنه يعيد تشكيل الوعي يبدأ هذا الطرف بالبحث عن نفس النوع من الحب ولا يجده لأن من يعطي بهذا الشكل لا يتكرر ومن يمنح بهذا العمق لا يستنسخوفي كثير من الثقافات يربى الانسان على الكفاح على السعي على الاستحقاق المشروط لكن نادرا ما يربى على استقبال الحب على قبوله دون شعور بالذنب أو الخوف وهنا تكمن المشكلة حين يمنح الحب بلا مقابل يشعر البعض أنه غير طبيعي أو أنه يخفي نية مافالعطاء المفرط يكشف هشاشة البنية النفسية لدى من لا يعرف كيف يتلقى ويطرح سؤالا ثقافيا عميقا هل نحتاج إلى إعادة تعريف الحب في مجتمعاتنا هل نحتاج إلى تعليم الناس كيف يحبون وكيف يحبونهم.العلاقات لا تقاس فقط بما يمنح فيها بل بما يستوعب منها وحين يتحول العطاء إلى فائض لا يفهم لا يكون الخطأ في الحب بل في الجاهزية النفسية لاستقباله من يبيع الحب لا يخسره فقط بل يخسر نفسه في لحظة لم يفهم فيها ما منح له ومن يعطي بلا حدود يتعلم أن الحب ليس تضحية دائمة بل مشاركة واعيةفالعطاء لا يقاس بالكم بل بالقدرة على أن يرى ويقدر والمبالغة في الحب لا تنتج دائما امتنانا بل قد تنتج انسحابا ممن لم يتعلم كيف يحب نفسه أصلا#عكس_الاتجاه_نيوز#الحقيقة_الكاملة #معاَ_نصنع_إعلاماً_جديداًلمتابعة آخر الأخبار والتّطورات على موقعنا الإلكتروني : 👇👇www.aksaletgah.com