لا تَنبحْ على القممِ إن كنتَ لا تحمي عينيكَ!!

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
لا تَظنّوا أنَّ النّباحَ يُسقطُ العظماءَ
حين يكون النّباح مهنةً والقيمةُ غائبة!
وقصةُ الكلبِ الذي فقدَ عينيه!
في غابرِ الأزمانِ وعهودِ القدماءِ كانت ضيعةٌ وادعةٌ هادئةٌ تُسمى سامو
يسكنُها رجلٌ شريفٌ غنيٌّ قويُّ الشّكيمةِ عظيمُ الهيبةِ..
وإلى جوارهِ كلبٌ ماردٌ نَهِمٌ لا يكفُّ عن رصدِ الرجلِ الشريفِ بعينِ الحقدِ والضغينةِ.
ولا يفتأُ ينبحُ عليه من الصباحِ إلى المساءِ بلا كللٍ ولا مللٍ…
وكان الرجلُ الشريفُ يُقابلُ ذلك النّباحَ المتواصلَ بعينِ الرأفةِ والرحمةِ وصدرِ العطفِ والحلمِ
حتى إذا امتلأَ الكيلُ وطفحَ الصبرُ وضاقتْ به سبلُ التجاوزِ
التقطَ حجراً من ترابِ الأرضِ ورماها نحوَ ذلك الكلبِ الماردِ
فما كان من الحجرِ إلا أن اقتلعَ عينيهِ فأصبحَ الكلبُ كفيفَ البصرِ ظلاميَّ الطريقِ….
وهنا في لحظةِ الانكشافِ والضعفِ نادى الكلبُ الرجلَ الشريفَ مستجيراً متوسلاً متعجباً!!!!
لماذا يا سيدي قلعتَ عينايَ وأنا لم أفعلْ شيئاً سوى النباحِ عليك لا أكثرَ ولا أقلَّ؟؟؟
فردَّ عليه الرجلُ الشريفُ ببرودةِ الحكيمِ وهدوءِ العاقلِ:
إن كنتَ يا هذا لا تُجيدُ حمايةَ نفسِك ولا تقدرُ على حفظِ جارحتيكَ.
فلماذا كان نباحُكَ المتواصلُ عليَّ وأنت بهذه الهشاشةِ وهذا الضعفِ؟؟؟
فكان جوابُ الكلبِ الأبلغَ والأصدقَ والأكثرَ كشفاً لخباياه:
هذا طبعُنا نحنُ الكلابُ ليس لنا عملٌ في هذه الحياةِ غيرُ النباح…
أيها السادةُ الكرامُ أليست هذه هي حكايةُ كثيرٍ من بني البشرِ اليومَ
أجل إنها صورتُهم الأوفى ومرآتهم الأصدق
أولئكَ الذين اتخذوا من النباحِ حرفةً ومن التطاولِ على العظماءِ منهجَ حياةٍ…
أولئكَ الذين يملأون الدنيا ضجيجاً ويفرغونها من معنىً..
وهم لا يملكونَ من أمرِ أنفسِهم شيئاً ولا يمتلكونَ من الفضائلِ نصيباً!!!
ينبحونَ على كلِّ من هو أكبرُ منهم مكانةً …
وأغنى منهم قدرةً ..
وأقوى منهم سلطاناً ..
وأشرفُ منهم خُلقاً. .
ليس لأنَّ لهم قضيةً عادلةً أو موقفاً شريفاً!!
بل لأنَّ النباحَ هو كلُّ ما أُوتوا من موهبةٍ ….
وكلُّ ما حباهم الدهرُ به من طاقةٍ!!!
يظنُّ هؤلاء الجهلةُ أنَّ رفعَ الصوتِ على الشرفاءِ يُعلي شأنَهم!!
وأنَّ التطاولَ على الكبارِ يُصغِّرُ حجمَ فشلِهم ..
ويُغطي على عوراتِ مقامِهم
لكنَّهم يغفلونَ عن حقيقةٍ كونيةٍ أبديةٍ. ..
وهي أنَّ النباحَ مهما طالَ ومهما اشتدَّ لا يُسقطُ نجماً في السماءِ ولا يَهدِمُ قامةً في الأرضِ ولا يُعمي بصراً….
بل هو يُعمي بصيرةَ صاحبِه قبلَ أيِّ أحدٍ.
ويُطمسُ نورَ فطرتهِ ويُبعدهُ عن جادةِ الحقِّ.
والعجبُ كلُّ العجبِ أنَّ هؤلاءِ النابحينَ حينَ يُصابونَ في مقتلِ ضعفِهم….
وحينَ تتكشفُ عوراتُ حقيقتِهم ويتعرَّونَ من كلِّ سندٍ أو حمايةٍ
يتفاجأونَ بأنَّ الذي نبحوا عليه هو نفسُهُ الأقدرُ على الصفحِ والعفوِ
أو الأسرعُ إلى الانتقامِ بحكمةٍ وصبرٍ وعقلانيةٍ…..
وكما قالَ الرجلُ الشريفُ لذلك الكلبِ الأعمى
إن كنتَ لا تُجيدُ حمايةَ نفسِك فلماذا كان نباحُكَ عليَّ؟؟؟
نعم أيها العقلاءُ
إنَّ النباحَ ليس استراتيجيةَ بقاءٍ ولا وسيلةَ تقدمٍ…
بل هو اعترافٌ صريحٌ بالعجزِ وبرهانٌ ساطعٌ على الفشلِ وتبريرٌ رخيصٌ للهزيمةِ الذاتيةِ….
وقد حانَ الأوانُ لأن يُدركَ أولئك الكلابُ البشريةُ..
أنَّ الحياةَ لا تُبنى بالنباحِ ولا تُعمَرُ بالصخبِ..
وإنما تُبنى بالفعلِ الجادِّ والعملِ الصامتِ والقيمةِ الحقيقيةِ التي تُقدَّمُ للوجودِ لا بالضجيجِ الذي يُحدثُه صاحبُها.
أما أصحابُ القاماتِ الشامخةِ والنفوسِ الزكيةِ والقوّةِ الحقيقيةِ
فسيبقونَ كالرجلِ الشريفِ في ضيعةِ سامو…
هادئينَ وقورينَ أقوياءَ بالصمتِ عظماءَ بالتجاوزِ. ..
لا يردُّونَ النباحَ إلا بحجرِ الحكمةِ ولا ينتقمونَ إلا بالصبرِ الجميلِ
أو بإسقاطِ الجاهلينَ بلمسةِ عقلٍ حينَ يبلغُ الكيلُ مداهُ ويضيقُ الأفقُ بفسادِ القولِ…
أيها الفضلاءُ
من كان كلباً في طبعهِ وسلوكهِ فلا يلومنَّ إلا نفسَهُ حينَ يُفقَدُ نورُ البصيرةِ.. .
ومن كان إنساناً حقاً فليتذكرْ دوماً أنَّ النباحَ صوتٌ عابرٌ….
وأنَّ القيمةَ جوهرٌ باقٍ لا تراهُ العيونُ…
بل تُحسُّه القلوبُ النقيةُ وتُدركُه العقولُ المستنيرةُ!!
والسلامُ على منِ اتَّبعَ الهدى وتجاوزَ عن الجهلِ …
وعاشَ بعينينِ مفتوحتينِ على آفاقِ الحياةِ لا على عوراتِ الناسِ
والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ……
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




