مقالات

أردوغان يقلب الطّاولة على الرّأسماليّة عندما تُصبح العدالة سلاحاً تدميريّاً

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

ليس خطاباً اقتصاديّاً ألقاه رجب طيب أردوغان في القمّة العالميّة الثّالثة للاقتصاد الإسلامي…
بل إعلان حرب مبطّنة على نظام عالمي فقد بوصلته الأخلاقيّة منذ زمن بعيد.!!

فحين وقف الرّئيس التّركي على منصّة القمّة لم يكن يتحدّث كسياسي يحاول إنقاذ اقتصاد يعاني من تداعيات التّضخّم أو كزعيم يدافع عن سجله في مواجهة الأرقام الباردة …
بل تحدّث كحكيم استراتيجي أدرك مبكراً أنّ معركة القرن الحادي والعشرين الحقيقية لن تُحسم على أرض المعارك العسكرية..
بل في أعماق النماذج الفكرية التي تحكم حركة المال والدم البشري معاً.!

وعندما يدعو أردوغان إلى تحول نموذجي جذري في الاقتصاد العالمي يرتكز على العدالة والأخلاق والإنتاج فهو لا يقدم وصفة اقتصادية أخرى تضاف إلى وصفات صندوق النقد الدولي الفاشلة. ..
بل يضرب بجرأة شديدة في صميم المأزق الوجودي الذي تعاني منه الرأسمالية الغربية بعد أن فضحت الأزمات المتتالية من انهيار ألفين وثمانية إلى جائحة كورونا إلى حروب ألفين وستة وعشرين عريها الأخلاقي وتآكل شرعيتها التاريخية.!!

لماذا التمويل المشارك الآن هذا هو السؤال الذي يجهله الغرب؟؟؟

لكن أردوغان يعرف إجابته جيداً فالتمويل المشارك أو ما يعرف في الغرب بالتمويل الإسلامي ليس فكرة جديدة طرحت على عجل..
بل منظومة متكاملة موجودة منذ قرون لكن العبقرية السياسية لأردوغان تكمن في أنه لم يعاملها كمنتج مصرفي…
ولابديل للراغبين في تجنب الفوائد فقط…
بل رفعها إلى مصاف الأيديولوجيا الاقتصادية القادرة على منافسة الهيكل المالي العالمي في أعلى مستوياته وأكثرها تحصناً.!!

إن إعلان أردوغان عن طرح مصرف إملاق للمشاركة للاكتتاب العام ودمج ثلاثة مصارف حكومية عملاقة للمشاركة في كيان واحد.
هو الأقوى عالميا و ليس صفقة مالية عابرة ولا إجراء تقنياً هامشياً…
بل إعادة هيكلة كاملة للعقل الاقتصادي الحكومي التركي من جذوره…..
ثلاثة مصارف كانت تعمل في فضاءات منفصلة تتحول فجأة إلى جسد اقتصادي موحد أكثر قدرة على المنافسة وأوسع انتشاراً وأعمق تأثيراً!!
وهذا يعني بكل بساطة أن قاعدة المشاركين في الاقتصاد الخالي من الفوائد ستتسع لتشمل شريحة أشد اتساعاً من المجتمع التركي الذي تزيد نسبة المتدينين فيه عن تسعين بالمئة من السكان.!!

وهنا تكمن اللامبالاة السياسية الفائقة الذكاء..
أردوغان لا يأمر المجتمع التركي بنموذج اقتصادي وافد ولا يفرض عليه منظومة مستوردة من خارج ثقافته …
بل يصنع نموذجاً ينطلق من صميم تقاليد المجتمع ذاته.
التمويل المشارك ليس دخيلاً على الروح التركية بل هو امتداد عضوي لمفاهيم الصدقة والقرض الحسن والكفالة في الثقافة الإسلامية التي تشكل العمق التاريخي والوجدان الجمعي لهذا الشعب لذلك لن يقاوم الناس هذا النموذج ..
ولن ينظروا إليه كخيار سياسي مفروض بل سيتسلمونه كأنه قادم من ميراث أجدادهم
وليس من مراسيم حكومية.!!

والعبقرية الثانية في هذا الخطاب تكمن في توظيف الرقم الصادم أعلن أردوغان أن قيمة الشركات المدرجة في مؤشر المشاركة بلغت ستة وثلاثين بالمئة من إجمالي قيمة بورصة إسطنبول في الربع الأول من العام الجاري.
وهذا الرقم هو قنبلة موقوتة في وجه كل من يشكك في جدوى هذا النموذج اقتصادياً.
الرقم يعني ببساطة أن ثلث الاقتصاد التركي المكشوف في البورصة يعمل اليوم وفق نظام خالٍ تماماً من الفوائد وليس في المصارف الإسلامية التقليدية فقط ..
بل في شركات حقيقية تنتج وتصنع وتصدر إلى العالم ولا تقترض ولا تقرض بالربا ورغم ذلك تواصل النمو وتوسع حصتها السوقية سنة بعد سنة.!!

بالأرقام الجامدة بورصة إسطنبول تقدر قيمتها السوقية بنحو مائتين وخمسين مليار دولار تقريباً ..
وهذا يعني أن نحو تسعين مليار دولار منها تدار وفق مبادئ التمويل المشارك. وتسعون مليار دولار لا تتعامل بالربا ولا تلامس الفوائد المحرمة .
ومع ذلك تنافس وتتفوق أحياناً على نظيراتها التقليدية في نفس السوق وبنفس الظروف ..
وهذا الرقم حين يُعرض في الندوات الاقتصادية العالمية يجعل الخبراء الغربيين يعيدون حساباتهم من جديد لم يعد التمويل المشارك ظاهرة هامشية خاصة بالنخب الإسلامية المتدينة..
بل أصبح قوة اقتصادية حقيقية تستحق الدراسة والتشريح والمنافسة وهذا بالضبط ما يريده أردوغان تحويل النقاش الدولي من سؤال هل هذا النموذج ممكن نظرياً إلى سؤال كيف يمكننا الاستفادة منه عملياً.!!

والعبقرية الثالثة والأكثر عمقاً تكمن في رفع العدالة من مجرد قيمة أخلاقية إلى سلاح سياسي فتاك الأنظمة الرأسمالية الغربية .
لا تتحدث عن العدالة في نقاشاتها الاقتصادية أبداً .
فهي تتحدث عن الكفاءة وعن النمو وعن الإنتاجية وعن التحرير المالي وعن جاذبية الاستثمار
لكن العدالة بالنسبة لهذه الأنظمة قضية اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد ..
بل هي أحياناً أداة لإلهاء الجماهير وإضاعة وقتهم في تفاصيل لا تغير شيئاً بينما تستمر المصالح الكبرى في نهب ثروات الشعوب تحت غطاء العولمة والأسواق المفتوحة.!!

أما أردوغان فيصر على جعل العدالة هي القلب النابض للنموذج الاقتصادي ليس لأنه مثالي ساذج يعيش في برج عاجي بل لأنه يدرك تماماً أن المجتمعات العربية والإسلامية والنامية بشكل عام لا تريد نماذج اقتصادية تنجح لصالح أقلية ضيقة ..
ثم تتسول الأغلبية لتأكل فتاتها وتشكر وهذه المجتمعات تريد نموذجاً يضمن لها أن أرباح الأعمال لن تذهب إلى جيوب المصرفيين الذين يخلقون الأزمات المالية كل عقد من الزمن ثم يخرجون منها بعد أن يتسلموا الجوائز والمكافآت على حساب دماء الفقراء.!!

عندما يربط أردوغان العدالة بالأخلاق والإنتاج في مثلث محكم ..
فإنه يعيد صياغة المعادلة الاقتصادية التي ظلت مسلّماتها فوق النقاش لعقود والإنتاج في الرأسمالية التقليدية كان هدفاً أخلاقياً بحد ذاته بغض النظر عن وسائله.
والعدالة كانت ثانوية إن وجدت والأخلاق كانت خارج الحساب تماماً أما في مثلث أردوغان الجديد فالإنتاج لا قيمة له دون أخلاق
والأخلاق لا معنى لها دون عدالة..
والعدالة لا تتحقق دون إنتاج..
وهذا المثلث المتكامل هو السلاح الفكري الأكثر تطوراً الذي يمكن لتركيا من خوض حرب نموذجية مع الغرب.
لا على النفط والغاز بل على الأفكار والعقول والقلوب.!!

لا تغفل أيضاً عن عبقرية التوقيت ففي يونيو عام ألفين وستة وعشرين كان الاقتصاد العالمي يعاني من أزمات متراكمة أسوأ مما كان عليه في ألفين وثمانية فكان التضخم مرتفع في معظم الدول الكبرى ..
والديون العامة بلغت مستويات قياسية لم تشهدها البشرية من قبل ..
وأسعار الفائدة ترهق الحكومات والشركات والأفراد العاديين معاً .
في هذا المناخ المشحون بالألم يأتي خطاب أردوغان عن تمويل مشارك خالٍ تماماً من الفوائد ليقول للناس ببساطة شديدة هناك بديل لم يجربوه بعد.!!

وليس صدفة البتة أن يختار أردوغان قمة الاقتصاد الإسلامي لتوجيه هذه الرسالة العالمية..
فالعالم الإسلامي يضم ملياراً وثمانمائة مليون نسمة من البشر وموارده الطبيعية تفوق ما يمتلكه الغرب بمراحل وهو سوق ضخم بكل المقاييس يبحث منذ عقود عن نموذج اقتصادي يناسب قيمه الحضارية …
ولا يصطدم مع هويته الثقافية وتعاليم دينه …
أردوغان يريد بذكاء قاتل أن يكون هذا النموذج هو التمويل المشارك وأن تكون تركيا هي عاصمته العالمية ومركز قيادته السياسية والاقتصادية معاً.!!

إذا نجحت تركيا في العقد القادم في أن تصبح المصدر الأول والمثال الأعلى للتمويل المشارك في العالم فإنها بذلك تمتلك أداة نفوذ اقتصادي لا تقل خطورة عن أي سلاح عسكري في ترسانتها… والحضارة الغربية استعمرت العالم أولاً بالبنادق ثم بالدولار لاحقاً ..
أما تركيا فتحاول اليوم أن تستثمر الأفكار نفسها بالتمويل والمشارك وتحرير العقول من هيمنة الربا العالمي.!!

لكن الأكاديمية الحقيقية تتطلب أن نذكر المخاطر التي لا يذكرها الخطاب كدسائس داخلية ..
أولاً كيان الدمج الجديد للمصارف الثلاثة سيخلق مؤسسة عملاقة بلا شك لكنها قد تواجه صعوبات هائلة في الحوكمة والتشغيل الموحد والمحاسبة المشتركة فمصارف زراعة..
كانت تعمل بأنظمة تقنية وإدارية مختلفة لعقود ودمجها ليس مجرد قرار سياسي توقيعه بقلم بل عملية معقدة تحتاج إلى سنوات من الجهد والصبر والتجربة والخطأ.!!

ثانياً التمويل المشارك في تركيا لا يزال يعاني من عجز مزمن في السيولة مقارنة بالمصارف التقليدية العملاقة قاعدة المودعين فيه أصغر حجماً والأصول المدارة أقل بكثير من البنوك الربوية الكبرى التي تسيطر على أكثر من ثلثي السوق المصرفي التركي حتى اليوم..
وهذا التفاوت لا يزول بقرار سياسي بل يحتاج إلى وقت طويل وجهد تسويقي هائل.!!

ثالثاً والأكثر إيلاماً الأزمات الاقتصادية المتكررة في تركيا نفسها والتي وصل التضخم فيها في بعض السنوات إلى نسب ثلاثية وتراجع قيمة الليرة إلى مستويات تاريخية كل هذه الحقائق تضعف مصداقية أي خطاب اقتصادي رئاسي مهما بلغت حكمته !!@

لكن هذه النقاط كلها لا تلغي الحكمة الاستراتيجية في الخطاب بل تجعله قابلاً للاختبار والنقد العملي..
بدلاً من التمجيد الأعمى فالزعيم العبقري ليس من يخطئ بل من يصحح مساره حين يكتشف الخطأ..
وأردوغان أثبت خلال عقدين من الحكم أنه يستطيع تغيير سياسته مئة وثمانين درجة عندما تقتضي الضرورة.!!!
لصالح شعبه يصنع اردوغان المعجزات بحد ذاتها ..

في النهاية ما فعله أردوغان في هذا الخطاب ليس مجرد كلام في مؤتمر عابر يطوى سريعاً ..
بل وضع حجر الأساس في معركة ثقافية واقتصادية كبرى ستمتد لعقود قادمة ..
إنه يقول للغرب بكل هدوء أنتم فشلتم فشلاً ذريعاً في إدارة عدالة النظام المالي العالمي ونحن لدينا البديل الجاهز.. للتجربة وهو يقول للعالم الإسلامي بأسره أنتم تملكون كل الأدوات اللازمة للنهضة لكنكم لا تستخدمونها ..
تعالوا نستخدمها معاً ونبني نظاماً يرضي الله قبل أن يرضي البنوك الدولية ..
وهو يقول للأتراك اقتصادكم الوطني ليس فاشلاً بل هو في مرحلة انتقالية مؤلمة ..
نحو نموذج أكثر عدلاً وإنصافاً فاصبروا قليلاً.

العبقرية السياسية لأردوغان لا تكمن مطلقاً في تفاصيل الحلول الاقتصادية التي يقدمها فهي قابلة للنقد والتعديل بل تكمن في قدرته الأسطورية على تحويل أي أزمة إلى فرصة ذهبية لإعادة تعريف الصراع بأكمله عندما يتحدث الغرب عن تضخم تركيا يتحدث أردوغان عن أخلاق الاقتصاد العالمي..
وعندما يركز الغرب على تراجع الليرة التركية يركز أردوغان على نمو مؤشر المشاركة بنسبة ستة وثلاثين بالمئة!! وعندما يصف الغرب السياسات التركية بأنها غير تقليدية يصفها أردوغان بأنها أكثر انسجاماً مع الفطرة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.!!

هذا هو وعي القائد الذي يدرك بجلاء أن معركة القرن الحادي والعشرين لن تكون معركة أرقام جامدة ولا إحصائيات باردة بل معركة سرديات وأفكار ومن يتحكم في السردية يتحكم في المستقبل بأكمله وأردوغان يكتب اليوم بذكاء نادر سردية اقتصادية جديدة قد تغير قواعد اللعبة برمتها في العقد القادم ..
سواء نجح في تطبيق هذا النموذج بالكامل أم فشل في بعض تفاصيله لأن التاريخ يا سادة لا يُصنع بالنتائج وحدها بل أيضاً بالجرأة الأسطورية على طرح أسئلة مختلفة لم يجرؤ أحد على طرحها من قبل…

والسؤال الذي سيطرحه المؤرخون بعد عشرين سنة من اليوم هل كان رجب طيب أردوغان طوباوياً ضائعاً في أحلام العدالة الاقتصادية أم كان استراتيجياً عظيماً زرع بذور نظام عالمي جديد تماماً في تربة خصبة من الأزمات والخراب..
الإجابة لن يعرفها إلا الزمن ..
لكن ما يعرفه اليوم ويشهد به الجميع هو أن رجلاً واحداً استطاع أن يقلب الموازين ويدفع العالم كله إلى مناقشة فكرة كانت حتى الأمس القريب خارج دائرة النقاش الجاد نهائياً .
وهذا وحده يعد انتصاراً سياسياً من العيار الثقيل الأثقل.
إنها عبقرية سياسيّة اقتصاديّة اجتماعيّة منصفه …
ننتظر و نتابع ….

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى