شاهدت مناماً فهل أنتم للرؤى معبّرون ؟ وأبصرت ما لا يُبصر في المنام فهل أنتم للرؤى صائغون أم للمعاني هاربون ؟

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
حين ينهض العقل من نومه .. لحظة اشتعال النّموذج العربي في مختبر الحلم
شاهدتُ مناماً لم يكن هروباً من الواقع بل عودة عنيفة إليه كأن العقل ضاق بصمت الأرقام وتناقض الخرائط فقرّر أن يشعلها كلّها دفعة واحدة ويعيد ترتيبها في نموذج واحد لا يعرف المجاملة ولا يخضع لخطاب سياسي ولا ينتظر إذناً من أحد كان المنام أشبه بانفجار معرفي صامت تتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد وتتماس فيه القوة مع النقد وتتشكل فيه السياسة كشبكة لا كحدود وفي قلب هذا الانفجار ظهرت صورة العالم العربي كما لم تظهر من قبل صورة لا تتوسل الأمنيات بل تحاكم الإمكانات وتضعها على طاولة اختبار صارم وتسأل السؤال الذي تهرب منه كل العواصم ماذا لو توقفنا عن الحلم وبدأنا في الحساب ماذا لو تحولت الفكرة إلى نموذج والاحتمال إلى معادلة والخرائط إلى مشروع قابل للقياس
فلم يكن المشهد الذي رأيته في المنام مجرّد حلم بل أقرب إلى محاكاة معرفية استخدمت أدوات التحليل بدل رموز اللاوعي فقد ظهر فضاء محايد بلا أرض ولا سقف تتوسطه خريطة للعالم العربي مضاءة بخطوط زرقاء دقيقة تتحرك وفق منطق يشبه منطق النماذج العلمية لا منطق الأحلام وكان واضحاً أن العقل يعيد ترتيب المعطيات بطريقة منظمة تسمح بقراءة الإمكانات العربية من منظور تحليلي لا انطباعي
ففي المشهد الأول رأيت قاعة افتراضيّة يجلس فيها ممثّلو الدول العربية بينما تعرض الجدران مؤشرات اقتصادية حقيقية ناتج محلي يتجاوز ثلاثة فاصل خمسة تريليون دولار وعدد سكان يناهز أربعمئة وخمسين مليوناً وتجارة بينية منخفضة مقارنة بحجم السوق ثم بدأت معادلات تحاكي سيناريو إزالة الحواجز الجمركية فارتفعت مؤشرات التجارة البينية بنسبة أربعين في المئة خلال خمس سنوات وهو رقم يتوافق مع تقديرات منشورة في دراسات التكامل الاقتصادي الإقليمي ما جعل المنام يبدو كأنه يعيد طرح سؤال اقتصادي مؤجل حول جدوى السوق العربية المشتركة
ثم انتقل المنام إلى المتغير العسكري حيث ظهرت خريطة جديدة تتوزع عليها قدرات الجيوش العربية بأرقام واقعية ثلاثة فاصل أثنين مليون جندي وثلاثة آلاف وخمسمئة طائرة مقاتلة وعشرون ألف دبابة وتسعمائة قطعة بحرية وهي أرقام موجودة فعلاً لكنها موزعة على دول منفصلة ثم ظهر رسم بياني يقارن مجموع هذه القدرات بقدرات قوى دولية أخرى دون ذكر أسماء ما جعل المنام يطرح سؤالاً تحليلياً حول الفجوة بين الإمكانات المتاحة والوزن الفعلي في النظام الدولي
وفي المشهد الثالث ظهر المتغير النقدي من خلال بنك مركزي افتراضي تحيط به شاشات تعرض معدلات التضخم وأسعار الصرف وحجم التحويلات المالية بين الدول العربية ثم ظهرت عملة موحدة بلا اسم ومع ظهورها بدأت المؤشرات تستقر وظهر رقم خمسين مليار دولار وهو تقدير اقتصادي متداول لقيمة التحويلات التي يمكن اختصارها سنوياً في حال اعتماد عملة موحدة ما جعل المنام يعيد طرح سؤال نقدي حول كفاءة السياسات المالية المتباينة في منطقة مترابطة اقتصادياً
أمّا المشهد الرابع فكان الأكثر وضوحاً إذ تحولت خريطة العالم العربي تدريجياً إلى كيان واحد لا بوصفه دولة مركزية بل شبكة مترابطة تشبه اتحاداً فيدرالياً مرناً وهو تصور يتقاطع مع نماذج اتحادية قائمة في مناطق أخرى من العالم ثم ظهر مندوب هذا الاتحاد الافتراضي في مجلس الأمن في مشهد لا يهدف إلى الاحتفال بل إلى اختبار الوزن السياسي الناتج عن جمع الكتلة السكانية والاقتصادية والعسكرية في إطار واحد مثلاً ( اتّحاد الولايات العربيّة )
استيقظت من المنام ولم يكن الشعور شعور خروج من حلم بل خروج من نموذج تحليلي استخدمه العقل لإعادة ترتيب البيانات المتناثرة حول العالم العربي في سيناريو واحد يسمح بطرح سؤال جوهري حول الإمكانات غير المستثمرة سؤال لا يتعلق بالرغبات بل بالمعطيات سؤال يقول هل يمكن للإمكانات العربية أن تتحول من احتمالات إلى سياسات ومن خرائط منفصلة إلى شبكات مترابطة ومن رؤى نظرية إلى فرضيات قابلة للدراسة .
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




