لبنان الذي عشته برئتي.. لا ذلك الذي استنشقته من شاشاتهم

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
دعوني أحدّثكم عن حماقةٍ عمرها ثلاثون عاماً.
حماقة صحفيٍ سوري ظنّ أنه يعرف لبنان لأنه كان يمرّ منه بسيارته الفارهة فينظر من النافذة كما ينظر السائح إلى التماثيل في المتاحف: بفضولٍ بارد وبجهلٍ مطمئن…..
كنت أظن أن هذا البلد الصغير الذي يتسع لحروبٍ كبيرة هو مجرد لوحة فسيفساءية تكسرت أطرافها وكل قطعة ترمي الأخرى بحجرها. كنت أقرأ المنشورات الطائفية على فيسبوك فأشعر بأن قلبي يتقطع نيِّئاً على شعبٍ مزقته الطوائف كما يمزق الذئب قطيعاً من الغنم……
وها أنا اليوم بعد أن تركت سيارتي في المرآب ونزلت إلى الشارع كأي إنسان عادي اكتشفت أن كل ما كنت أعرفه عن لبنان كان مجرد إشاعةٍ جميلة التصميم مختبرةٍ في استوديوهات الإعلام المريض …..
صباح الخير أيها التاكسي العجيب !!!!
في زيارةٍ كهذه لا تتوقع أن تتغير حياتك. أنت تنوي فقط أن تشم الهواء وتشتري بعض المكسرات من طرابلس وتعود. لكن القدر – أو ربما ازدحام بيروت اللعين – جعلني أركب تاكسياً عمومياً من منطقة ضبية. سيارة حديثة كأنها خرجت لتوها من معرض جنيف يقودها شاب وسيم تظهر على ملامحه أناقة مسيحيي لبنان وفي عينيه بريق ذلك الشخص الذي لا يعرف معنى الملل.
جلست بجانبه والطريق مزدحمٌ كأن بيروت كلها قررت الخروج في نزهة واحدة. بدأنا الحديث وتطور الحديث إلى نقاش وتطور النقاش إلى ضحك وتطور الضحك إلى نوع من الصداقة المصغرة التي تنشأ بين غريبين في زحمة سير. كنا نتحدث عن كل شيء: عن الأسعار وعن السياسة وعن مستقبل أولادنا وعن أحلامنا التي كبرت وتجعدت كما تتجعد الأوراق تحت المطر…….
عرفت بعد قليل أنه مسيحي لبناني وعرف هو أنني سوري مسلم سني. لكن الغريب أن هذه المعلومات لم تغير في نبرة صوتنا أي شيء. لم يقل لي: “آه أنت سني! حسناً سأتكلم معك بطريقة مختلفة.” لا بل واصل الحديث بحماسه المعتاد وكأن الطوائف مجرد كلمات نكتبها في بطاقات الهوية ثم ننساها…….
وعندما وصلت إلى وجهتي وسألته: “كم أجرتك؟” نظر إليّ كأنني طلبت منه أن يبيع كليته وقال بصوت يجمع بين الجد والدعابة: “والله العظيم لن آخذ منك قرشاً. أنت سوري وأنت ضيفي في وطني!”
تخيلوا المشهد: شاب مسيحي يقول لرجل مسلم سوري: “ضيفي”. هل هذه هي الطائفية التي يروجون لها؟ أم أن الطائفية شيئاً آخر؟ ربما هي كلمة يخترعونها كل صباح ليملأوا بها وقت الفراغ.
رحلة في جسد لبنان الحقيقي !!!!!
لم تتوقف الحكاية عند هذا السائق الكريم. فقد تنقلت في رحلتي هذه بكل وسائل النقل التي يملكها لبنان: التاكسي المشترك والباصات الصغيرة التي تشبه صناديق السردين لكنها مليئة بالروح والميكروباصات التي تعرف صاحبها كل زاوية في بيروت كأنها قطعة من جسده.
جلست مع سائقين من كل الطوائف. مسيحيون ومسلمون سنة ومسلمون شيعة ودروز وحتى سائق واحد ادعى أنه من “ملائكة الأرض” ولكنني اعتقد أنه كان يمزح. تحدثت معهم جميعاً وناقشتهم واختلفت معهم واتفقت معهم وفي النهاية اكتشفت أن جميعهم يشتركون في شيء واحد: حب لبنان الذي يحرق قلوبهم كالشمس التي تحرق الرمال.
في أحد المقاهي الضيقة ببيروت القديمة وقفت أتأمل مشهداً كهربائياً: رجل مسن مسلم يدير دكاناً صغيراً لبيع القهوة وإلى جانبه يجلس شاب مسيحي يتناول فنجانه بتمهل ويتحدثان في هموم البلد وكأنهما صديقان منذ الطفولة. سمعت الشاب يقول للرجل المسن: “عمي متى ننسى ما فات؟ متى نركّز على مستقبل أولادنا بدلاً من ماضٍ مات منذ زمن؟”
فردّ عليه الرجل بضحكةٍ تخترق تجاعيد الوجه: “يا ابني نحن لبنانيون قبل أن نكون أي شيء آخر. كل هذا الكلام الطائفي هو مجرد كلام فاضي مثل دخان الأرجيلة. يعلو لحظة ثم يختفي.”
وقفت هناك وأنا أتساءل: أين هي الطائفية التي يصرخون بها من على المنصات؟ هل هي مختبئة في جيوبهم أم أنها مجرد كلمة يرددونها كالنشيد الوطني لأجنداتهم الخاصة؟
الحكومة التي تهمس لا التي تصرخ !!!!!
ودعوني الآن أتحدث عن الحكومة اللبنانية الحالية تلك التي قررت أن تحكم بمنطق “العاقل يفهم بالإشارة” لا بمنطق “الأبكم يصرخ حتى يسمع”.
هذه الحكومة التي تقود سفينة لبنان في بحرٍ مليء بالأمواج مع أن السفينة نفسها تشبه قارباً من الفلين. ومع ذلك فإنها تملك حكمة نادرة: تعرف متى تتكلم ومتى تصمت ومتى تمد يدها ومتى تسحبها.
إنها ليست حكومة تظن أن الكلمات الرنانة تبني دولة بل هي حكومة تؤمن بأن الدولة تبنى بالقوانين وبالثقة وبالتسامح الممنهج. رأيت في سياساتها بصمة رجلٍ عرف أن لبنان ليس بحاجة إلى خطيب مفوه بل إلى طبيب حاذق يداوي الجراح بهدوء دون أن يحدث جلبة في غرفة العمليات…….
إنها تمشي على حبل رفيع بين ضغوط الداخل وخيوط العنكبوت الخارجية لكنها لا تنسى أن الإنسان اللبناني – بكل طوائفه وقومياته – هو العمود الفقري لهذه المعادلة الصعبة. حكومة تقول للعالم من دون أن تنطق بحرف: “لبنان ليس مشروعاً طائفياً بل مشروع وطن.”
يا فيسبوكيون.. أتعبتمونا !!!!!!
أما أنتم يا أصحاب المنصات يا من حوّلتم الفيسبوك إلى ساحة حربٍ افتراضية ويا من جعلتم من كل منشور طائفي خنجراً تغرسونه في قلب هذا الشعب المسكين. أتعبتمونا بكلماتكم وأرهقتمونا بتعليقاتكم وأفنيتمونا بمقالاتكم التي لا تنتمي إلى الواقع إلا بالقدر الذي تنتمي إليه الأساطير.
كفى أيها الفيسبوكيون! لقد سئم الشعب من وجوهكم التي تتغير بتغير الطوائف ومن أقلامكم التي تتبدل بتبدل المزاج. لقد سئم من قراءة تحليلاتكم المتقنة الصنع التي لا تمت إلى الشارع بأي صلة. أما آن لكم أن تتركوا لنا لبنان كما هو لا كما تحلمون به في أبراجكم العاجية؟؟؟؟؟
في كل منشور تكتبونه عن الطائفية هناك لبناني حقيقي يجلس في قهوته ويضحك مع جاره من طائفة أخرى ويشتري الخبز من المخبز الذي يديره رجل آخر ويرسل أولاده إلى المدرسة بجوار أطفال غيره. هذا هو لبنان. لبنان الذي يعيش لا الذي تكتبونه.
لبنان الذي أبكاني.. فرحاً!!!!!
نعم لقد أبكاني لبنان في هذه الزيارة لكنها لم تكن دموع الحزن بل دموع الفرح. فرحت برؤية شعبٍ يعشق وطنه كالعاشق الذي يصرّ على حبيبته رغم كل عيوبها. فرحت برؤية مسيحي يمد يده لمسلم ومسلم يبتسم لدروزي ودروزي يحتسي القهوة مع علوي وكأنهم جميعاً في حفلةِ عرسٍ واحدة.
هذا هو لبنان الذي رأيته بعيني لا ذلك الذي سمعته بآذانهم. لبنان من ورقٍ يُكتب وآخر من لحمٍ ودمٍ يُعاش. والأخير هو الأجمل والأكثر قدرة على البقاء.
إلى اللقاء أيها الوطن الصغير العظيم!!!!
وفي الختام لن أقول وداعاً بل سأقول: إلى اللقاء.
إلى لقاءٍ قريب أتمنى أن أجد لبنان كما تركته أو أفضل. شعباً متصالحاً مع نفسه وحكومةً حكيمة وشوارعَ تفيض بالحياة. سأعود لأحتمي بدفء هذا البلد العجيب وأشرب قهوته المرة التي أحبها وأركب تكاسيه التي تعلمت منها أكثر مما تعلمت من أي كتاب.
شكراً يا لبنان على دروسك التي لا تنسى. شكراً لكل سائق تكسي جعلني أؤمن من جديد بأن البشر يمكن أن يكونوا أفضل مما يصورهم الإعلام. شكراً لكل لبناني اختار أن يكون وطناً لا مجرد طائفة… .
كفى أيها الفيسبوكيون كفى. وكفى أيها الإعلاميون كفى. لبنان لنا جميعاً وسيظل لنا رغم أنوفكم ورغم قلوبكم التي لا تعرف معنى الحب.
لبنان أبداً.. شعباً يتسامى وحكومةً تهمس حكمةً وناراً تبقى مشتعلة في قلوب من يعشقونه ولو اجتمع كل الحاقدين ليطفئوها.
وهنا أقف وقلبي يفيض بشوقٍ لزيارةٍ قادمة عسى أن يمنّ الله عليّ برؤيته من جديد لأكتب عنه مقالاتٍ أخرى ولأروي حكاياتٍ جديدة من هذا العالم الصغير المليء بالعظماء.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




