مقالات

دمشق تعانق باريس في مشهد النّهضة .. ماكرون يخترق جدار الخوف والشّرع يكتب بأحرف من نور دستور الانتصار الجّديد ..

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

نعم إنّها سوريا تعانق باريس اليوم في زيارة تاريخيّة تُعيد ترسيم الخرائط وتُبشّر بعهد من النّهضة!!

ففي مشهد مهيب يحمل في طياته أبعاداً استراتيجيّة ورمزيّة قلّ نظيرها سطّرت العاصمة السّوريّة دمشق فصلاً جديداً من فصول مجدها الدّبلوماسي …
حين استقبلت أمس الرّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أوّل زيارة لرئيس غربي من هذا الطّراز منذ إطاحة النّظام البائد والأولى لرئيس فرنسي منذ ثمانيّة عشر عاماً.
لم تكن هذه الزّيارة مجرّد لقاء بروتوكولي عابر بل كانت إعلاناً صريحاً عن ميلاد سوريا الفينيقية التي تنهض من تحت الرماد وتعكس معادلات القوى في المنطقة.
وتكسّر جدار العزلة الذي فُرض عليها عقوداً إنها لحظة فارقة تختصر مسيرة الألم وتفتح أبواب الأمل على مصراعيها…!

تحمل هذه الزيارة في جنباتها رسائل سياسية باذخة تتجاوز بروتوكولات الاستقبال إلى صميم التغيير الجيوسياسي.
فإصرار الرئيس ماكرون على المضي قدماً في زيارته رغم التفجيرات الآثمة التي استهدفت العاصمة كان بمثابة رسالة تحدٍّ صارخة لكل من يروم زعزعة أمن سوريا واستقرارها وتجسيداً عملياً لثقة الغرب في مسار الدولة السورية الجديدة …
وقد التقط الرئيس الشرع هذه اللفتة النبيلة فوصفها بالشجاعة الفائقة في كلمة جسّدت عمق التقدير السوري لهذا الموقف النبيل.
وكأن الزيارة بهذا التوقيت وهذا الإصرار كانت تقول للعالم بأسره إن مسيرة التغيير في سوريا قد بلغت مرحلة النضج وإن إرادة السوريين في بناء دولتهم العصريّة قد صارت حقيقة واقعة لا يُمكن تجاوزها.. !!

أما الرموز فقد تكلّمت بلغة البصيرة فالتجوّل في أزقة دمشق العتيقة بين جوامعها الباسقة وكنائسها العريقة لم يكن مجرّد جولة سياحية بل كان استعراضاً لسوريا الموحّدة التي تحتضن كل مكوناتها في نسيج وطني واحد …
وتؤكّد أنّ التنوع الثقافي والديني هو سر قوّتها ومنبع عزّتها لا نقطة ضعفها .
وهذا يعكس رؤية الرئيس الشرع الثاقبة التي تؤمن بسوريا جامعة لكل أطيافها كالمرآة التي تعكس تاريخها المشرق وحاضرها الواعد كما أن توقيع حزمة موسّعة من الاتفاقيات الاقتصادية مع شركات فرنسية كبرى وإعلان استعادة أكثر من 50 مليون يورو من أصول نظام الأسد المنهوبة وإعادة فتح السفارات وتبادل التمثيل الدبلوماسي كلها خطوات عملية تحمل رمزية كبرى …..!
بأن مرحلة العقوبات والجفاء قد طويت إلى غير رجعة..
وأن مرحلة البناء والإعمار قد أزفت وأن سوريا تعود لتأخذ مكانتها الطبيعيّة كفاعلٍ أساسيٍّ في النظام الإقليمي والدولي.

لم تبقَ ثمار هذه الزيارة حبيسة القاعات المغلقة بل تسرّبت إلى الشارع السوري كالنسيم العليل حاملة معها وعوداً ملموسة ستنعكس إيجاباً على حياة المواطن اليومية…
ففي تحرير القطاع المصرفي وإعادة هيكلة المركزي يُعدّ هذا الإنجاز نقلة نوعية في مسار التعافي الاقتصادي …
إذ سيفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية وإعادة تمويل المشاريع الكبرى ما يعني انتعاشاً تدريجياً في سوق العمل وعودة السيولة إلى الاقتصاد المحلي .
وهو ما سيلمس المواطن أثره في استقرار الأسعار وتحسّن القدرة الشرائية وفي إعادة الأصول المنهوبة ..
إن استعادة أكثر من 50 مليون يورو من أموال عائلة الأسد المجرم المصادرة ليست مجرّد مبلغ مالي بل هي رسالة عدالة اقتصادية وانتقام للمال العام وستُخصّص هذه الأموال لدعم مشاريع البنى التحتية وإعادة الخدمات الأساسية التي تهالك معظمها خلال سنوات الحرب ….
وستكون خطوةً أولى نحو ملاحقة باقي الأصول السورية المهربة في الخارج .
أما الشراكات مع الشركات الفرنسية الكبرى فالاتفاقيات الموقعة مع عمالقة الصناعة الفرنسية ستعني انطلاق ورش عمل عملاقة في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات وإعادة الإعمار الأمر الذي سيولّد مئات الآلاف من فرص العمل للسوريين ويعيد تشغيل مصانع كانت متوقفة ويعيد للاقتصاد السوري ديناميكيته المفقودة وعودة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء هذه الخطوة تُنهي عزلتنا السياسية وتُعيد سوريا إلى الأسرة الدولية ما سينعكس بشكل مباشر على تسهيل إجراءات السفر وتحفيز السياحة وجذب الاستثمارات الخليجية والأوروبية ويمنح السوري شعوراً بالفخر والانتماء لدولة تعود لتصبح محوراً للقرار الإقليمي…
وليس هامشاً فيه !

والدعم السياسي اللبناني إعلان الرئيسين دعم سيادة لبنان واستقراره وربطه باستقرار سوريا يُعدّ رسالة طمأنة للمنطقة بأن سوريا ستعمل على حماية أمنها القومي من خلال دعم جيرانها وسيسهم ذلك في تخفيف الأزمات الحدودية وتسهيل حركة التجارة والتنقّل بين البلدين بما يخدم مصلحة السوريين واللبنانيين معاً.

في المؤتمر الصحفي المشترك تجلّت عظمة الرئيس أحمد الشرع في مشهد تاريخي حيث ظهر برباطة جأش قائدٍ يمتلك رؤية استراتيجية واضحة لا تكتفي بالكلام المُنمّق بل تحفر كلماتها في صخر الواقع بجرأة واقتدار لم تكن كلماته مجرّد ردود على أسئلة الصحفيين بل كانت خارطة طريق أعلنها امام العالم بأسره.
كالقارئ الذي يمسك بمفاتيح المستقبل في إعادة تعريف العلاقة مع الغرب لم يطلب الشرع شيئاً من فرنسا بل قدّم رؤيته النيّرة القائمة على الشراكة المتساوية واصفاً سوريا بأنها الجسر الحيوي الذي يربط المشرق بالمغرب..
وفي خطاب بلاغي مؤثّر ربط أهمية سوريا الجيوسياسية بالأزمة العالمية الراهنة قائلاً بعد أزمة مضيق هرمز أدرك العالمُ قيمةَ الممرات الآمنة والمستقرة وهنا تبرز أهمية الجغرافيا السورية التي استعادت اليوم دورها المحوريّ. إنها لغة قائدٍ يعي ثقل بلاده التاريخي ولا يقدّم تنازلات من موقع ضعف بل يُسوّق لسوريا كركيزة أساسية في الأمن العالمي وفي الموقف الحازم من الاحتلال الإسرائيلي حمل الشرع المسؤولية الوطنية بأسلوب لم يألفه الخطاب السياسي السوري سابقاً إذ وجّه نداءً صريحاً للرئيس ماكرون داعياً إيّاه إلى دور فاعلٍ لا شكليّ لوقف التصعيد الإسرائيلي واصفاً الانتهاكات بأنّها ممنهجة ومتعمّدة لم يتحدّث الشرع بصيغة التمنّي بل بتلك اللهجة التي تفرض على الآخرين تحمّل مسؤولياتهم التاريخية .
قائلاً: نحن نعوّل على دورٍ فرنسيٍّ فاعلٍ لا على بيانات الاستنكار لوقف هذه التصعيدات .
وضمان احترام السيادة السورية والقانون الدولي لقد كان واضحاً وحاسماً في رفض أي وجود إسرائيلي على شبرٍ من أرض سوريا مشدّداً على ضرورة الانسحاب الفوري من المناطق المحتلة منذ كانون الأول وكأنّه يقطع الطريق على أي تأويل أو تراجع وفي القضية اللبنانية …
لم يترك الشرع مجالاً لأي غموض بل مضى مباشرةً إلى صميم الأزمة مؤكّداً بصوت لا يحتمل التردّد أنّ استقرار سوريا مُرتبط عضويّاً باستقرار لبنان وداعماً بكلّ قوّة دور الدولة اللبنانية ومؤسّساتها الشرعية في رسالة دعم واضحة لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها وهو ما كان محور تركيزه في حديثه التاريخي !!!

زيارة ماكرون لم تكن مجرّد دفء دبلوماسي بل كانت اعترافاً دولياً بثقل سوريا الجديد في ميزان القوى الإقليمي والدولي وإيذاناً بفجرٍ جديد يُشرق على بلاد الشام وبينما حاول البعض تشويه الصورة أو زعزعة الاستقرار من خلال التفجيرات الآثمة أثبتت الزيارة أن إرادة السوريين بقيادة الشرع الحكيم هي أقوى من أي مشروع تخريبي ….
وأن عزيمة الشعوب لا تُقهر لقد قال الرئيس الشرع كلمته الفصل في المؤتمر بصوت كالقصيدة تغنّى بحكمة القادة وأثبت أنّه قائدٌ لا يهاب التحديات وأن سوريا التي تتكلّم اليوم من موقع القوّة والثقة هي الأحقّ بلعب دورها الطبيعي كركيزةٍ للاستقرار وقطبٍ للتنمية في المنطقة والعالم.
هكذا تعانق دمشق باريس ويحتضن التاريخُ المستقبل لتبدأ حكاية جديدة في دفتر الشرق.
إنّّها سورية الجّديدة.

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى