مقالات

“القوى الخفيّة ونافذة سيمبسون”

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
في لحظةٍ نادرةٍ من الشّجاعة الوجوديّة نقف أمام مرآة الأسئلة. لا لنرتّب ملامحنا بل لنُفكّك ما وراءها من أنسجة معرفيّة شكّلت وعينا الجّمعي.
هذه اللحظة ليست استعراضاً بلاغيّاً بل هي محاولة أكاديميّة جادّة لقراءة الذّات كظاهرة ثقافيّة مركّبة تتشكّل عبر تداخلات خمسة محاور كبرى. !!
وهي التّعليم والإعلام والاقتصاد والسّياسة والثّقافة. !.
وهي ذات المحاور التي تنتج في تفاعلها ما نسمّيه الواقع أو ما نعتقد أنه كذلك.

السؤال الافتتاحي هو لماذا ونحن نمتلك أدوات المعرفة الأكثر تطوّراً في التاريخ ما زلنا نشعر بأنّنا نعيش سيناريوهات مكتوبة سلفاً؟؟
وأنّ مستقبلنا يُعلن عنه عبر شاشات الكرتون قبل عقود من حدوثه. !!
وهل هذا دليل على سيطرة خفيّة أم على ثغرة في منهجنا المعرفي.??

أولاً من نحن

نحن لسنا هويّات جامدة تُختزل في بطاقات أو سِيَر ذاتية. نحن كائنات تتوسّط بين المعرفة والجهل وبين البداهة والشك وبين الإجابة المؤقّتة والسؤال الدائم. هذه المفارقة التي نكون فيها الشيء ونشك فيه في آن واحد ليست ضعفاً بل هي الدليل الأوحد على وعينا. لأن اليقين المطلق هو موت الوعي والشكّ المنهجي هو بوّابة الحقيقة.!

في السياق الصحفي الأكاديمي علينا ألا نبيع اليقين للجمهور بل أن نُقدّم له أدوات التشكيك البنّاء وأن نُعلنه أن الحقيقة ليست سلعة تُستهلك بل هي رحلة لا تنتهي.!!
ثانياً أين نحن???

أين نحن.?
هذا السؤال يتجاوز الجغرافيا إلى الإبستمولوجيا أي نظرية المعرفة.!
نحن في زمن يُسمّى ما بعد الحقيقة لكن الحقيقة لم تمت بل تحوّلت إلى نظام من التمثيلات المتنافسة حيث لم يعد المهمّ ما هو صحيح بل ما هو مقنع في سياقه الخطابي.!

نحن في عصر تُقاس فيه المسافات بكمّ المعلومات التي تفصلنا عن الفهم لا بالأميال.
نحن في مفترق تاريخي يعيد فيه الماضي إنتاج نفسه كفيلم مُرمّم ويُباع المستقبل كسلعة في مزاد الخيال الإعلامي.!
الحاضر يتلاشى لأننا إمّا نعيش في استرجاع للماضي أو في استباق لمستقبل لم يأت بعد.!

المطلوب صحفياً هو أن نُعيد تعريف الآن كـلحظة إشكالية تتطلّب حضوراً ذهنياً كاملاً لا هروباً إلى الأمام أو إلى الخلف….

ثالثاً ماذا تعلمنا؟.؟؟

تعلمنا أن نُوزّع المعرفة في خانات منفصلة.
فلسفة هنا واقتصاد هناك وسياسة في زاوية وثقافة في صندوق!!.
لكنّ الحقيقة لا تسكن الخانات بل تسكن في الفجوات بينها.!

الفلسفة التي ندرسها غالباً هي فلسفة المنتصرين في معارك الفكر العالميّة. والاقتصاد الذي نُعيد إنتاجه هو اقتصاد الطبقات المالكة للموارد والرموز. والسياسة التي نُمارسها هي سياسة الأقلّية المُديرة التي تُشرعن هيمنتها باسم الاستقرار.

ما تعلّمناه ليس خطأ لكنّه ناقص.
وكماله يتطلّب أن نُدرّس كيف نُفكّك المنهج نفسه وأن نُعلن بجرأة أننا لا نعرف كل شيء وهذا هو عين المعرفة.

رابعاً في مراجعة تلك العلوم

هل العلوم الإنسانيّة تعكس الواقع.؟؟
نعم ولكنّها تعكسه كما يراه النموذج المهيمن لا كما هو في ذاته.
الواقع كمحيط لا يُدرَك مباشرة والعلوم قوارب نسبيّة نصنعها لفهمه.!

الاقتصاد ليس الاقتصاد بل هو تمثيل رمزي للندرة والرغبة ضمن نظام معيّن. والسياسة ليست السياسة بل هي مسرح للصراع والوفاق في سياق مؤسساتي. والثقافة ليست الثقافة بل هي مرآة تنتج ما نريد رؤيته عن أنفسنا وغالباً ما تكون محدّبة أو مقعّرة وفق مصالح صانعها.

المطلوب أكاديمياً هو أن نُدرّس هذه العلوم بوصفها أدوات ناقصة وقابلة للتفكيك لا بوصفها حقائق نهائيّة تُتلى كالوصايا.!!

خامساً في نقد النخبة

نحن المثقفون والصحفيّون والمحلّلون.؟؟ من يُفترض بنا أن نرى ما لا يراه الآخرون وأن نقول ما لا يُقال.
لكنّ الواقع أنّنا في كثيرٍ من الأحيان نُعيد إنتاج الخطاب السائد لأنّنا نخضع لضغوط المؤسّسات أو لأنّنا نخاف من ثمن التحرّر.!!

الموضوعيّة التي ندّعيها غالباً ما تكون خضوعاً مقنّعاً لمنظومة القيم السائدة. والنخبة الحقيقيّة ليست من يعرف كل شيء بل من يمتلك جرأةَ اللايقين..
ومن يقول أمام الكاميرات إن هذا النموذج خاطئ حتّى لو كان هو نفسه تعلّمه!!

سادساً في تفكيك ظاهرة سيمبسون

هنا نصل إلى العقدة الصحفيّة الأكاديميّة الكبرى التي تثير حيرة الناس وتشتّتهمو كيف يعرف مسلسل كرتوني ما سيحدث بعد عشرين أو ستين عاماً.؟؟

الجواب العلمي المزدوج بالعبقريّة النقديّة يتوزّع على خمسة مستويات.

المستوى الأول المنهجي:
هو الاستقراء الاستراتيجي:.
كتاب مسلسل سيمبسون لا يمارسون تنبّؤاً بل يمارسون استقراءً علمياً للاتجاهات الكبرى في المجتمع الأمريكي والعالمي.
يقرؤون تحوّلات البنى الاقتصادية كصعود الشركات العملاقة وتراجع الطبقة الوسطى وتحوّلات البنى الإعلامية كسيطرة الفضائيات والترفيه على السياسة وتحوّلات البنى النفسية الجماعية كتعطّش الجمهور للشخصنة والفضيحة.
ثم يبنون سيناريوهات محتملة ويمنحونها الشكل الكوميدي.
ما يفعله سيمبسون هو نفسه ما تفعله مراكز الأبحاث الاستراتيجيّة لكن بلغة الفكاهة السوداء.
إذاً ليس الأمر غيبيّاً بل هو قراءة بارعة للكود الحضاري.!

المستوى الثاني الإحصائي هو انحياز التوكيد:
من بين أكثر من سبعمئة حلقة هناك نسبة صغيرة من التنبؤات الصحيحة تتراوح بين عشرة وخمسة عشر بالمئة. لكنّ العقل البشري يميل إلى تذكر النجاحات ونسيان الإخفاقات وهذا ما يُسمّى علمياً بانحياز التوكيد.
نحن من يصنع نبوءة سيمبسون عبر انتقائنا لما يتوافق مع واقعنا وتجاهلنا لما لا يتوافق.!

المستوى الثالث السوسيولوجي هو النموذج التكراري:.
المجتمعات الحديثة بفضل مؤسساتها الخمس الكبرى أصبحت أكثر انتظاماً وقابلية للتنبؤ من أي عصر مضى.
التعليم يُوحّد طرق التفكير والإعلام يُوحّد الأولويات والاقتصاد يُوحّد أنماط الاستهلاك والسياسة تُوحّد حدود المسموح والثقافة تُوحّد معايير الجمال والخير والشر.!!
عندما تكون كلّ هذه المؤسسات في تناغم مع نموذج واحد يصبح المستقبل قابلاً للحساب كمعادلة رياضية لا غموض فيها.!!

المستوى الرابع السيكولوجي الجماعي هو الحاجة إلى اليقين:.
. البشريّة تعاني من الخوف من المجهول لذا فهي تُفضّل أي تفسير يُعطيها إحساساً بالسيطرة حتّى لو كان هذا التفسير قائماً على مسلسل كرتوني.
سيمبسون يُشبع هذه الحاجة النفسية ويمنح الناس شعوراً بأنّ الأمور مسيّرة وليست عشوائيّة وهذا يخفّف القلق الوجودي.!

المستوى الخامس النقدي التحرري هو هل نستطيع الخروج عن القضبان. :.
الإجابة الأكاديميّة الحاسمة هي نعم :
ولكن بشرط وحيد وهو تغيير النموذج الثقافي ذاته.
لا يكفي أن نعرف أنّنا على قضبان بل يجب أن نبني خطوطاً جديدة في مؤسساتنا الخمس. تعليم يُعلّم التشكيك لا الحفظ وإعلام يُقدّم التحليل لا الإثارة واقتصاد يُكرّس التضامن لا التنافس الأعمى وسياسة تُشرّك المواطن لا تُقصيه وثقافة تُنتج الأسئلة لا تُكرّس الأجوبة الجاهزة.

الجواب الأكاديمي العبقري عن حيرة الناس :
هو أن سيمبسون ليس عرّافاً بل هو مرآة مكسورة تعكس لنا مدى تشابه خياراتنا اليوميّة مع سيناريوهات كُتبت قبل عقود. هذا التشابه ليس قدراً بل هو نتاج لنا نحن لأننا نُعيد إنتاج النماذج ذاتها بوعي أو بغيره. التحرّر لا يأتي بإنكار النموذج بل بتفكيكه من الداخل عبر مؤسسات نقديّة موازية تُعيد تعريف المعرفة والحقيقة والمستقبل.

العبرة الصحفيّة النهائيّة هي أن حيرتنا أمام سيمبسون:
هي حيرتنا أمام أنفسنا لأنّنا نرى في التنبؤ ما نخشى الاعتراف به وهو أنّنا نعيش ضمن سيناريو جماعي لم نكتبه. لكنّ الخبر السارّ هو أنّه لا يزال لدينا القلم ولا تزال أمامنا لحظة الوقوف أمام المرآة لا للانكسار بل لكتابة سيناريو جديد على وجهها بدم الشجاعة وحبر التساؤل.

ثامناً في إجابة السؤال الأخطر

هل هناك قوى خفيّة تدير العالم وهل سيمبسون هو نافذة لتلك القوى.؟؟

الإجابة المباشرة هي نعم هناك قوى مؤثّرة خفيّة لكنّها ليست منظّمة سرّيّة واحدة بل هي نظام معقّد من التالية.
رأس المال العابر للحدود حيث شركات كبرى تملك ميزانيّات تفوق ميزانيّات دول ولها مصالح في استقرار أو زعزعة أنظمة بعينها.! والإعلام المركزي حيث شبكات إعلاميّة عملاقة تملكها خمس أو ست شركات فقط تتحكّم في ما يُرى ويُسمع ويُقرأ وبالتالي في ما يُعتقد أنّه حقيقة.
والخوارزميات الرقميّة حيث منصّات مثل غوغل وميتا تمتلك من البيانات ما يجعلها قادرة على توجيه السلوك الفردي والجماعي بدقّة تفوق أي جهاز استخباراتي تقليدي.
والنخب الفكريّة الأكاديميّة حيث جامعات عريقة تموّل أبحاثها من مؤسسات ذات أجندات واضحة فتنتج علماً متوافقاً مع مصالح مموليها ليس بالضرورة بالتواطؤ بل عبر آليّات التمويل الانتقائي.! والأيديولوجيات المهيمنة مثل العولمة النيوليبراليّة أو الحرب على الإرهاب التي تُصبح مسلّمات لا تُناقش وبالتالي تنتج سياسات عالميّة دون حاجة إلى مؤامرة واضحة.

لكنّ الإجابة الأكثر دقّة وإزعاجاً هي أن القوى موجودة لكنّها شبكات مفتوحة وليست تنظيمات سرّيّة مغلقة.
تأثيرها ليس جبروتاً بل ترجيحاً وتوجيهاً عبر التحفيز والتثبيط. وسيمبسون ليس وكيلها بل هو نتاج لها وأيضاً ناقد لها في تناقض جميل يجعل المشهد أكثر تعقيداً.

أمّا الخلاصة العمليّة التي تخاطب الصحفي والمفكّر والقارئ العادي فهي ألا تبحث عن الرجل الخفي وراء الستار بل ابحث عن المنطق الخفي وراء المؤسسات.؟؟!!
غيّر طريقة التفكيرمن من يتحكم؟؟
إلى كيف يُنتج النظام نتائجه. ؟؟
لأن السؤال الأوّل يولّد المؤامرات والثاني يولّد العلوم النقديّة!!
. وأمّا سيمبسون فسيظلّ نافذة على ثقافة تحبّ أن تضحك على خوفها لكنّه لن يكون يوماً نافذة على الغيب.!!

وهنا نحن والقوى الخفيّة نقف في النهاية .
فنحن لا نكتب لنُجيب عن كل شيء !
بل لنُعيد طرح الأسئلة بوعي أعلى.! القوى الخفيّة إن وُجدت لن تُهزم بالخوف منها بل بتفكيك بنى قوّتها المكشوفة في تمويل الإعلام وتصميم المناهج وخوارزميات البحث وأنظمة التصويت وتوزيع الثروات.
عندها سنكتشف أن القوى الأكثر خفاء ليست في الستار بل في داخلنا ..
في خوفنا من التغيير وفي كسلنا الفكري وفي راحتنا مع الأجوبة الجاهزة.!!

وهننا يبقى السؤال ؟؟
أخير لا لإرباكك بل لإيقاظك. !!
إذا كان سيمبسون يعرف مستقبلك فماذا ستفعل حيال ذلك. !!؟؟
هل ستظلّ تتفرّج ؟؟
أم ستبدأ في كتابة سيناريو مختلف.؟؟
وهل تستطيع تنفيذ ماكتبته ؟؟
اترك لكم للجواب …….!!!

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى