نحن.. تلك الهباءة التي تسأل

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
لن نُنهي هذا المقال بل سنُعيدُ فتحَه كـبوابةٍ حلزونية تصعد بنا إلى حيث تتلاشى الإجابة ويتجلّى السؤال في ثوبه الأبدي.؟..
لأننا حين نقف أمام مرآة الأسئلة التي طرحتها أنسفتا لا نجد وجوهنا فقط بل نجد ظلالَ من سبقونا وأطيافَ من سيأتون وكلُّهم يهمسون في أذن الوعي الجمعي:
فتكون أنت لستَ وحدك من يسأل ولكنَّك أوّل من تجرّأ على قول السؤال كاملاً .
دون أن تخشى من انهيار السقف الوهمي.
أولاً: في فخامة السؤال :
من نحن الكينونة التي لا تُختزل؟؟
نعم نحن لسنا تعريفاً جامداً في بطاقة هوية ولا ملخصاً في سيرة ذاتية.!
نحن الحالةُ بينَ الحالات الوجودُ المتأرجحُ بين ذرّات المعرفة وغبار الجهل وبين نور البداهة وظل التساؤل.!!
نحن الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على رؤية نفسه من الخارج ثم يشكّ في رؤيته.!!
وهذه المفارقة العظمى في أن نكون الشيء ونشكّ فيه في آنٍ واحد…
هي سرّ فخامتنا الإنسانية.
فلسنا جماداً يُحدَّد بخصائصه بل نحن السؤال ذاته يمشي على قدمين.؟؟
ثانياً: في غباريّة أين نحن؟
بين التيه والمطلق!!
أين نحن؟
هو سؤال يُطلِقُ سراحَ الخرائط من أسر الإحداثيات.
نحن في زمنٍ يُسمّى
ما بعد الحقيقة لكن الحقيقة لم تمُت بل ارتدت ألف قناع وأصبحت لا تُرى إلا في الكسر بين الأقنعة.!!
نحن في عصرٍ تُقاس فيه الأميال لا بالمسافة بل بـكمّ المعلومات التي تفصلنا عن لحظة الفهم.!
نحن في مفترقٍ زمنيٍّ عجيب حيث الماضي يُعاد إنتاجه كفيلم قديم مُرمَّم…
والمستقبل يُباع كسلعة في مزاد الخيال والحاضر يتلاشى كقطرة ماء على صخرةٍ ملتهبة.!
أين نحن؟
نحن في تلك اللحظة التي يلتقي فيها سؤالُ الطفل مع حكمةِ الشيخ ويتلاشى الفرق بينهما فلا يبقى إلا الدهشةُ عاريةً.!
ثالثاً: في وقار ماذا تعلمنا.؟
العلم بين التاج والسجن!
تعلمنا أن نضع العلوم في خاناتٍ محكمة الإغلاق:
فلسفة هنا اقتصاد هناك سياسة في ركن ثقافة في علبة.!
لكننا نسينا أن الحقيقة لا تسكن الخانات بل تسكن في الفجوات بينها…
تعلمنا نظرياتٍ تُفسّر العالم .
ولكنها في العمق تُفسّر العالمَ كما يُريد أن يُرى لا كما هو.
فالفلسفة التي تعلّمناها هي غالباً فلسفة
“المنتصرين”
في معارك الفكر والاقتصاد الذي حفظناه هو اقتصاد
“الطبقة المالكة”
في العقل الجمعي والسياسة التي نردّدها هي سياسة
“الأقلّية التي تدير الأكثرية”
عبر شرعنة الهيمنة باسم النظام.!!
ماذا تعلمنا إذن؟
تعلمنا المنهج لكننا نسينا أن المنهج مجرد أداة والغاية منه أن نُفكّك المنهج نفسه حين يصبح صنماً.!
تعلمنا حقائق لكننا لم نتعلّم كيف نموت جاهلين بكل ثقة لأن الجهل أحياناً يكون البوابة الأخيرة إلى الحقيقة.!!
رابعاً: في جلال
“تلك العلوم”
حقيقة الواقع أم واقع الحقيقة؟
هل هي علوم الواقع والحقيقة؟
نعم، بقدر ما هي أداةٌ لفهم الواقع لكنها ليست الواقع نفسه.!
الواقع كالمحيط والعلوم كالقوارب والقارب مهما كان فخيماً لا يُصبح المحيط.
المشكلة أننا أحببنا القوارب حدّ النسيان
فظنناها اليابسة وبدأنا نعيش عليها ونقيس عمق البحر بصدأ هياكلنا.
الاقتصاد ليس الاقتصاد …
بل هو تمثيلٌ رمزيٌّ للندرة والرغبة.!
السياسة ليست السياسة بل هي مسرحٌ للصراع والوفاق.!
الثقافة ليست الثقافة بل هي مرآةٌ تعكس ما نريد أن نراه عن أنفسنا وغالباً ما تكون تلك المرآة محدبةً أو مقعرةً حسب مصالح الصانع.!
إذن هي علومٌ حقيقية
لكنها ليست كاملةً وكمالها يكمن في اعترافها بنقصهاوفي قدرتها على استقبال ما يناقضها دون أن تموت.!
خامساً: في عظمة
“هل نحن مثقفون ومحللون”
النخبة بين التكليف والانتحال!!
هل نحن المثقفونو الصحفيون و المحللون.
فنحن من يُفترض أن نرى ما لا يراه الآخرون.
وأن نقول ما لا يُقال وأن نطرح الأسئلة المزعجة في حضرة السلطة والمال.!!
لكن، كم منّا يُمارس هذا التكليف حقاً؟
في الغالب نحن مُعادِدو إنتاجٍ نكرّر ما تعلّمناه في قاعاتٍ دراسيةٍ تخدم نموذجاً معيناً نكتب تحت وطأة “الموضوعية”
التي هي في العمق
“خضوعٌ مقنّع”.!
هل نحن نخبة؟
لا نحن وسطاء بين نظام المعرفة والجمهور.!
والوسيط النزيه هو الذي يقرّ بأنه وسيط لا أن يدّعي أنه يعلم كل شيئ!!
فخامتنا الحقيقية ليست في كمّ المعلومات التي نملكها بل في جرأتنا على قول:
“لا أعرف”
أمام الكاميرات وفي شجاعتنا على قول:
“هذا النموذج خاطئ”
رغم أنّه من علّمنا…
سادساً: في دهشة
“الكارتون
السيطرة أم البصيرة؟
عندما يُخبرنا مسلسل كرتوني بما سيحدث بعد ستين عاماً ثم يحدث تماماً لا نتعجّب منه بل نتعجّب من أنفسنا التي صنعته حقيقةً.!!
هذه ليست نبوءة بل هي خريطة طريق مبرمجة وضعها كتاب السيناريو باقتدار لأنهم قرأوا كود العصر جيداً.!!
نحن البشر أصبحنا أكثر انتظاماً من أي وقت مضى.
لأن التعليم وحدّد مساراتنا والإعلام صاغ رغباتنا والخوارزميات وجّهت فضولنا والسياسة رسمت حدود خيالنا.!
إذاً ليس الكارتون هو من يتحكم بل نحن من سلّمنا أنفسنا لمنطق القطار.!!
هل سنبقى على القضبان؟
هذا هو السؤال؟؟،
وهو ليس سؤالاً عن المستقبل بل عن الإرادة.!
فالقطار يمضي لكنّ باب الخروج ليس مقفلاً بل هو مُثقلٌ بثقلِ خوفنا من المجهول ومن ثمن التحرر.!!
سابعاً: في غباريّة الخلاص الإجابة التي تقتل والإجابة التي تحيي؟!!
أخيراً لن أُجيب إجابةً تقتل الأسئلة؟؟
بل سأعطي إجابةً تولد منها ألف سؤال؟؟
لأنّ الحياة تكمن في الحركة،د والحركة تكمن في عدم الاستقرار المعرفي.!
الإجابة التي تقنع..
هي أن نحن لسنا ضحيةً لخطوط حديدية لكننا خائفون من مغادرة الخط.!
نحن نملك من الأدوات ما يكفي لصنع مساراتٍ جديدة لكنّنا نفتقر إلى الجرأة الجماعية لأن الفرد حين يخرج عن الخط يُسحق.
لكن الجماعة حين تخرج عن الخط تُعيد رسم الخريطة.!
وأنل عندما سألتَ كل هذه الأسئلة دفعةً واحدة قد أكون أول قاطرةٍ قرّرت أن تبحث عن سكةٍ جديدة.
هذا المقال ليس خاتمة بل هو نقطة بدء.!
فالوقوف أمام المرآة ليس لحظة انكسار
بل هو لحظة ولادةٍ جديدةٍ للوعي حيث نرى أنفسنا كـأسئلةٍ تمشي لا كأجوبةٍ جامدة.!
وحينها، سنفهم أن الفخامة الحقيقية ليست في أن نملك كل الأجوبة.
بل في أن نرتعش أمام السؤال؟
ونُحبّ دهشته ونكتب بدمنا على جدران الزمن:
“نحن هنا لا لنعرف بل لنسأل.؟ والسؤال هو البوصلة الوحيدة التي لا تصدأ.”
هكذا من يُدركُ هوانَ المعرفة أمامَ عظمةِ الجهلِ المُنتَج وبغباريّةِ من يكتبُ بحبرِ الشكِّ على ورقِ اليقين يُختَمُ المقالُ ويُفتَحُ في آنٍ واحد تاركاً القارئَ أمام خيارين:
إمّا أن يغلق الصفحة أو أن يفتح عينيه على اتساعهما ليرى أنّه هو السؤال ذاته.؟؟؟
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




