لا طلقات ولا شظايا ولا صمت .. البيوغرافيا السّريّة لسلاحين غيّرا قواعد الاشتباك إلى الأبد ..

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
إنّه التّنين النّاري ومدمّر السّرعة السّريع ثورة الصّمت التي تُعيد تشكيل قواعد الاشتباك
في مشهدٍ عسكري ظلّ لعقود أسيراً لمعادلة صارمة تقضي بأنّ القوة النّارية تُقاس بهدر الملايين ..
لكن ها هي بريطانيا تقلب الطّاولة على منطق الحروب التّقليدي !! فبينما كان الصّاروخ الدّفاعي الواحد يكفي لشراء منزل فاخر في ضواحي لندن ..
تُعلن المملكة اليوم عن سلاح يدمّر الطّائرات المسيرة بتكلفة لا تتجاوز فنجان قهوة في مقهى مزدحم …
إنّه وعد التّنين النّاري ومدمّر السّرعة السّريع السّلاحان اللذان يُعيدان تعريف معادلة التّكلفة والفعاليّة في عصر حروب الدّرونات !!
لم تكن بريطانيا بمنأى عن التّحوّلات الدّراماتيكيّة في طبيعة الصّراعات الحديثة ..
فالحرب في أوكرانيا كشفت حقيقة صادمة وهي أن أسراباً من الطائرات المسيرة رخيصة الثمن يمكنها إرباك أنظمة دفاع جوي كلفت مليارات الدولارات ..
وفي اليمن أثبتت الهجمات بالدرونات أن المسافات لم تعد حاجزاً آمناً. .
وفي هذا السّياق يأتي المشروعان البريطانيان كإجابة تكنولوجيّة على تحدّي وجودي…
التّنين النّاري قنص الأهداف بأشعة الضوء؟؟؟!!
ليس التّنين النّاري مجرّد سلاح آخر في ترسانة بشرية ..
بل هو نقلة نوعية في فلسفة القتال نفسه ..
إنه سلاح ليزر عالي الطاقة يعمل على مبدأ تركيز حزمة ضوئية مكثفة على الهدف فتذوب الأخيرة كالثلج تحت أشعة الشمس ..
فلا رصاص ولا صواريخ ولا انفجارات مدوية فقط شعاع خفي يقطع السماء بسرعة الضوء ليحول الدرون إلى كتلة منصهرة في ثوان معدودة .
وما يميز هذا السلاح دقته الجراحية المذهلة ففي التجارب التي أجريت في اسكتلندا أثبت التنين الناري قدرته على إصابة هدف بحجم عملة نقدية واحدة من مسافة كيلومتر كامل .
وعندما يتعلق الأمر بالدرونات فإن مداه الفعال يصل إلى خمسة كيلومترات وهي مسافة كافية لاعتراض التهديدات قبل أن تصبح خطراً داهماً!!
تبلغ قدرة الليزر ما يزيد على خمسين كيلوواط وهي طاقة كافية لإذابة هياكل الدرونات الحديثة وفي تجارب نوفمبر الأخير نجح السلاح في إسقاط درونات كانت تحلق بسرعة ستمائة وخمسين كيلومتراً في الساعة …
أي ما يقارب ضعف سرعة سيارة فورمولا واحد ..
وهذا يعني أن زمن التفاعل مع التهديد لم يعد يقاس بالثواني بل بأجزاء منها …
أما المفاجأة الحقيقية فهي التكلفة فكل طلقة لا تتجاوز عشرة جنيهات إسترلينية..
تخيلوا هذا الرقم مقابل مليون جنيه كان يدفعها السلاح البحري التقليدي لإسقاط درون واحد…
إنها ثورة في اقتصاديات الحرب حيث يصبح الاعتراض الجماعي للأهداف ممكناً دون القلق على نفاد المخزون الاستراتيجي!!
وفي خطوة تعكس مدى الجدية البريطانية تم تخصيص استثمارات ضخمة تجاوزت مليار جنيه إسترليني لتطوير أسلحة الليزر وقد وقعت وزارة الدفاع عقداً بقيمة ثلاثمائة وستة عشر مليون جنيه إسترليني مع شركة إم بي دي إيه للإنتاج والتسليم ومنحت شركة كينيتيك عقداً فرعياً بقيمة سبعة وستين مليون جنيه إسترليني لتطوير مصدر الليزر الأساسي…
والمفاجأة الأكبر أن هذه الأسلحة ستدخل الخدمة على متن الفرقاطات البحرية من نوع تايب فورتي فايف اعتباراً من عام ألفين وسبعة وعشرين أي قبل خمس سنوات كاملة من الجدول الزمني الأصلي. .
وهذا التسريع يعكس إدراك القيادة العسكرية لحجم التهديد المتصاعد وضرورة تزويد القوات بأحدث الوسائل الدفاعية في أقرب وقت ممكن ..
مدمر السرعة السريع إعصار الموجات الذي يشل الأسراب
فإذا كان التنين الناري يعمل كقناص يحرق الأهداف الفردية فإن مدمر السرعة السريع هو شبكة صيد تشل الحركة بأكملها .
هذا السلاح الذي طورته شركة تاليس المملكة المتحدة ليس ليزراً بل مصدراً للموجات الراديوية عالية التردد.
لكن لا تنخدعوا بالاسم فهذه ليست موجات راديو عادية تبعث الموسيقى في مذياع السيارة.
بل هي طاقة كهرومغناطيسية مركزة تخترق الدوائر الإلكترونية للدرون فتحرقها من الداخل..
والأهم أن هذا السلاح لا يحتاج إلى إصابة مباشرة بالمعنى التقليدي فمجرد توجيه الحزمة الموجية نحو الهدف كافٍ لتعطيل إلكترونياته بالكامل فيفقد السيطرة ويسقط أرضاً .
وهذه ميزة استراتيجية في مواجهة الأسراب حيث يمكن تشغيل السلاح بشكل مستمر لخلق جدار غير مرئي من الطاقة يمنع أي طائرة من الاقتراب!!
في أحدث تجارب أبريل من عام ألفين وستة وعشرين في بلدة بيرشور بمقاطعة غلوسترشاير نجح النظام في إسقاط ثمانين دروناً فردياً …
وأظهرت التحاليل الجنائية أن كل اشتباك أدى إلى هزيمة فورية ومتسقة للهدف.
لكن التجربة الأكثر إثارة كانت في أبريل ألفين وخمسة وعشرين عندما أسقط النظام سربين كاملين من الدرونات في اشتباك واحد ليصل إجمالي ما تم تعطيله خلال برنامج التطوير إلى أكثر من مئة درون
واللافت أن الجيش البريطاني اعترف بأن النظام كان سريع التعلم وسهل الاستخدام وأن جندياً واحداً فقط هو من يديره..
وهذا التصميم المبسط يعكس رؤية واضحة وهي سلاح يمكن لأي جندي تدريبه استخدامه دون حاجة إلى متخصصين في الفيزياء الكمومية!!
وهنا تبلغ القصة ذروتها الصادمة فتكلفة الطلقة الواحدة من مدمر السرعة السريع هي عشرة بنسات فقط.
لا لم نخطئ في قراءة الرقم إنه ليس رقماً قياسياً فحسب بل هو تغيير جذري في معادلة الردع تخيل أن إسقاط سرب كامل من الدرونات كان يمكن أن يكلف ملايين الجنيهات بصواريخ تقليدية أصبح الآن بثمن كوب من الشاي وهذا الرقم يضع مدمر السرعة السريع في مصاف الأسلحة الاستهلاكية التي يمكن استخدامها يومياً دون القلق على الميزانية وهو أمر بالغ الأهمية في مواجهة تكتيكات الخصوم الذين يعتمدون على إغراق الدفاعات الجوية بأسراب رخيصة مستغلين فارق التكلفة لصالحهم!!
التكامل الاستراتيجي سيف وترس في منظومة واحدة!!
لا ينبغي النظر إلى هذين النظامين كبديلين متنافسين
بل كعنصرين متكاملين في منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات فالتنين الناري هو السلاح الجراحي الذي يتعامل مع التهديدات النوعية كالدرونات الكبيرة والسريعة والصواريخ وحتى قذائف الهاون
أما مدمر السرعة السريع فهو المكنسة التي تنظف الأسراب الصغيرة والدرونات الانتحارية التي تتجه نحو الأهداف الحيوية وهذا التكامل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التهديدات الحديثة التي لا تأتي بطابع موحد بل بتنوع مذهل في الحجم والسرعة والتسليح فدرون صغير بحجم طائر يمكنه حمل متفجرات كافية لتدمير دبابة وسرب مكون من مئة درون يمكنه إغراق دفاع قاعدة جوية بأكملها.
على المدى القريب سيتم تركيب التنين الناري على الفرقاطات البحرية ..
حيث يوفر طبقة دفاع أخيرة ضد الصواريخ والدرونات التي اخترقت الدفاعات الخارجية لكن الإمكانيات أوسع إذ يمكن تركيبه على المركبات البرية لحماية القوات المتقدمة
أو حتى في المواقع الثابتة مثل المطارات والمنشآت الحيوية أما مدمر السرعة السريع فقد صمم من البداية كسلاح برمائي يمكن تركيبه على شاحنات عسكرية.
أو على أسطح السفن أو حتى في حاويات قابلة للنقل السريع وهذا يمنح القادة العسكريين مرونة استثنائية في نشر هذه القدرات حيث تشتد الحاجة إليها!!
التحديات والقيود ليست معجزة بلا عيوب!!
لكن لا ينبغي أن ننسى أن هذه أسلحة تخضع لقوانين الفيزياء ولديها حدودها فليزر التنين الناري يمكن أن يتأثر بالضباب الكثيف والغبار والظروف الجوية السيئة حيث تتناثر الأشعة وتفقد تركيزها وبالمثل يمكن أن تتأثر موجات مدمر السرعة السريع بالمباني العاكسة والحقول الكهرومغناطيسية في المناطق الحضرية المزدحمة كما أن المدى القتالي الحالي لهذه الأسلحة محدود نسبياً ..
فالتنين الناري يصل إلى خمسة كيلومترات ومدمر السرعة السريع إلى كيلومتر واحد فقط وهذا يعني أنها مناسبة للدفاع عن نقاط محددة ..
كالقواعد والسفن والمنشآت لكنها لا تستطيع حماية مساحات شاسعة كصواريخ الدفاع الجوي بعيدة المدى..
هناك أيضاً قلق أخلاقي وتشغيلي يتمثل في إمكانية تداخل موجات مدمر السرعة السريع مع الإلكترونيات المدنية في المناطق المأهولة ..
فتخيل إسقاط درون فوق حي سكني لكن الموجات تعطل أيضاً أجهزة تنظيم ضربات القلب أو أنظمة الملاحة في الطائرات المارة أو شبكات الاتصالات هذه المخاوف حقيقية وتحتاج إلى دراسات متعمقة قبل الانتشار الواسع.
أما التنين الناري فرغم دقته المتناهية إلا أن شعاع الليزر إذا أخطأ الهدف يمكن أن يسبب أضراراً بشرية فظيعة أو يشتعل في مواد قابلة للاشتعال .
لذا فإن تشغيله يتطلب أنظمة تحكم وتتبع معقدة لضمان عدم انحرافه عن مساره
الرؤية المستقبلية بريطانيا في سباق التكنولوجيا العسكرية!!!
لندن لم تترك هذه المشاريع للتطور البطيء بل ضخت فيها استثمارات ضخمة تجاوزت أربعة مليارات جنيه إسترليني لتطوير أنظمة مستقلة ومتقدمة وخصصت وحدها أربعين مليون جنيه إسترليني لمشروع الموجات الراديوية المدمرة بينما تتجاوز استثمارات التنين الناري المليار مع احتساب عقود الإنتاج..
وهذا الالتزام يعكس إدراكاً بأن التفوق العسكري في العقد القادم سيكون حليف من يمتلك أسلحة الطاقة الموجهة فالولايات المتحدة وروسيا والصين جميعها لديها برامج طموحة في هذا المجال…
لكن بريطانيا تحاول اقتناص الريادة من خلال التسريع الزمني والتكامل بين الأنظمة….!
إذا نجحت هذه الأسلحة في الميدان وكانت المؤشرات مشجعة جداً فإنها ستغير قواعد الاشتباك في صراعات المستقبل فلن يكون بإمكان جماعات مسلحة أو دول صغيرة استخدام الدرونات الرخيصة كسلاح استراتيجي لأن دفاعات الخصم ستتمكن من إسقاطها بتكلفة شبه مجانية..
وهذا يردع أحد أخطر أشكال الحروب غير المتماثلة التي برزت في العقد الماضي.
كما أن الحصول على ذخيرة لا تنفد طالما هناك كهرباء يحرر الجيوش من قيود سلاسل الإمداد الطويلة والمكلفة..
فبدلاً من شحن آلاف الصواريخ إلى مسرح العمليات يمكن نشر بضعة أنظمة ليزر وموجات راديوية توفر حماية مستمرة لأشهر…
بداية عصر جديد من الحرب!!
في مشهد كان حتى الأمس القريب حكراً على أفلام الخيال العلمي تقف بريطانيا اليوم على أعتاب ثورة حقيقية في فن الحرب ..
فالتنين الناري ومدمر السرعة السريع ليسا مجرّد سلاحين جديدين ..
بل هما نموذجان مصغران لمستقبل الاشتباك العسكري دقة جراحية وتكلفة زهيدة واستمرارية لا تنضب صحيح أن التحديات لا تزال قائمة والقيود.. الفيزيائية لن تختفي لكن الاتجاه واضح فنحن ننتقل تدريجياً من عصر القذائف باهظة الثمن إلى عصر الطاقة الرخيصة ومن منطق تخزين الذخيرة إلى منطق توليد القوة النارية عند الطلب
أما السؤال الحقيقي فليس متى ستدخل هذه الأسلحة الخدمة ؟؟
فهذا محسوم بعام ألفين وسبعة وعشرين بل كيف ستغير من سلوك الأعداء واستراتيجياتهم ؟؟؟
ففي النهاية أعظم أسلحة الردع ليس ما يدمر الأهداف..
بل ما يجعل الخصم يتردد قبل أن يفكر في الهجوم أصلاً ..
وبعشرة بنسات فقط لكل طلقة فإن ذلك التردد قد يكون أكبر استثمار استراتيجي حققته بريطانيا في عقود !!
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




