من رماد الاختيار الخطأ… ينهض الإنسان الذي لا يُهزم

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
في كل مجتمع وفي كل طبقة اجتماعية
وفي كل مرحلة عمرية يتكرر المشهد ذاته أن
الإنسان يتخذ قراراً يظنه صائباً يضع ثقته في شخص يراه جديراً بها!!
يدخل علاقة أو شراكة أو طريقاً يبدو في لحظته الأولى منطقياً!!!
ثم يكتشف لاحقاً أن اختياره كان خطأً فادحاً….
لكن ما يلفت النظر في هذه الظاهرة ليس الخطأ نفسه!!!
بل الثمن الذي يدفعه الإنسان بعد ذلك!
وكيف يتحوّل هذا الثمن إلى عملية إعادة تشكيل داخلية لا تقل عمقاً عن التحولات الكبرى في حياة البشر.!!!
ولا ندرك لماذا يختار الإنسان الطّريق الخطأ ؟؟؟
إلا بعد فوات الآوان و إنّ
التّحقيقات الاجتماعيّة تشير إلى أنّ الإنسان لا يخطئ لأنّه غافل بل لأنّه يقرأ العالم من زاوية محدودة.. .
يختار بدافع الطّيبة !
أو الحاجة
أو الرّغبة في الانتماء
أو الخوف من الوحدة!
أو الثّقة الزّائدة في الآخرين !!!
وفي كثير من الحالات يكون الخطأ نتيجة تضارب بين ما يريده القلب وما يراه العقل !
و نتيجة قراءة ناقصة للواقع
أو نتيجة تجاهل الإشارات التحذيرية التي كانت واضحة… لكن الإنسان لم يشاء أن يراها !!!
الاختيار الخطأ ليس فعلاً عشوائياً بل هو قرار إنساني طبيعي في بيئة معقدة تتداخل فيها النوايا!!!
وتتشابه فيها الوجوه وتختلط فيها الحقيقة بالوهم !
ويكون الثمن غاليّاً جداً !!
الوجه الآخر للدرس
حين يكتشف الإنسان خطأه
يبدأ الجزء الأكثر حساسيّة في التجربة وهو
دفع الثمن.!!!
والثمن هنا ليس ماديّاً فقط.
إنه ثمن نفسي و اجتماعي و عاطفي وربما أخلاقي.
ثمن يُدفع على شكل خيبة!!
أو صدمة.
أو فقدان ثقة.. .
أو إعادة بناء للنفس من الصفر.!!!
والتحليل النفسي يشير إلى أن الإنسان لا يتغيّر إلا حين يُجبر على مواجهة نفسه!!.
والثمن هو تلك المواجهة!!!.
هو اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه لم يكن يرى الصورة كاملة
وأنه منح من لا يستحق أكثر مما يجب وأنه كان يضع قلبه في المكان الخطأ.!!
لكن هذا الثمن مهما كان قاسياً فهو ما يجعل الإنسان أكثر صلابة!!.
فالصلابة لا تأتي من النجاحات بل من الانكسارات التي لم تستطع أن تهزّ الجذور.!!!
ويبدا التحوّل الداخلي ما بعد السقوط
وكثيراً من التّحقيقات الاجتماعيّة والنّفسيّة تتفق على حقيقة واحدة :
الإنسان الذي يخرج من تجربة مؤلمة لا يعود كما كان!!!.
يتحوّل!
يتغيّر!
يعيد تعريف نفسه…
يعيد ترتيب أولوياته…
يعيد تقييم الأشخاص حوله!!!!.
يعيد النظر في معنى الثقة ومعنى الطيبة ومعنى القوة.!!!
هذا التحوّل لا يحدث فجأة!
بل يتشكّل ببطء كما تتشكّل المعادن تحت الضغط !!!.
وفي النهاية يصبح الإنسان نسخة أخرى من نفسه !!!
نسخة أكثر وعياً….
أكثر حذراً…
أكثر قدرة على قراءة الوجوه…
وأكثر استعداداً لقول “لا” حين يجب أن تُقال!!
و من يدفع الثمن… لا يعود قابلاً للكسر!!!
الإنسان الذي دفع ثمن اختياره الخاطئ يصبح مختلفاً عن الآخرين.
لا يخاف بسهولة
لا يثق بسرعة
لا ينهار أمام أول صدمة
ولا يسمح لأحد أن يكرّر معه ما حدث
هذا الإنسان لا يتصلّب من الخارج فقط بل يتصلّب من الداخل
في العمق
في المنطقة التي لا يراها أحد.
إنه الإنسان الذي يعرف أن التجربة التي كادت تكسره
هي نفسها التجربة التي جعلته يقف اليوم بثبات أكبر.
وأن الثمن الذي دفعه
هو نفسه الثمن الذي حماه من السقوط مرة أخرى .
وأن الوجع الذي مرّ به
هو نفسه الوجع الذي صقل رؤيته للعالم .
الخطأ ليس نهاية… بل بداية إنسان جديد
في عالمٍ تتداخل فيه النوايا
وتتشابه فيه الأقنعة
وتتسارع فيه الخيانات
يصبح الاختيار الخطأ جزءاً من التجربة الإنسانيّة
ويصبح الثمن المدفوع علامة نضج
ويصبح التحوّل الداخلي ضرورة لا مفر منها.
فالإنسان الذي اختار خطأ
ودفع ثمن اختياره
ثم نهض من جديد
هو الإنسان الذي يعرف اليوم كيف يسير دون خوف
وكيف يواجه دون تردد
وكيف يحمي نفسه دون أن يفقد إنسانيته.
إنه الإنسان الذي لا ينحني.
لا لأنه لم يسقط
بل لأنه سقط…
وتعلّم كيف ينهض .
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




