مقالات

حين يتحوّل المناضل العربي إلى مرآة تكشف ازدواجيّة العالم ..

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات

بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
في كلّ مرة يُعبّر فيها رجل حدود وطنه دفاعاً عن قضية أكبر من جغرافيته يصفق له العالم ويمنحه لقب المناضل الأممي لكن حين يفعل العربي الفعل ذاته تتبدّل اللغة وتنقلب المعايير ويتحوّل ما يُحتفى به عالميّاً إلى تهمة في السّياق العربي هذه المفارقة ليست تفصيلاً عابراً بل سؤالاً يفتح باباً واسعاً على طريقة صناعة الرموز وكيف تُكتب السرديات ومن يملك حق تحديد من هو المناضل ومن هو المتهم في منطقة ما زال في العالم الواسع تُصنع الأساطير بسهولة مذهلة يكفي أن يحمل رجل بندقيته ويغادر وطنه ليقاتل دفاعاً عن شعب لا يعرفه حتى يتحوّل إلى رمز أممي هكذا صعد تشي غيفارا الذي لم يكن كوبياً ولا كونغولياً ولا بوليفياً ومع ذلك خاض معارك في جبال ليست جباله وقضايا ليست قضيته المباشرة ولم يُسأل لماذا يتدخّل ولم تُفتح أمامه ملفات بل صُنعت له أسطورة كاملة تقدمه بوصفه أيقونة الحرية والنضال ورمزاً يُرفع على الجدران وتستلهمه أجيال من الشباب حول العالم

لكن في العالم العربي تنقلب الصورة رأساً على عقب فحين يظهر مناضل عربي يقاتل خارج وطنه دفاعاً عن عرب كما حدث في التجربة التي ارتبط بها اسم أحمد الشرع لا يُسمح للتجربة بأن تتحوّل إلى رمز ولا تُترك لتأخذ مكانها الطّبيعي في الذاكرة العربية بل تُحاصر بالسرديات وتُعاد صياغتها وتُفتح أمامها الأسئلة التي لم تُفتح في تجارب أخرى وكأن هناك من يريد أن يبقى العربي خارج دائرة صناعة الأسطورة مهما كانت تضحياته ومهما كان التزامه بقضايا أمته

لقد دافع أحمـد الشّرع عن إخوة له في أرض عربية ثم عاد إلى وطنه ليقف مع شعبه في ثورة قدّمت الكثير من الشهداء ودفعت ثمناً باهظاً من أجل مطالبها ومع ذلك لم تُعامل تجربته كما عوملت تجارب مناضلين عالميين قاتلوا خارج أوطانهم بل وُضعت تحت مجهر الشك والتأويل بينما تُمنح التجارب العالمية مساحة واسعة لتتحول إلى رموز مكتملة

وحين عاد الشّرع إلى بلده لم يُنظر إلى عودته بوصفها امتداداً لفعل نضالي بل بوصفها سؤالاً جديداً في السرديات السياسية بينما في الذاكرة الشعبية هناك تقدير واضح لمن يعود في اللحظات المصيرية ليقف مع شعبه في مواجهة مصيره لكن في الخطاب السياسي تُعاد كتابة القصة بطريقة مغايرة فيُسأل لماذا عاد ولماذا قاتل ولماذا وقف مع شعبه وكأن الوقوف مع الناس في لحظة تاريخية فعل يحتاج إلى تبرير لا إلى تقدير

هذا التناقض يكشف خللاً أعمق يتعلق بمن يملك سلطة صناعة الرموز فالعالم قادر على تحويل رجل إلى أيقونة خلال أيام بينما يجد العربي نفسه محاصراً بين السياسة والإعلام والاصطفافات التي تعيد تعريف أي تجربة عربية تتجاوز حدودها التقليدية فتتحوّل التجربة من فعل نضالي إلى مادة لإعادة التأويل بينما تُمنح التجارب العالمية مساحة أوسع لتتحول إلى أساطير مكتملة

ومع ذلك يظهر اليوم جيل عربي جديد يرفض هذه المعايير جيل يرى في التجارب العربية العابرة للحدود معنى أكبر من الجغرافيا جيل يبحث عن رموز خرجت من الواقع العربي نفسه لا من الأساطير المستوردة جيل لا ينتظر شهادة من مؤسسة دولية ولا ختم قبول من خطاب سياسي بل يبحث عن معنى جديد للمناضل العربي معنى يقوم على الفعل وعلى الالتزام وعلى الوقوف مع الناس في اللحظات التي تُختبر فيها المواقف لا في اللحظات التي تُكتب فيها البيانات

القضية ليست مقارنة بين أشخاص بل مقارنة بين معايير لماذا يُحتفى بمناضل عالمي قاتل خارج وطنه بينما يُعاد توصيف المناضل العربي الذي فعل الشيء نفسه ولماذا لا يُمنح العربي حقه في أن تُروى قصته كما تُروى قصص غيره هذه الأسئلة تبقى مفتوحة لأن الذاكرة العربية ما زالت ساحة معركة بين من يريد أن يرفع اسماً ومن يريد أن يطمس آخر وبين من يسعى إلى كتابة سردية عربية مستقلة وبين من يصر على إبقائها رهينة لقراءات خارجية
تاريخها يُصاغ تحت ضغط القوة لا تحت معيار العدالة
ورغم كل ذاك اليوم اصبح نضال أحمـد الشّـرع أيقونة لكل عربي شريف حر ورمزاً للنصال والحرية وبات الشارع العربي يشتم رائحة العدل والحرية من خلال سورية ورئيسها أحمـد الشّـرع رمزاً شعبيّاً له .

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى