الزّبالون العاطفيّون .. كيف يصنع منك بعض البشر مكبّاً لنفاياتهم النّفسيّة؟

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
حين نكون نحنُ من صنع جراحنا .. تأمّل في النّفوس المريضة وطريق الخلاص
فنحن من أخطأنا بحق أنفسنا لا هم.
ولا حظ عاثر..
ولا دنيا غدارة ..
ولا مؤامرة كونيّة حاكها علينا أحدهم في غرفة مظلمة!!
لم يضحك علينا أحد ..
ولم يخدعنا بعباءة ساحر…
ولا بطلاسم كذاب ماهر …
بل نحن من فتحنا الأبواب بأيدينا المترعة بالرغبة في الحب أو الهوس أو الهرب من الوحدة أو الوهم بأن من لا يشبهنا سيصبح مثلنا إن ألقينا عليه ما يكفي من الحنان والوفاء…
نحن من أعطينا بشراً لا يساوون وزجاً مكانة الألماس في قلوبنا..
ثم فوجئنا أن الزجاج ينكسر والقلب يدمى..
والحكاية تنتهي بدرس مؤلم لا نمحوه من ذاكرة العمر …
ونحن من رفعنا أقزاماً على أكتافنا ظناً أننا ننقلهم إلى السماء ..
فإذا بهم يبصقون على رؤوسنا من علٍ…
ويصفقون لسقوطنا كأنهم شاهدوا أعظم عروض السيرك التي أخرجها وأمثلها وأبدع فيها ضحيتها بنفسه…
هذه هي الفضيحة الكبرى التي نرفض مواجهتها !!
فضيحة أننا شركاء في صناعة ألمنا وأن يدنا كانت حاضرة في توقيع عقد الهزيمة قبل أن نشتكي من بنود العقد!!
فثمة بشر يمشون على الأرض بأرجلنا ويتنفسون هواءنا ويأكلون خبزنا…
لكن قلوبهم لا تشبه قلوبنا .
ونبضهم لا يتوافق مع نبض الروح التي خلقها الله..
فيمن سواهم ليسوا شياطين بالمعنى الميتافيزيقي ..
وليسوا وحوشاً بأسنان بارزة ومخالب حادة ل…
كنهم مرضى…
بمرض خطير اسمه غياب الوعي بالآخر..
يؤلمون لأنهم لا يشعرون بالألم يكذبون لأن الصدق عندهم ليس فضيلة
بل نقطة ضعف..
يتسلقون على ظهور من حولهم لأنهم لا يملكون قاموساً للعلاقات!! يقوم على العطاء المتبادل بل إنهم يستنزفون كالنار التي تحرق كل ما تلقاه..
ثم تبحث عن وقود جديد بعد أن يتحول الأول إلى رماد لا ينفع!!
من أبرز سمات هذه الفئة أنهم يعيشون في حالة دفاع دائم ومستمر لا يخطئون قط في نظر أنفسهم..
وإذا أخطأوا فالخطأ للظروف ..
وإذا ظلموا فالظلم لمن وقف بطريقهم ..
وإذا خانه الجميع فالجميع خونة وهم وحدهم الأبرياء…
وهم وحدهم الضحايا يمارسون فن الإسقاط النفسي بدقة جراحية بمنهى الروعه ..
يرون عيوبهم منكوسة على مرآة الآخرين..
فيظنون أن القذى في عين غيرهم والرمد في بصير غيرهم والغدر في قلوب غيرهم فهم يرمون الناس بكل صفة سيئة تكمن في داخلهم دون أن يجرؤوا على النظر إليها وجهاً لوجه!!
عندما يقف أحد في طريق هؤلاء لا بد أن يسحقه ليس لأنهم أشرار بالفطرة بل لأن وجود شخص يعترضهم يعني كسر المرآة التي يستريحون خلفها…
يعني أن هناك شهوداً على حقيقتهم التي يتقنون إخفاءها!! فيخرجون بأسلحتهم المفضلة الكذب الصريح والتلفيق المتقن والبهتان الممنهج والنميمة المؤسسية..
ويبدأون في بناء رواية موازية يصورون فيها أنفسهم كضحايا ومن يعترضهم كمتحرشين بسلامهم ومفسدين في أرض أمنهم
وتراى فظاعة تأثيراتهم على كل الأصعدة
على الصعيد النفسي يدمرون الإنسان من جذوره يزرعون فيه الشكوك حتى يشك في ذاكرته في لونه في اسمه في صوابه في عقله يغرسون في داخله سؤالاً لا ينام “هل أنا المجنون حقاً…؟
أم أنهم المجانين؟
ويظلون يغذون هذا السؤال كلما حاول أن يخرج من دائرة الاتهام الذاتي يعيدونه إليها ببراعة وجع وخبرة متراكمة…
يمارسون أساليب التلاعب العاطفي التي تسمى في علم النفس “الغازولايتينغ” فيجعلون الضحية يشك في إدراكه للواقع نفسه ثم يبتسمون له ويقولون له أنت حساس أكثر من اللازم…..
وعلى الصعيد الاجتماعي: ينسجون عناكباً من الكلام تتحول إلى شباك لا مهرب منها يتصلون بأصدقائك بقلق مصطنع ويخبرونهم أنهم يخافون عليك من نفسك..
يرسلون إلى أهلك رسائل معسولة تتساقط منها كلمات السم قطراً قطراً يبنون حولك جداراً من الشائعات والأحكام المسبقة والتسريبات المغرضة ..
وعندما تلتفت لا تجد أحداً بعينه فقد تلاشت الأصوات في غابة من الهمس المسموم!!
نذهب إلى الصعيد العملي
إن تمكنوا من سلطة أو منصب أو حتى من حضور مؤثر..
جعلوا من محيطك ساحة حرب غير معلنة يسرقون أفكارك ويعرضونها كأنها من إبداعهم يوزعون أخطاءهم على فريق العمل كله ويتحمل الجميع العقاب وهم وحدهم الآمنون في برجهم العاجي ..
ينشرون معلومات مغلوطة عن أدائك في غيابك ويصنعون من نجاحاتك تهديداً ومن إخفاقاتك هزائم لا تغتفر!!
لكن على صعيد العاطفي
يفتحون في القلب جروحاً لا تلتئم بسهولة يبكون على منصة المسرح أمام الملأ ليصدق الجميع أنهم المظلومون …
ثم يضحكون خلف الستار على دموعك الحقيقية التي ذرفتها وحدك في غرفة مظلمة ..
يمنحونك الأمان ثم يسحبونه من تحت قدميك كبساط رفيع..
يفتحون لك باب الأمل في الصباح ويغلقونه بقوة من حديد في المساء..
لكن كل ذلك له خلفية نفسية
ولا يمكن فهم هذه النفوس المريضة دون أن ننظر إلى جذورها بعين التحليل لا بعين الانتقام.. كثيرون منهم لم يختاروا أن يكونوا هكذا بل تربوا في بيئات جردتهم من القدرة على التعاطف. .
ربما نشأوا في كنف آباء باردين أو أمهات منشغلات …
أو مجتمعات لا تعترف إلا بالقوي ولا ترحم إلا المنتصر..
ربما تعلموا في صغرهم أن البكاء ضعف..
وأن الصدق غباء..
وأن الآخرين إما فريسة أو صيادون…
فاختاروا أن يكونوا صيادين قبل أن يصبحوا فريسة …
ربما أصيبوا باضطرابات في الشخصية كالاضطراب النرجسي
أو الحدّي أو المعادي للمجتمع وهي أمراض نفسية حقيقية لا يجوز أن نختزل تبعاتها في وصفهم بالزفوس أو الهوام أو الطفيليات!!
هذا لا يعني تبرئة أحد ولا يعني أن الألم الذي يسببونه أقل إيلاماً ..
لكنه يعني أننا لن ننتصر عليهم بالغضب وحده .
بل بالفهم أولاً
ثم بالمسافة ثانياً
ثم بالعلاج إن أرادوا أو بالرحيل إن لم يريدوا!!
وطريق الخلاص منهظ بيكون من الداخل لا من هروب سطحي
الخلاص من أثر هؤلاء لا يتم بمجرد قطع الحبل والمضي قدماً كما يختصر البعض هذه القصة المعقدة ..
لأن الذي قطع حبلاً ظن أن قطعه نهاية الألم..
قد يكتشف بعد أسابيع أن الحبل لم يكن خارجياً ..
بل كان ممتداً من داخل روحه ليخرج منها كأنه حبل سري لا ينقطع بمجرد قرار الخلاص يحتاج إلى خطوات منهجية لا إلى شعارات حماسية…
الخطوة الأولى :
الاعتراف العميق بأننا شركاء في صناعة ألمنا ليس لإلقاء اللوم على أنفسنا بل لاستعادة القوة التي منحناها لمن لا يستحقها لقد اخترناهم ونحن نملك أن لا نختارهم مجدداً..
هذه المسؤولية الذاتية ليست اتهاماً للضحية بل هي مفتاح الحرية..
لأننا لا نستطيع تغيير الآخرين لكننا نستطيع تغيير أنفسنا وخياراتنا….
الخطوة الثانية:
أن نتعلم كيف نقرأ البشر قبل أن نمنحهم مفاتيح قلوبنا
ليس شكاً مرضياً بل بصيرة نافذة انظر إلى علاقاتهم السابقة كيف تحدثوا عن من سبقوك ستجد أنهم سيتحدثون عنك بنفس الطريقة. انظر كيف يتعاملون مع الضعفاء ومع من هم اقل منهظ
ومع من لا ينفعونهم
انظر هل لديهم تاريخ في قطع العلاقات دون مقدمات
أو في تدمير سمعة من غادروهم فالسلوك البشري يتكرر كنمط لا يتغير بين ليلة وضحاها….
الخطوة الثالثة:
أن نبني حدوداً نفسية حازمة قبل أن نبني أي جسر عاطفي من لم يضع حدوداً فهو يدعو الآخرين لانتهاكه والتسلق عليه والجلوس على كرسي روحه كأنهم ملوك والحدود ليست جدراناً من جليد بل هي سياج من كرامة يحمي الحديقة..
ولا يغلقها عن العالم تعلم أن تقول لا
دون أن تشعر بالذنب وتعلم أن تبتعد دون أن تفسر لمدة ساعة لماذا تفعل ذلك?..
وتعلم أن تترك من لا يريد أن يبقى وتعلم ألا تلاحق من لم يطلب ملاحقتك..
الخطوة الرابعة :
أن نتعامل مع التأثير النفسي بجدية لا باستخفاف من تعرض لعلاقة سامة مع شخصية مريضة لا يحتاج فقط إلى وقت ليشفى..
بل يحتاج أحياناً إلى مختص نفسي ليساعد عقله على الخروج من شرنقة التبرير والتشويه والذنب الذي زرع فيه العلاج النفسي ليس وصمة عار بل هو شجاعة الاعتراف بأن بعض الجروح تحتاج إلى طبيب وليس إلى شاعر..
الخطوة الخامسة:
أن نميز بين التسامح والاستسلام التسامح هو أن تترك حقدك على من آذاك ليس لأنهم يستحقون العفو بل لأنك أنت تستحق السلام!!!
والتسامح لا يعني العودة إليهم ولا يعني نسيان ما فعلوا ولا يعني الثقة بهم مرة أخرى
التسامح :
هو أن تقول لن أسمح لماضيك القبيح أن يسرق مستقبلي الجميل أما الاستسلام فهو أن تبقى في دائرة الألم بحجة أنك لن تتسامح أو أن تكرر الخطأ نفسه مع أشخاص جدد يحملون نفس الوجه القديم..
الخطوة السادسة:
أن تعيد بناء ثقتك بنفسك وبالناس ببطء شديد لا تتعجلها الثقة المكسورة..
تحتاج إلى زمن لتلتئم مثل العظم المجروح ابدأ بعلاقات صغيرة محدودة منخفضة المخاطر راقب كيف يتصرف الآخرون
في المواقف البسيطة قبل أن تمنحهم مواقف كبيرة تعلم أن تعيش فترات من العزلة الصحية لا كهرب من الناس ..
بل كتمرين على أنك تستطيع أن تكون بخير وحدك فمن استطاع أن يكون بخير وحده استطاع أن يختار من يضيفه إلى حياته لا من يحتاجه لكي يعيش.
وهنانجد انفسنا امام حقيقة المؤلمة والجميلة معاً
الحقيقة المؤلمة:
أن كثيراً من النفوس المريضة لن تتغير ولن تطلب العلاج ولن تعترف بمرضها وستظل تتنقل من ضحية إلى ضحية وهم يظنون أنهم ينتصرون كل مرة وهم في الحقيقة يخسرون الإنسان في أنفسهم قطعة قطعة حتى لا يبقى منهم إلا جلد ومخالب وشهوة أذية لا تشبع ..
لكن الحقيقة الجميلة:
أنك لست مضطراً لأن تكون ضحيتهم التالية لست فريسة لصياد ولست حطباً لنار ولست مستشفى مجانياً لمن لا يطلب الشفاء..
الحقيقة الجميلة:
أن الأرض واسعة والسماء مفتوحة والقلوب الطاهرة لا تنقرض والعلاقات النقية ليست أسطورة قديمة الطريق طويل والخطى تتعب وقد تتعثر لكن من واصل استحق النور ومن توقف في منتصف الطريق بحجة أنه يبكي على ماضيه ظل مكانه بينما غيره وصل..
الحقيقة الأجمل:
أن الله لم يخلقنا لنعاني من بعضنا بل ابتلانا ببعضنا لنترقى من سذاجة الثقة إلى نضج الثقة
من الإعطاء الأعمى إلى الإعطاء الواعي من الحب الذي يستعبد إلى الحب الذي يحررالعقل والروح
كلمة أخيرة لمن قرأ وتألم
إن كنت ممن قرأ هذا النص فوجد فيه جرحك فاعلم أنك لست وحدك وإن كنت ممن ظن أن نار الماضي لن تخمد فاعلم أن الرماد يلد الجمر أحياناً لكن الجمر لا يبقى مشتعلاً إلى الأبد إذا توقفنا عن نفخه بذكرياتنا وإن كنت ممن يخاف أن يختار ثانيةً من خشية أن يخطئ ثانيةً فاعلم أن من لا يختار خوفاً من الخطأ قد اختار بالفعل أخطأ أكبر وهو ألا يعيش
امض في طريقك ببطء إن شئت أو بسرعة إن استطعت لكن امض ولا تلتفت إلى الوراء وكأنك تعود إلى مسرح جريمة لم تعد أنت ضحيته بل أنت الآن الذي يكتب النهاية التي يستحقها ولا تنس أن أحسن ما نخرج به من هذه التجارب الموجعة ليس الكراهية ولا الانتقام ولا التعميم المقيت على كل البشر بل هو أن نصير أكثر حكمة دون أن نفقد طيبتنا وأكثر بصيرة دون أن نفقد ثقتنا وأكثر قوة دون أن نصير كمن آذونا يوماً
ومن قال إن النار تحرق فقط فليعلم أن هناك ناراً تحول الرماد إلى حدائق إذا عرفنا كيف نستعملها وناراً تحرق الأخضر واليابس إذا تركناها بلا ضوابط فاختر لنفسك أي النارين تكون وأنت تملك المفاتيح الآن لا هم ولا هم ولا من ظننت أنك لا تستطيع العيش بدونهم .
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




