مقالات

حين تكون الوصايا كنزاً وسوء الاختيار قبراً

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

ليس من البلاغة في شيء أن نعيش عمرنا نصطدم بالناس ثمّ نخرج من كلّ اصطدام بخيبة جديدة فالحكمة الحقيقيّة أن نتعلّم كيف نقرأ الآخرين قبل أن نخوض غمارهم ..
وأن نميز بين من يصلح للصحبة ومن يصلح للعبرة..
ومن يصلح للمشاورة ..
ومن يصلح للمودة ..
وهنا تبرز وصايا العرب القديمة .. تلك الكنوز البلاغيّة المختزلة التي تحمل من الفقه النّفسي والاجتماعي ما يعجز عن استيعابه مجلدات ..
إنّها ليست مجرّد نصائح عابرة..
بل ميثاق علائقي متكامل يقوم على بصيرة نافذة في طبائع البشر ..

فحديث السن وإن بدا في ريعان الشباب ..
فإنه يفتقر إلى ما تمنحه الأيام من رصيد تجريبي ..
والسن ليست عدداً يُحصى ..
بل مدرسةٌ لا يُمنح شهادتها إلا من نال من دروس الدهر نصيباً وافياً ..
صحبة الشاب تغذيك حركةً وحيوية ..
لكنها لا تغنيك حكمةً ولا تبصرك بمكائد الأيام ..
كما أن حديث الغنى وإن تلألأت في عينيه الدنيا ..
فأكثر ما يُخشى منه البطر والغرور ..
فالمال حين يكون حديث العهد بصاحبه يقلب الموازين ويوهِمُ صاحبه أن ما ناله كان بجدارة دون أن يكون قد اختبر حقيقة قدراته ..
وكذلك حديث القيادة وإن استوى على منصة الأمر ..
فقلة الخبرة في تسيير الأمور تجعله عرضة للنزوات والاستبداد ..
والقيادة ليست منصباً يُتسلق ..
بل فنٌ يُتَعلم وخلقٌ يُتَجلى ..

وفي مقابل ذلك تأتي دعوة تقدير العريق ..
فلا تعاند قديمة المهنة ..
فالحرفة إذا تعمقت في صاحبها ..
صارت جزءاً من روحه ولا يعاندها إلا جاهل بمقدار ما فيها من تراكم خبرات لا تعوضها النظريات ..
ولا تعاند قديمة المعرفة ..
فالعلم حين يرسخ في النفوس ويخالطها ..
يصبح كالنخلة الباسقة التي لا تهزها العواصف ..
ومعاندتها تضييع للوقت وتبديد للجهد ..
ولا تعاند قديمة الجيرة ..
فحق الجوار كما علمنا الإسلام عظيم والجار القديم شاهد على أيامك ..
وحافظ لأسرارك ..
ودليل على أخلاقك ..
فمجافاته نقص في المروءة قبل أن يكون خطأً في العلاقات.

أما ضيق الخلق فهو وباء يعدي ومن يسكن إلى صاحبه يفقده سعة الصدر وحسن الاحتمال والخلق ليس ترفاً أخلاقياً بل هو العصب الذي تقوم عليه الحياة الجماعية ..
وضيق النظرة يجعل صاحبه لا يرى في الأشياء إلا بعداً واحداً فيسحب من حوله إلى مساحته الضيقة ويجعل الحياة كهفاً مظلماً وضيق التفكير أعظم آفاته أنه يمنع صاحبه عن استيعاب التناقضات والتعايش معها وأهل الحياة الواسعة هم الذين يحملون المتناقضات بوعي ..
لا ينكرونها ولا ينحازون إلى طرفها دون الآخر.

وفي ميزان المواجهة لا تجادل صغير العقل لأنه يجرك إلى حوار لا أفق له ..
كمن يضرب بقبضته الماء فيزيده تشتتاً وصغير العقل لا يبحث عن حقيقة ..
بل يبحث عن غلبةٍ في جدال عقيم ..
ولا تجادل صغير السن .. فالسن رصيد لا يملكه ..
والخبرة كنز لا يزال يبحث عنه .. فمن الحكمة أن تتجاوزه إلى من أنضجتهم الحياة ..
ولا تجادل صغير التجربة ..
فجداله كمثل من يجادل غريقاً في كيفية السباحة ..
فلا يزيده إلا غرقاً ..
وقد كان الأولى بالحكيم أن يعلم لا أن يجادل.

ولا تتحدى قوي الإيمان فإن تحديه تحدٍ للأساس الذي يقوم عليه كيانه ..
والمؤمن القوي لا يُغلب بحجة ..
لأنه لا يقاتل بعقله وحده ..
بل بروحه كلها ..
ولا تتحدّى قوي العضلات فإن تحديه تحدٍ للحكمة قبل أن يكون تحدياً للجسد ..
فإن القوة العضلية وإن بدت ظاهرة ..
فهي تعكس قوة إرادة وصبراً على المشاق فمن يحديها يحدي منبعاً من الجلد والتضحية ..
ولا تتحدّى قوي الذاكرة فإن تحديه تحدٍ لرصيد من المعرفة لا يمكن استنزافه ..
فالذاكرة القوية خزانة لا تنضب .. والحكيم من يستثمرها لا من يتحداها.

أما آداب المشاورة ..
فلا تشاور ضعيف الشخصية فإن رأيه يتغير كلما تغيرت الرياح ..
ولا تستقر له كلمة، والمشاورة تحتاج إلى ثبات الرأي ..
لا إلى تردد المريض ..
ولا تشاور ضعيف النفس فإنه يحملك وهنه ..
ويشيع في روحك الخوف والتردد ..
والمشاورة تحتاج إلى من يمدك بثقة ..
لا من يسرق منك بقية عزيمتك ولا تشاور ضعيف الحجة فإنه لا يقنعك بقوله ..
ولا يثبت لك طريقاً ..
وستخرج من مشاورته بأكثر مما دخلت به حيرة.

وهكذا تتراءى لنا هذه الوصايا كخريطة روحية ترسم لنا طريقاً في غابة العلاقات البشريّة لكنها ليست دعوة للعزلة أو التعالي بل هي بلاغة في الانتقاء وحكمة في المسافة .. ووعي بطبائع النفوس
فالشخصية القوية التي تعيش بسلام مع هذه التناقضات هي التي تعرف متى تقترب ..
ومتى تبتعد ..
ومتى تصغي ..
ومتى تعرض ..
ومتى تشاور ..
ومتى تحسم
إنها الشخصية التي أدركت أن الحياة لا تتعبنا بالناس بل بتلك اللحظة التي نخطئ فيها في اختيار من نصطحب ومن نئن ومن نثق فحسن الاختيار ليس فضيلة أخلاقية فحسب بل هو فن وجودي ومهارة حياة وربما كان أجمل ما في الحكمة العربية أنها وضعت لنا هذا الميزان الدقيق لتكون علاقاتنا قائمة على البصيرة لا الانفعال ..
وعلى الوعي لا التمني ..
وما الحياة إلا رحلة اختيارات ..
وما الإنسان إلا حصيلة من صحب .

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى