مقالات

حياة بلا عودة وموت بلا عرفان

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

حين يصبح الحبّ جريمة أنطولوجيّة
إنّها انطولوجيّا التّعليق
أو لماذا تستحق الأموات العرفان ؟؟

ليس الموت أخطر ما يُهدّد الإنسان بل تلك المنطقة الرّماديّة حيث يتوقّف الآخر عن كونه حيّاً بالمعنى الكافي للحضور أو ميتاً بالمعنى الكافي للرثاء…
وهنا بالتحديد يولد الألم الأنطولوجي الأعمق ..
حين يصبح الحبّ جريمة لا يرتكبها أحد بل يعيشها الجّميع بصمت.!!

فلا أنتِ على قيد الحياة أرجو عودتك ولا أنتِ على قيد الموتى تسحقين العرفان!!!!!.

هذه الجملة الواحدة تحمل مأساة كونية في طياتها.
لأنها تعترف أولاً بأن الحياة بدون الآخر ليست حياة بل مجرد استجداء أبدي..
فالحياة الحقيقية عند العاشق ليست نبضاً ولا فسيولوجيا ..
بل هي استعداد دائم للعودة وغياب هذا الاستعداد وحده هو ما يبقي الإنسان حياً بلعنة الحضور الناقص…
ثم تأتي الصدمة الأكبر حين تتحول المخاطبة إلى ميتة لكنها ميتة على قيد الحياة تعود كقوة شيطانية صغيرة لا لتنسى الجميل بل لتحطمه عمداً ببرود الموتى وسخرية الأحياء معاً.!!

العرفان في عمقه الفلسفي هو أقصى درجات الدين الأخلاقي والاعتراف الصامت بأن وجه الآخر يفرض علي مسؤولية قبل أن أختار نفسي..
وعندما يغيب هذا الآخر اختيارياً يصبح العرفان مستحيلاً لكن الأسوأ أن يغيب وهو حي..
أو يحضر وهو ميت.
لأن الميت في كل ثقافات العالم كان دائماً حارساً للعرفان ..
فالرحيل نفسه كان جميلاً يستوجب الشكر والذاكرة كانت ملاذاً آمناً للجميل..
لكن هنا الميت يخون الذاكرة ويسحق الجميل وكأنه يقول جميلك لم يكن له وزن وامتنانك لم يكن له معنى.!!

وهكذا يتحول الإنسان إلى كائن معلق..
لا هو مع الأحياء لأن حياة الأحياء تحتاج إلى عودة ..
ولا هو مع الأموات لأن موت الأموات يستوجب راحة.
لكن راحته الوحيدة محرمة وعذابه الأبدي مضمون فالفاء في أول الجملة استئناف حزين عن حوار داخلي لا ينتهي واللام نافية قاطعة ترفض الخيارين معاً….
لكنه لا يملك خياراً ثالثاً وهذه هي العبقرية المأساوية للوجود الإنساني أنه خلق ليرتبط بالآخر عبر العرفان.
فلما غاب الآخر أو سحق العرفان انكسرت صلة الوجود نفسها. وأصبح اليأس ليس عاطفة عابرة بل بنية وجودية يائساً يعرف نفسه أنه يأس.!!

الإنسان الحقيقي هو كائن يسأل لماذا أعطيت جميلاً لمن لا يعرف العرفان ؟؟
ولماذا تمنيت عودة من لا يستحق الحضور؟؟
لكن السؤال الأعمق يبقى هل يستطيع الإنسان أن يغفر؟
لأن الغفران هو أقوى أنواع العرفان وأعلى درجات التحرر من منطق الجزاء.
فمن يملك مفتاح الغفران يملك مفتاح الخلاص من هذه العلاقة المعلقة ومن لا يملك يبقى للأبد واقفاً عند كلمة فلا يرفض الحياة بلا عودة ويرفض الموت بلا عرفان ولا يجد سوى رثاء نفسه بنفسه.!!!

فليتنا نتعلم قبل أن نموت أن العرفان ليس ديناً نؤديه للآخر بل هو الطريق الوحيد لأن نبقى بشراً في زمن تسحق فيه الأموات الجميل .
وتنسى فيه الأحياء العودة وليكن هذا هو الدرس الأخير لمن يريد أن يعيش حقاً ..
أو يموت بشرف دون أن ينتظر من ميتة أن تعترف بجميل أو من حية أن تعود إلى بيتها.!!!

حياة بلا عودة هي موت يومي وموت بلا عرفان هو حياة أبدية في الجحيم أما الإنسان العبقري الحقيقي فهو من يستطيع أن يقول رغم كل شيء أنا هنا!!!
أنا حاضر !!
أنا ممتن لنفسي لأنها عرفت كيف تحب حتى لو لم يُعرف لها هذا الحب.!!

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى