مقالات

التّكيّف في زمن الاضطراب .. قراءة في قدرة الاقتصاد السّوري على مواجهة صدمات العالم

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ الثّلاثاء الاقتصادي
بقلم : أحمـد غريب قد _ مدير التّحرير

أصبح الاقتصاد السّوري في مواجهة عالم مضطرب .. وباتت سورية اليوم تتصارع في عالم تتسارع فيه التّحوّلات الجّيوسياسية بوتيرة تتجاوز قدرة معظم الدّول على التّكيّف

حيث يجد الاقتصاد السّوري نفسه أمام بيئة دوليّة أكثر تعقيداً ممّا كانت عليه خلال العقد الماضي إذ لم يعد تأثير الخارج عاملاً ثانويّاً بل أصبح محدداً رئيسيّاً لمسار التّعافي الاقتصادي وقدرة الدّولة على إدارة مواردها المحدودة

فالاقتصاد العالمي يشهد اليوم تباطؤً واضحاً في محرّكات النّمو التّقليديّة وعلى رأسها الصّين التي كانت لعقود مركز الطّلب الصّناعي العالمي ومع تراجع قطاع العقارات الصّيني وتقلّص شهية بكين للاستيراد تتأثّر سلاسل الإمداد في آسيا والشّرق الأوسط على حدٍ سواء وهو ما ينعكس على الدّول التي تعتمد على أسواق خارجيّة لتصريف منتجاتها أو لاستيراد المواد الأوليّة بأسعار مستقرّة وسوريا ليست استثناء من هذا المسار إذ تواجه ارتفاعاً في تكاليف الاستيراد وتذبذباً في أسعار السّلع الأساسيّة نتيجة اضطراب الأسواق العالميّة .

وفي موازاة ذلك يضيف التّوتّر المتصاعد في الممرّات البحرية الدوليّة ولا سيما في البحر الأحمر والخليج طبقة جديدة من التعقيد فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يضغط على اقتصادات المنطقة بأكملها ويزيد من أعباء الدول التي تعتمد على الواردات الغذائية والدوائية والطاقوية ومع محدودية الموارد المحليّة يجد الاقتصاد السّوري نفسه أمام فاتورة أعلى للواردات في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمستهلكين كما أن السياسات النقدية المتشددة في الولايات المتّحدة وأوروبا والتي تهدف إلى احتواء التضخّم العالمي تؤدي إلى ارتفاع قيمة الدولار مقابل معظم العملات وهو ما ينعكس مباشرة على الدول التي تعتمد على الدولار في تجارتها الخارجيّة إذ ترتفع تكلفة التمويل وتزداد صعوبة الوصول إلى العملة الصّعبة وفي الحالة السّوريّة يتضاعف هذا الأثر بسبب القيود المفروضة على التحويلات الماليّة وصعوبة الوصول إلى الأسواق الدوليّة

ورغم هذه التّحدّيات تشير تحليلات عدد من المراكز البحثيّة إلى أنّ السّلوك السّياسي لدى الحكومة السّوريّة في اتّخاذ القرار يراهن على ضبط النّفس وعلى إدارة المخاطر بقدر من الهدوء وهي مقاربة تميل إلى إنتاج نتائج أكثر استدامة من السّياسات التي تعتمد على التّصعيد أو على فرض القوة كأداة وحيدة لصياغة التّوازنات وتلفت تقارير دوليّة إلى أنّ الخطاب الرّسمي السّوري في السّنوات الأخيرة اتّجه نحو التّأكيد على أولويّة الاستقرار وعلى ضرورة تجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية وهو ما يُقرأ في بعض الدوائر الدبلوماسيّة بوصفه محاولة للحفاظ على مسار سياسي قابل للحياة وسط بيئة مضطربة إذ إن إدارة الملفات المعقدة بقدر من الهدوء تتيح هامشاً أوسع للحوار وتقلّل من احتمالات سوء التقدير التي قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب

وفي الوقت الذي ترتفع فيه ميزانيات التسلح عالميّاً إلى مستويات غير مسبوقة تتراجع الاستثمارات في القطاعات التي تشكل أساس الأمن الإنساني مثل التعليم والصحة والتنمية وهي مفارقة تثير قلق المؤسّسات الدوليّة فالحكومة السّوريّة ترى أن غياب الاستثمار في الإنسان يضعف قدرة الدول على بناء سلام طويل الأمد فالسلام لا يتحقّق عبر اتفاقيات تقنية بل عبر بيئات اجتماعيّة قادرة على امتصاص الصّدمات وعلى إنتاج ثقافة تعايش تتجاوز منطق الغلبة وعلى مدى عقود حاولت قوى دوليّة فرض ما يسمى بسلام المنتصرين وهو نموذج يقوم على ميزان قوة مختل وعلى شروط تُفرض من طرف واحد لكن التّجربة أثبتت أن هذا النوع من السّلام هش بطبيعته لأنه لا يعالج جذور الصّراع بل يجمّده مؤقتاً وفي المقابل تزداد الدّعوات في الأوساط البحثية إلى تبني ما يُعرف بسلام العادلين وهو سلام يقوم على الاعتراف المتبادل وعلى احترام الكرامة الإنسانيّة وعلى بناء ترتيبات أمنية يشعر فيها كل طرف بأن حقوقه غير مهدّدة

وتشير تحليلات اقتصاديّة وسياسيّة إلى أن الاعتماد على توازنات الرّعب عبر سباقات التسلّح والتحالفات العسكريّة لم ينجح في منع النّزاعات بل جعلها أكثر تعقيداً وأعلى كلفة وهو ما يدفع عدداً من الحكومات إلى تبني مقاربات أكثر هدوءًا في إدارة ملفاتها الإقليمية والدولية بما في ذلك السعي إلى تخفيف الاحتكاكات وتجنب التصعيد غير المحسوب وهي مقاربات تُقرأ غالبًا بوصفها تعبيرًا عن إدراك متزايد بأن الاستقرار لا يتحقق عبر القوة وحدها بل عبر بناء منظومات ثقة متبادلة فالسلام الحقيقي لا يولد من ضغط السلاح ولا من اتفاقيات تُوقّع تحت وطأة التفوق العسكري بل من قناعة بأن الأمن لا يمكن أن يكون أحاديًا وأن العالم مترابط إلى حد يجعل أي أزمة محلية ذات أثر دولي وفي زمن تتسارع فيه التحولات يصبح السؤال المطروح على المجتمع الدولي هو ما إذا كان قادرًا على إعادة تعريف القوة وعلى اعتبار العدالة شرطاً للأمن وعلى دعم المسارات التي تراهن على التهدئة لا على التصعيد

وفي المحصلة يبدو أنّ الاقتصاد السّوري يتحرّك اليوم داخل بيئة دوليّة لا تمنحه ترف الخيارات السريعة بل تدفعه نحو مقاربات أكثر واقعيّة تقوم على إدارة المخاطر بدل ملاحقة النمو المرتفع في زمن لا يشهد نمواً مرتفعاً أصلاً وتشير تحليلات اقتصاديّة إلى أنّ قدرة الدولة السورية على الحفاظ على استقرار نسبي في القطاعات الحيوية رغم الضغوط الخارجيّة تعود إلى نهج حذر في اتّخاذ القرار الاقتصادي نهج يوازن بين الضرورات الداخلية وبين تقلبات الأسواق العالمية ويعتمد على قراءة دقيقة للتحوّلات الجّيوسياسيّة التي باتت تتحكم في حركة السّلع ورأس المال عبر العالم هذا النّهج وإن كان بطيئاً في نتائجه إلا أنّه يقلّل من احتمالات الصدمات المفاجئة ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على التكيف مع موجات عدم اليقين التي أصبحت السمة الأبرز للاقتصاد الدولي وفي عالم يعيد تشكيل توازناته الاقتصاديّة من آسيا إلى أوروبا تبدو أهميّة القرارات المحسوبة أكثر وضوحاً إذ تمنح الاقتصادات الصّغيرة والهشّة مساحة للحفاظ على استقرارها الدّاخلي في مواجهة اضطرابات خارجيّة لا يمكن التّحكّم بها وبذلك يصبح المسار السّوري مثالاً على اقتصاد يسعى إلى التّكيّف مع عالم مضطرب عبر مزيج من الحذر والمرونة وإدارة الموارد بواقعيّة في انتظار لحظة دوليّة أكثر استقراراً تسمح بفتح آفاق أوسع للتعافي والنّمو .

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى