لبنان الذي يتكلّم .. عندما كانت الكلمات وطناً للشعراء ومحراباً للعباقرة.

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
ليس كل وطن يُولد بالحدود والتراب فهناك أوطان تُولد بالكلمة وتترعرع بالقافية وتخلد بالمعنى.!
ولبنان ذلك الربع الفريد الذي سكنته النور قديماً وسكنته القصائد حديثاً هو أشبه بمعجزة لغوية نزلت على قلب الجغرافيا لتجعل من بيروت عاصمةً للحرف ومن جباله منصةً للشعر ومن أوديته مسارح للبلاغة التي لا تضاهى.!!
إن الحديث عن كتاب لبنان وشعرائه هو حديث عن ظاهرةٍ فريدةٍ في تاريخ العرب حيث تمكن هذا البلد الصغير المساحة العظيم الروح من أن يهزّ مشرق العربية ومغربها بأقلامه وأن يكتب فصولاً من نهضتها الأدبية لم تكتبها جيوش!
بل كتبتها عيونٌ رأت الجمال في التفاصيل وقلوبٌ نبضت بالحرية قبل أن تنطق بها الألسن.!
في مطلع القرن العشرين حيث كان الأدب العربي يئن تحت ثقل الجمود والتقليد خرجت من رحم لبنان كوكبةٌ من العباقرة حملوا مشاعل التجديد إلى أراضي المهجر البعيدة.!
هناك، في ضفاف نيويورك الباردة وفي حدائق البرازيل الخضراء ولدت ريادةٌ أدبيةٌ غيرت مسار الشعر والنثر العربي إلى الأبد….
في مقدمتهم ذلك الساحر الخالد جبران خليل جبران الذي لم يكن مجرد شاعرٍ أو كاتبٍ.
بل كان فيلسوفاً متكاملاً.
استطاع أن يكتب
بـالنبي
كتاباً مقدساً جديداً للروح الإنسانية مترجماً إلى كل لغات الأرض تقريباً… جبران الذي حمل هموم لبنان وأحلامه في صدره وجعل من بلدته
(بشري)
قبلةً لأدباء العالم حيث التقى الشرق بالغرب في نصوصٍ خالدة لا تموت مع الزمن بل تتجدد مع كل قارئٍ جديد…!
ولم يكن جبران وحيداً في هذا المضمار بل كانت معه طليعة العباقرة:
ميخائيل نعيمة ذلك الفيلسوف الصوفي الذي مزج بين روحانية الشرق وفلسفة الغر.
وأمين الريحاني الذي جعل من بلاد العرب مادةً لرحلاته وأدبه.
وإيليا أبو ماضي الذي وهب الشعر العربي أنفاساً جديدة بنفسه الفلسفي العميق.
هؤلاء الرجال لم يغادروا لبنان بأجسادهم فقط، بل حملوه في قلوبه وأعادوا كتابته كفكرةٍ سامقةٍ أبدية تعلو على كل الأوجاع والانكسارات.!!
وبينما كان أدباء المهجر يغزوون العالم بقصائدهم.
كان في لبنان نفسه جيلٌ آخر من الشعراء.
حملوا على عاتقهم حماية اللغة العربية في قلب معقلها.
كان بشارة الخوري الملقب
بـ (الأخطل الصغير)
فارساً من فرسان الشعر العربي الحديث جعل من قصائده سجلاً تاريخياً بلاغياً لم يزل يدرس في المعاهد العليا وهو الذي بكى لبنان فأبكى الحجارة وهجى الطغيان فأرعد في وجه الظلم.!
وعلى الجانب الآخر وقف سعيد عقل شامخاً بفلسفته اللغوية الفذة.
ذلك الرجل الذي تعامل مع اللغة العربية كجوهرةٍ ثمينةٍ تتطلب صيانةً مستمرة فنظم الشعر بالفصحى والعامية معاً وأسس مدرسةً شعريةً وفكريةً تركت أثراً عميقاً في الهوية اللبنانية المعاصرة.
هو الذي أصرَّ على أن لبنان ليس مجرد دولةٍ بل هو حضارةٌ قائمةٌ بذاتها وأن الشعر هو أقصر الطرق إلى فهم هذه الحضارة.!
ولا يمكن الحديث عن أدب لبنان دون الإشارة إلى دور بيروت كأكبر عاصمة للنشر والطباعة في العالم العربي.
ففي أزقتها وشوارعها ولدت آلاف العناوين.
وفي مطابعها انتشرت آلاف الأفكار. بيروت هي تلك المدينة التي جعلت من الكتاب سلعةً متاحة ومن القراءة عادةً يومية.
ومن الكاتب قدوةً ومعلماً.
لقد كان اللبنانيون أول من أدخل المطبعة الحديثة إلى الشرق وأول من جعل الكتاب في متناول الفقير قبل الغني كأنهم أرادوا أن يقولوا للعالم:
قوتنا ليست في صواريخنا بل في عقولنا التي نغذيها بالحرف كل يوم.!!
وإن ما يميز كتاب وشعراء لبنان أنهم لم يكتبوا للبنان فحسب .
بل كتبوا للإنسانية جمعاء.
جبران ترجم إلى أكثر من أربعين لغة وميخائيل نعيمة قرأه الهنود والأوروبيون.
وسعيد عقل تأثر به كتاب العالم.
وهذا ليس غريباً على أرضٍ كانت يوماً ما جزءاً من الإمبراطورية الرومانية ومهداً للمسيحية الأولى وجسراً للثقافات في كل العصور. !
الكتاب اللبناني يحمل في داخله شغفاً عالمياً لأنه لم ينشأ في جزيرة معزولة.
بل على مفترق طرق الحضارات حيث اختلطت الدماء وتلاقحت الأفكار ليخرج هذا المزيج الفريد إبداعاً لا يُقهر.
انني لا اعرف كيف انهي مقالي هذا وانا اقف امام عظمة لبنان ..
هذا التأمل في عظمة كتاب لبنان وشعرائه نقف مذهولين أمام هذه المعجزة:
كيف لوطنٍ لا تتجاوز مساحته عشرة آلاف كيلومتر مربع أن يمنح العالم عشرات العباقرة في كل مجال أدبي؟؟ وكيف لقومٍ عاشوا تحت نير الاستعمار وويلات الحروب أن يكتبوا أجمل ما كُتب عن السلام والحب والجمال؟؟؟
الجواب بسيط وعميق في آنٍ واحد:
لأن لبنان نفسه ليس تراباً .
بل هو قصيدةٌ كتبتها السماء وأمطرتها الأرض.
وهؤلاء الشعراء والكتاب هم امتدادٌ طبيعيٌ لروح هذا الوطن.
هم أصواته التي لا تموت وبصماته التي تبقى راسخةً في جبين الزمن.!
فطالما بقي في لبنان قلمٌ يكتب وقافيةٌ تنبض.
وبيروت تنشر فإن هذا الوطن سيظل باقياً شامخاً كأرزه الذي لا يلين.!!!
لبنان:
وطنٌ صغير في الخريطة لكنه كبيرٌ كبيرٌ جداً في قاموس الأدب وقاموس الخلود….
لبنان الذي يتكلّم: عندما كانت الكلمات وطناً للشعراء ومحراباً للعباقرة.
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
ليس كل وطن يُولد بالحدود والتراب فهناك أوطان تُولد بالكلمة وتترعرع بالقافية وتخلد بالمعنى.!
ولبنان ذلك الربع الفريد الذي سكنته النور قديماً وسكنته القصائد حديثاً هو أشبه بمعجزةٍ لغويةٍ نزلت على قلب الجغرافيا لتجعل من بيروت عاصمةً للحرف ومن جباله منصةً للشعر ومن أوديته مسارح للبلاغة التي لا تضاهى.!!
إن الحديث عن كتاب لبنان وشعرائه هو حديث عن ظاهرةٍ فريدةٍ في تاريخ العرب حيث تمكن هذا البلد الصغير المساحة العظيم الروح من أن يهزّ مشرق العربية ومغربها بأقلامه وأن يكتب فصولاً من نهضتها الأدبية لم تكتبها جيوش!
بل كتبتها عيونٌ رأت الجمال في التفاصيل وقلوبٌ نبضت بالحرية قبل أن تنطق بها الألسن.!
في مطلع القرن العشرين حيث كان الأدب العربي يئن تحت ثقل الجمود والتقليد خرجت من رحم لبنان كوكبةٌ من العباقرة حملوا مشاعل التجديد إلى أراضي المهجر البعيدة.!
هناك، في ضفاف نيويورك الباردة وفي حدائق البرازيل الخضراء ولدت ريادةٌ أدبيةٌ غيرت مسار الشعر والنثر العربي إلى الأبد….
في مقدمتهم ذلك الساحر الخالد جبران خليل جبران الذي لم يكن مجرد شاعرٍ أو كاتبٍ.
بل كان فيلسوفاً متكاملاً.
استطاع أن يكتب
بـالنبي
كتاباً مقدساً جديداً للروح الإنسانية مترجماً إلى كل لغات الأرض تقريباً… جبران الذي حمل هموم لبنان وأحلامه في صدره وجعل من بلدته
(بشري)
قبلةً لأدباء العالم حيث التقى الشرق بالغرب في نصوصٍ خالدة لا تموت مع الزمن بل تتجدد مع كل قارئٍ جديد…!
ولم يكن جبران وحيداً في هذا المضمار بل كانت معه طليعة العباقرة:
ميخائيل نعيمة ذلك الفيلسوف الصوفي الذي مزج بين روحانية الشرق وفلسفة الغر.
وأمين الريحاني الذي جعل من بلاد العرب مادةً لرحلاته وأدبه.
وإيليا أبو ماضي الذي وهب الشعر العربي أنفاساً جديدة بنفسه الفلسفي العميق.
هؤلاء الرجال لم يغادروا لبنان بأجسادهم فقط، بل حملوه في قلوبه وأعادوا كتابته كفكرةٍ سامقةٍ أبدية تعلو على كل الأوجاع والانكسارات.!!
وبينما كان أدباء المهجر يغزوون العالم بقصائدهم.
كان في لبنان نفسه جيلٌ آخر من الشعراء.
حملوا على عاتقهم حماية اللغة العربية في قلب معقلها.
كان بشارة الخوري الملقب
بـ (الأخطل الصغير)
فارساً من فرسان الشعر العربي الحديث جعل من قصائده سجلاً تاريخياً بلاغياً لم يزل يدرس في المعاهد العليا وهو الذي بكى لبنان فأبكى الحجارة وهجى الطغيان فأرعد في وجه الظلم.!
وعلى الجانب الآخر وقف سعيد عقل شامخاً بفلسفته اللغوية الفذة.
ذلك الرجل الذي تعامل مع اللغة العربية كجوهرةٍ ثمينةٍ تتطلب صيانةً مستمرة فنظم الشعر بالفصحى والعامية معاً وأسس مدرسةً شعريةً وفكريةً تركت أثراً عميقاً في الهوية اللبنانية المعاصرة.
هو الذي أصرَّ على أن لبنان ليس مجرد دولةٍ بل هو حضارةٌ قائمةٌ بذاتها وأن الشعر هو أقصر الطرق إلى فهم هذه الحضارة.!
ولا يمكن الحديث عن أدب لبنان دون الإشارة إلى دور بيروت كأكبر عاصمة للنشر والطباعة في العالم العربي.
ففي أزقتها وشوارعها ولدت آلاف العناوين.
وفي مطابعها انتشرت آلاف الأفكار. بيروت هي تلك المدينة التي جعلت من الكتاب سلعةً متاحة ومن القراءة عادةً يومية.
ومن الكاتب قدوةً ومعلماً.
لقد كان اللبنانيون أول من أدخل المطبعة الحديثة إلى الشرق وأول من جعل الكتاب في متناول الفقير قبل الغني كأنهم أرادوا أن يقولوا للعالم:
قوتنا ليست في صواريخنا بل في عقولنا التي نغذيها بالحرف كل يوم.!!
وإن ما يميز كتاب وشعراء لبنان أنهم لم يكتبوا للبنان فحسب .
بل كتبوا للإنسانية جمعاء.
جبران ترجم إلى أكثر من أربعين لغة وميخائيل نعيمة قرأه الهنود والأوروبيون.
وسعيد عقل تأثر به كتاب العالم.
وهذا ليس غريباً على أرضٍ كانت يوماً ما جزءاً من الإمبراطورية الرومانية ومهداً للمسيحية الأولى وجسراً للثقافات في كل العصور. !
الكتاب اللبناني يحمل في داخله شغفاً عالمياً لأنه لم ينشأ في جزيرة معزولة.
بل على مفترق طرق الحضارات حيث اختلطت الدماء وتلاقحت الأفكار ليخرج هذا المزيج الفريد إبداعاً لا يُقهر.
انني لا اعرف كيف انهي مقالي هذا وانا اقف امام عظمة لبنان ..
هذا التأمل في عظمة كتاب لبنان وشعرائه نقف مذهولين أمام هذه المعجزة:
كيف لوطنٍ لا تتجاوز مساحته عشرة آلاف كيلومتر مربع أن يمنح العالم عشرات العباقرة في كل مجال أدبي؟؟
وكيف لقومٍ عاشوا تحت نير الاستعمار وويلات الحروب أن يكتبوا أجمل ما كُتب عن السلام والحب والجمال؟؟؟
الجواب بسيط وعميق في آنٍ واحد:
لأن لبنان نفسه ليس تراباً .
بل هو قصيدةٌ كتبتها السماء وأمطرتها الأرض.
وهؤلاء الشعراء والكتاب هم امتدادٌ طبيعيٌ لروح هذا الوطن.
هم أصواته التي لا تموت وبصماته التي تبقى راسخةً في جبين الزمن.!
فطالما بقي في لبنان قلمٌ يكتب وقافيةٌ تنبض.
وبيروت تنشر فإن هذا الوطن سيظل باقياً شامخاً كأرزه الذي لا يلين.!!!
لبنان:
وطنٌ صغير في الخريطة لكنه كبيرٌ كبيرٌ جداً في قاموس الأدب وقاموس الخلود….
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




