مقالات

حين يبتلع الكون صوته … ويُتركك وجهاً لوجه مع أمُّ عامر

بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة

ينهش الضّبعُ يدَ مُجيرِه
تأمّلٌ في خيانة الإنسان وعبث الوجود
ففي جوهر كل علاقة إنسانيّة سؤالٌ قديم :
هل نختار من نحبّ ؟؟
أم نُساق إليهم كما تُساق الأرواح إلى مصائرها ؟
وهل نرى الآخر كما هو ؟؟؟

أم كما نحتاجه أن يكون ؟
وهل الحبّ فعل وعي !!!
أم فعل إسقاط ؟

هذه الأسئلة لم تكن نظرية بالنسبة لي ….
لقد جاءتني على هيئة تجربة تجربة زواجٍ ظننتُ أنه سيُعيد ترتيب العالم
فإذا به يُعيد ترتيب نفسي كأنّني كما ولدت من جديد !!

تزوّجتُ من إمرأة ليست من مستواي الاجتماعي .. ولا المادي .. ولا الفكري …
لكنّني ككثير من البشر
آمنتُ بأنّ الفوارق يمكن تجاوزها حين تكون النّية صافية !!!
وأنّ الإنسان يمكن أن يرتقي حين يُمنح فرصة ….
وأنّ القلب قادر على أن يخلق ما تعجز عنه الظّروف .

غير أنّ التّجربة أثبتت أنّ الوعي لا يُمنح … بل يُكتسب !!!
وأنّ النبل لا يُلقّن …
بل يُولد مع الروح …
وأنّ الطّبع لا يتغيّر …
بل يتخفّى !
و في لحظة ما ..
يتوقّف العالم عن الدوران …
ليس لأن الزمن تعطّل !
بل لأنك أنت توقّفت عن تصديق الحكاية التي كنت ترويها لنفسك !!
تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن الإنسان الذي آويته..
ورفعتَه ..
ومنحته معنى!!
لم يكن ينتظر سوى أن تضعف… أو أن تغفل عيناك عنه ….أو أن تصل لثقه عمياء به !!!
ليكشف طبيعته !!

كنتُ أظنّ أنّ العلاقات تُبنى على الإرادة …
على الاختيار .. على الوعي ..
لكن التجربة قالت شيئاً آخر :
العلاقات تُبنى على الطّبع والطّبع كما هو والكون لا يعتذر !
ولا يتغيّر ولا يبرّر !!
إنه فقط يظهر حين تحين لحظته !!!

نعم لقد أدخلت إلى حياتي وعالمي إمرأة ليست من عالمي !!!!
لا اجتماعيّاً ولا ماديّاً ولا فكريّاً !
ومع ذلك كنتُ أؤمن كما يؤمن الإنسان في لحظات سذاجته الوجودية !!
أنّ النبل قادر على أن يغيّر المصير !!
كنتُ أظن أنّني أستطيع أن أرفعها إلى مستوى الضوء الذي أنا أعيش فيه !!!!
لكنّني لم أفهم أن بعض الكائنات لا ترى في الضوء سوى تهديداً !!
ومضت الأيام وجائت بالمحنة الصغرى بلنسبة لي ..
وكانت محنة كبرى لها !!
إنّها محنة المال !!
الذي أسقطها في وحل الحياة السوداء
المحنة…
تلك اللحظة التي يتوقّف فيها الكون عن المجاملة .

المحنة ليست حدثاً
بل مرآة كونية !!
مرآة لا تعكس ما نريد
بل ما هو موجود فعلاً !
وحين جاءت محنتي
لم أجد ملاكاً كما كنت أرى !!!
بل وجدت أمّ عامر بأبشع صورها وحالاتها !!
أم عامر بوحشيّة تعطشها للدم لعالم الرزيلة
كأنها لاتعرف معنى الوفاء يوماً ولم تسمع عن الشرف بته
لأنّ الوفاء ليس جزءاً من هندستها الوجودية !!
كأنها لا تفهم معنى الجوار !!!
لأن الجوار ليس قانوناً في غابتها الداخلية !!!!

لقد غدرت !!!
غدرت كما تغدر الطبيعة حين تهبّ عاصفة بلا سبب !
غدرت كما يغدر البحر حين يبتلع غريقاً كان يظن أنه صديقه !!
غدرت لأن الغدر لم يكن خياراً …
بل كان ضرورة وجودية بالنسبة لها .

في تلك اللحظة
فهمتُ شيئاً يشبه الحقيقة !!!!
نحن لا نُخدع بالآخرين…
نحن نُخدع بأحلامنا عنهم!!!
و يصبح الجرح نافذة على الكون

بعد التجربة ، لم أبحث عن تفسير.
فالعالم !!!
كما يقول كامو : العالم لا يقدّم تفسيرات بل يقدّم وقائع.!!
والغدر كان واقعة. !!
واقعة باردة صامتة
لا تحمل أي معنى إلا المعنى الذي نمنحه نحن لها.!!!

سألت نفسي :
هل كانت هي المشكلة؟
أم أن المشكلة كانت في إصراري على أن أرى فيها ما ليس موجوداً؟

وهنا في هذا السؤال تحديداً !!
يبدأ الوعي.!!!!
الوعي بأن الإنسان ليس كائناً عقلانياً كما يدّعي!!!!
بل كائنٌ يبحث عن المعنى حتى في الأماكن التي لا معنى فيها.!!!
كائنٌ يصرّ على أن يرى الملاك…
حتى لو كان الملاك مجرد ضبعٍ ينهشه الجوع!!!!
فبتُّ أعيش حياة
الإنسان بين العبث والاختيار !!!

تجربتي لم تعلّمني أن الناس سيئون. !!
بل علّمتني أن الإنسان كائنٌ عبثي!!!
يمنح قلبه لمن لا يستحق..
ويحمي من سيطعنه!!!
ويأوي من سيغدر به!!
ثم يسأل: لماذا؟
وهنا ألف خط تحت هذا السؤال اللعين الذي يستنفر كل وجدان فيني !!!
ليأتي السؤال الحقيقي ليس لماذا غدرت ؟
السؤال الحقيقي هو :
لماذا توقّعتُ منها ألا تغدر ؟

فالضبع لا يختار أن يكون ضبعاً!!!!
والغدر ليس فعلاً أخلاقياً !!!!
بل حقيقة وجودية في بعض النفوس !!
وهو كذلك لها !!!
والوعي ليس أن نغيّر الآخرين…
بل أن نرى طباعهم كما هي…!!
لا كما نريد.!!!
وهنا تتجسد الحقيقة
فأنا !!!
لم أخسر… بل تحرّرت

لم أخسر إمرأة !!
خسرتُ وهماً.!!
ولم أخسر علاقة.!!
خسرتُ صورةً صنعتها بنفسي. !!
ولم أخسر زواجاً. !!
خسرتُ توقاً إلى أن يكون العالم أكثر عدلاً مما هو عليه !!!.

لكنني ربحت شيئاً أعظم!!!!
ربحتُ وعياً يشبه النجاة.!!!
وعياً يقول إن الإنسان لا يُقاس بما يتلقّاه!!
بل بما يقدّمه!
وأن الغدر لا يلوّث الروح النبيلة…!!!!
بل يكشف حدود الروح الغادرة.

وهكذا ، خرجتُ من التجربة لا مكسوراً…!!
بل أكثر قدرة على رؤية العالم كما هو !
عالمٌ بلا ضمانات !
بلا يقين !
بلا عدالة… !!!
لكنّه عالمٌ يمكن للإنسان ….
رغم كل شيء أن ينهض فيه
ويواصل السير ……
ويصنع من وعيه معنى… !!
حتى لو كان الكون نفسه بلا معنى !!!
تبقى النفوس الطيبة هي المعنى.
وروح الحياة !!
وتبقى أم عامر !!
أم عامر كما هي تحيا في الكهوف والظلام وحياة الغدر طبيعتها .
فلا نعيش اليوم شرفاء مع أم عامر
فلا يليق بها الشّرف !!!!

عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى