المسلمون في الغرب بين الخوف من الذّوبان ووعورة الطّريق

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم : محمد ضياء الدّين بديوي
ليست الهجرة إلى أوروبا أو الولايات المتحدة بالنسبة إلى جميع القادمين إليها رحلة بحث عن حياة مثالية أو تجربة استثنائية…..
فالغالبية العظمى من المهاجرين دفعتهم إلى الرحيل ظروف قاسية تراوحت بين الحروب والجوع والاضطهاد والسياسات الظالمة التي لم تترك أمامهم سوى خيار جمع ما يملكون ومغادرة أوطانهم.
ولذلك فإن كثيراً من حالات الهجرة لا يمكن وصفها بأنها خيار حر بقدر ما هي استجابة لضرورة فرضتها الظروف.
وفي مدن مثل برلين وأمستردام لا تبدو الصورة بالقدر الذي قد توحي به الخطابات المثالية عن الهجرة والاندماج……
فأبناء الجيل الثاني يتقنون لغات المجتمعات التي يعيشون فيها وربما يتحدثون الألمانية أو الإنجليزية بطلاقة تفوق بعض أبناء البلد أنفسهم. إلا أن داخل المنازل تدور معارك صامتة بين الآباء والأبناء…..
فالآباء يسعون إلى الحفاظ على الدين والعادات والتقاليد بينما يعيش الأبناء في فضاء اجتماعي وثقافي مختلف تماماً عن البيئة التي نشأ فيها آباؤهم.
ولا تتعلق القضية هنا بالمفاهيم النظرية للاندماج أو الذوبان الثقافي بقدر ما ترتبط بأزمات يومية ملموسة تظهر آثارها في ارتفاع حالات الطلاق بين بعض المهاجرين وفي صعوبات التحصيل الدراسي وفي مشاعر العزلة التي يعاني منها عدد من الشباب حتى أولئك الذين يحققون نجاحاً مهنياً واضحاً……
ومن اللافت أن المسؤولية كثيراً ما تُلقى بالكامل على المجتمعات الغربية رغم أن الجاليات المسلمة نفسها تتحمل جانباً مهماً من التقصير …
فالمؤسسات الإسلامية الكبرى في الغرب مثل المجلس الإسلامي في بريطانيا أو الاتحاد الألماني للجاليات تحظى بحضور إعلامي ومؤسسي ملحوظ إلا أن فاعليتها العملية قد تبدو محدودة أمام الاحتياجات اليومية للأسر. فالعائلات تحتاج إلى جهات قادرة على مساعدتها في فهم النظام التعليمي وكيفية التعامل مع المدارس وشرح مفهوم الهوية للأبناء من دون دفعهم إلى الشعور الدائم بأنهم غرباء داخل المجتمع الذي وُلدوا أو نشأوا فيه.
كما أن الحديث المتكرر للمنظمات الدولية واليونسكو عن القيم المشتركة لن يحقق أثراً حقيقياً إذا ظل محصوراً في العناوين البروتوكولية والخطابات العامة. فالحاجة الفعلية تتمثل في برامج عملية تشمل ورش التوعية والدعم النفسي للأسر وتأهيل الأئمة والدعاة لفهم طبيعة العصر والتحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المسلمون في المجتمعات الغربية إلى جانب معرفتهم بالتراث والعلوم الدينية.
ومن الضروري أيضاً تجاوز التصورات التي تضع المسلمين في الغرب في موقع الجسر الإلزامي للتفاهم أو الصوت الذي يجب أن يواجه التهميش بصورة دائمة. فهذه التصورات ترفع سقف التوقعات وتعيد إنتاج دائرة من الشعارات التي قد لا تعالج المشكلات الحقيقية. فالمسلمون في الغرب بشر مثل غيرهم يمتلكون قدرات ويواجهون أخطاء وتحديات. كما أن القيم الأخلاقية ليست حكراً على المسلمين والإنسانية ليست حكراً على الغرب.
وتكمن القضية في ضرورة الاعتراف بأن العالم أصبح أكثر ترابطاً وأن التنوع الثقافي والديني بات حقيقة قائمة لا خياراً يمكن تجاهله. وما دام المسلمون يعيشون في المجتمعات الغربية فإن من مصلحة تلك المجتمعات دعم استقرارهم واندماجهم الإيجابي ليس بدافع الشفقة بل لأن استقرارهم النفسي والاجتماعي سينعكس على استقرار المجتمع بأكمله.
وفي المقابل تحتاج الجاليات المسلمة إلى الخروج من حالة الدفاع المستمر عن الذات والتوجه نحو معالجة مشكلاتها الداخلية بجدية وفاعلية من دون انتظار توجيهات خارجية تحدد لها ما ينبغي أن تفعله.
وفي النهاية لا تكمن أهمية المشهد في تحديد من هو البطل المسلم أو الغربي بل في الاعتراف بحقيقة بسيطة مفادها أن البشر يحتاج بعضهم إلى بعض وأن أحداً لا يستطيع العيش معزولاً في عالم مترابط إلى هذا الحد. وليست هذه قراءة سياسية أو دعوة إلى تبني شعارات جديدة بل محاولة للنظر إلى واقع معقد كما هو بعيداً عن المبالغة وبعيداً عن الخطابات الجاهزة.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




