سوريا بين بساطة القائد وثقل المرحلة .. أحمد الشرع يكتب استثناءه الخاص

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم: محمد ضياء الدين بديوي
في زمن أصبحت فيه صناعة الزعماء تعتمد على فرق الاتصال وبيانات العلاقات العامة يندر أن تجد رئيساً ينزل إلى الشارع دون أن تحجبه الكاميرات أو تتفلسف عليه النصائح الأمنية …
لكن المشهد الذي اعتدنا عليه مؤخراً مع الرئيس أحمد الشرع مختلف بل مقلق بعض الشيء لمن يعرف طباع الحكم في منطقتنا ….
قبل أيام وأثناء متابعتي لتفاصيل حراكه الميداني توقفت عند مفارقة لافتة: رجل قاد معارك عنيفة وخاض غمار تحرير المدن ومع ذلك تجده ينحني ليصافح طفلاً أو يقف ساعات في اجتماعات شعبية لا تبتعد كثيراً عن “الديوانيات” التقليدية. هذه البساطة التي يظن البعض أنها تكتيك إعلامي أراها من منظوري كمراقب للشأن السوري انعكاساً لوعي حقيقي بفداحة المرحلة. لأن من يحمل همّ ٢٥ مليون سوري لا يملك رفاهية التصنع ….
صحيح أن الإعلام الرسمي يتحدث عن نهضة و بناء لكن ما يهمني شخصياً هو قراءة الأفعال قبل الأقوال ….
الخطوة التي لفتت انتباهي حقاً لم تكن مجرد عودة سوريا إلى الجامعة العربية فهذه كانت حتمية جغرافية بل الطريقة التي أدار بها ملف رفع العقوبات.
هنا لا بد من الدقة: لم يصدر حتى الآن قرار من مجلس الأمن برفع العقوبات بشكل نهائي وما تم تداوله هو تعليق أمريكي للمكافأة المالية وخطوات دبلوماسية تمهيدية قد تفتح الباب أمام تجميد القيود. هذا فارق جوهري فالرجل لا يزال أمامه اختبار صعب في تحويل تلك “الإشارات الإيجابية” إلى واقع تنموي ملموس يستشعره السوري في معيشته اليومية ….
أما فيما يخص توحيد البلاد فالجميع يعلم أن سوريا خرجت من حرب شرسة وكانت أقرب إلى الفيدراليات غير المعلنة. ما يثير اهتمامي في مقاربة الرئيس الشرع هو رفضه الاستعلاء العسكري في فرض الوحدة وتركيزه على لغة السيادة والقانون…..
هذا تيار مضاد للسائد في المنطقة حيث تفرض الدولة وجودها غالباً بحديد ونار. لكن السؤال الذي يراودني: هل تستطيع الحكومة الجديدة بكل تركيبتها أن تترجم هذه الرؤية إلى مؤسّسات فعلية قبل أن تبتلعها البيروقراطية القديمة وعقليات الإقصاء؟؟؟؟
الإجابة عنها ستحدد ما إذا كانت نهضته مجرد ومضة سريعة أم مشروعاً تاريخياً فعلياً.
أقرّ بأنني ومثل كثير من السوريين نمرّ بحالة من الخلط بين الانبهار بالشخصية والحذر من إرث الصراع ….
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن أحمد الشرع استطاع كسر جدار الصورة النمطية لقائد الفصائل. لم أره يوماً يتحدث طويلاً عن إنجازاته بل كان همّه الدائم توجيه البوصلة نحو “طريق طويل وشاق” على حد تعبيره. هذه الصراحة وإن بدت قاتمة في بعض جوانبها تمنحه مصداقية نادرة.
ختاماً سوريا التي تنهض اليوم ليست نتاج كاريزما رجل واحد بل هي نتاج تعب جيل كامل أنهكه القتل والهجرة.
لكن الفضل يبقى من وجهة نظري لمن يمنح هذا التعب أفقاً. الرئيس الشرع يمنح اليوم هذا الأفق ليس لأنه معصوم أو خارق بل لأنه يبدو مدركاً أن القيادة الحقيقية ليست في التحدث بصوت عالٍ بل في الاستماع للهمس اليومي للشعب وفي جرأة الاعتراف بأن النجاح ليس أن تصل إلى الكرسي بل أن تجعل الكرسي مجرد منصة تنطلق منها نحو الناس لا نحو السلطة.
سوريا الجديدة وليدة اليوم ونحن شهود على كتابة فصلها الأول. الآمل أن يخلو من أخطاء الماضي مهما كانت بشائر القائد مبشرة.
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




