موت القلب ليس نهاية الحكاية … بل ميلاد أسطورة لا تعرف الانكسار و جبار لايقهر

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
فحين يموت القلب ويُشرع العقل في كتابة المراثي.
لهذا مشهد مهيب يليق بأعتى الملاحم الإنسانيّة يقف الإنسان أمام قبر ليس للجسد بل لقلبه الذي كان يخفق بالحياة لحظة فاصلة يدرك فيها أنّ الدّفء الوحيد الذي كان يسكن جوانحه قد ارتحل إلى غير رجعة وأنّ العقل بمنطقه الجّاف وقسوته المتجرّدة وصمته المهيب..!
أصبح هو القائم على مراسيم الوداع والحارس الأوحد لهذا الموت الهادئ ولم تسقط منه دمعة واحدة …
لأنه أيقن بمنطقه الصارم أن البكاء لا يعيد ميتاً وأن النحيب لا يبعث رميماً.!!
ان في واقعنا الذي يئن تحت وطأة الخذلان يموت القلب ألف مرة قبل أن يوارى في قبره الأخير .
يموت عندما تخون الثقة وتتلاشى الأحلام كسراب في قيظ النهار ..
ويصبح الوفاء كلمة باهتة في معجم العلاقات الإنسانية يموت في تلك اللحظة العصيبة التي يكتشف فيها الإنسان أن من منحهم أمانه هم أنفسهم من غرسوا الخنجر في ظهره …
وأن الاعتذار لا يطل إلا بعد أن يسدل الستار….
وأن الندم يقف في الصفوف الخلفية لأنه أيقن أن وصوله بعد الرحيل كالغبار في مهب الريح لا قيمة له ..
ولا ثقل..
لكن السؤال الأعمق السؤال الذي يخترق صميم الروح ويقلق مضجع الفكر ..
كيف لهذا الإنسان أن يستمر في الحياة بعد أن أودع قلبه التراب إلى الأبد.؟؟؟
هنا
يكتب العقل على شاهدة القبر بحروف من نار ومداد من صبر هنا دفن قلب كان يصدق أكثر مما ينبغي…..
ويعطي أكثر مما يستحق..
ويحلم بما لا يدرك..
وهنا في هذه العبارة الموجزة تتجلى عبقرية الإنسان في مواجهة الجراح..
فصاحب القلب المدفون لم يمت بل تحول إلى كيان آخر يتعامل مع الحياة بمنطق حسابي بارد يزن كل كلمة بميزان الذهب ويحصي كل خطوة كالمحاسب الدقيق ولا يمنح الثقة إلا بعد أن تستوفي الشروط كلها …
ولا يدمع لأنه أدرك أن الدموع سلاح الضعفاء…
وأن الصبر درع الأقوياء ..
هذا الإنسان صار أصلب من صخر.
وأعتى من ريح وأمتن من جبل لأنه لم يعد يملك شيئاً يمكن أن ينكسر حين تطوى ذاكرة الحب في أكفان النسيان وتوارى أحلامه في قبور المستحيل!!! يصبح القلب حصناً منيعاً تحيط به أسوار العقل المنيع يصبح كمدينة محصنة لا تدخلها المشاعر إلا بتأشيرة عقلية محكمة..
ولا تغادرها الأحاسيس إلا بعد حساب دقيق ونظر بعيد.!!
فحين يدفن القلب تبدأ رحلة التحول الأكثر إدهاشاً في النفس البشرية …..
يتحول الألم إلى حكمة تتألق كنجم في ليل حالك.
والخيانة إلى درس يحفر في الصخر . .
والخذلان إلى منهج حياة يصاغ من ذهب.
فالتجارب يصهر هذا الإنسان كالصخرة التي تتقاذفها الأمواج فتزداد صلابة ورسوخاً . وكالعقاب الذي يحلق عالياً فوق غبار الأرض وجراحها . .
تعلم أن يصدق عينيه قبل أذنيه وأن يمنح قلبه للجوهر لا للقشور وللأفعال لا للأقوال ..
تملق القدرة على أن يقول لا بصوت لا يتردد ولا يلين ..
وأن يقف وحيداً إذا لزم الأمر لأن الوحدة خير من صحبة تغدر!! والعزلة أبقى من ألفة تزول…
لقد اصبح هذا الإنسان كالقائد المحنك الذي يحكم سيطرته على موقعه لا يتحرك إلا بعد حسابات دقيقة..
واستشراف للمستقبل ولا يقدم على قرار إلا بعد استطلاع دقيق ورؤية ثاقبة..
يعرف أن الحياة لا ترحم وأن القلوب النابضة بالثقة أشبه بالمدن المفتوحة التي تغزوها جيوش الخذلان بسهولة واقتدار!!
ورغم كل هذه القسوة التي يفرضها العقل كجدار صلب تبقى هناك لحظات شفيفة يتسلل فيها نبض خفي من قلب دفن..
لكنه لم ينس كيف كان يخفق لحظات يرثي فيها الإنسان نفسه التي كانت ..
ويرثي براءة الأمس التي رحلت وأحلاماً كانت تعانق السماء ثم هوت إلى الحضيض..
لكن سرعان ما يطفو العقل على السطح كقائد حازم يذكره أن الماضي صفحات طويت وأنسجة تمزقت.
وأن الحاضر يحتاج إلى هذا الكيان الجديد القوي العقلاني الذي لا يعرف للانكسار طريقاً ولا للضعف معنى..
وهنا تكمن معجزة هذا الإنسان الفريدة أنه يستطيع أن يوازن بين متناقضين كالنار والثلج قلب دفن في أعماق الذاكرة وعقل يتقد حياة وفطنة ..
يبني من رماد مشاعره صرحاً عقلياً شامخاً يجعله مثالاً فريداً في مواجهة قسوة الحياة وتعقيداتها نموذجاً صارخاً على أن الإنسان يمكن أن يموت ويبعث في هيئة جديدة أقوى وأقسى وأكثر حكمة..
لكنه في العمق يحمل ندبة لا تلتئم ولو مر الدهر وذكرى لا تموت ولو تلاشى الأثر.!!
في نهاية المطاف حين يغلق العقل القبر بإحكام وثبات ويغادر المشيعون كل إلى دربه يبقى الإنسان وحيداً مع حقيقته الجديدة التي لا تبارى كيان يعيش بعقل لا ينام ولا يغفل وقلب لا يخفق ولا يلهث..
جسد يراوح بين رماد الماضي ووهج المستقبل.
كيان تعلم أن أجمل ما في الحياة هو أن تعيشها وأنت تعرف تمام المعرفة متى تؤمن ومتى تبعد ..
ومتى تمنح ومتى تمنع ومتى تنحني ومتى تعتلي ومتى تبكي!! لكن دون أن تسقط لك دمعة على خد..
يليق به الصمت لا البكاء وهكذا حين يموت القلب يولد الإنسان من جديد ليس كمن كان بل كمن لم يكن يوماً لينكسر.!!!
ويبقى الانسان انسانا !!!؟؟؟؟؟
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




