الخطر الصّامت الذي يُهدّد جيلاً كاملاً …

عكـس الاتّـجاه نيـوز – مقالات
بقلم : الإعلاميّة غالية صرماياتي
أصبح الحديث عن الصّحة النّفسيّة في السّنوات الأخيرة ضرورة ملحّة لا ترفاً ، بعدما باتت الضّغوط تتزايد بشكلٍ يومي ، و سواء أكانت مهنيّة أو اجتماعيّة أو حتى عاطفيّة ، و تُشكّل عبئاً على الأشخاص الذين يمرّون بحالات من الإرهاق الدّاخلي ، وفقدان الدّافع و الشّغف ، وتراجع القدرة على التّحمّل ، دون أنْ يُلاحظ من حولهم ما يحدث في أعماقهم .
و هذه الحالة التي يُطلق عليها في الأدبيات النّفسيّة ( الانطفاء النّفسي ) ، و هي ليست مرضاُ بحدّ ذاته ، بل إشارة واضحة إلى أنّ النّفس وصلت إلى حدّها الأقصى وتحتاج إلى استراحة وإعادة تنظيم .
فالانطفاء النّفسي هو حالة من الإرهاق العاطفي والذّهني ، حيث يشعر فيها الفرد بأنّ طاقته الدّاخليّة تتراجع ، وأنّ مهامه اليوميّة تصبح أثقل ممّا كانت عليه ، وقد يترافق ذلك مع فقدانٍ للحماس ، الشّعور باللامعنى ، تشتّت التّركيز ، زيادة الأفكار السّلبيّة والانسحاب الاجتماعي .
ورغم أن هذه الحالة قد تكون مؤقّتة ، إلّا أنّها قد تدفع البعض إلى تبنّي أفكار مؤذيّة أو نظرة سوداء للمستقبل ، وهنا تبرز أهمّيّة التّوعية والدّعم والارتباط الإنساني .
فالعلاقات الدّاعمة هي عامل حماية أساسي ، وتشير الدّراسات النّفسيّة الحديثة إلى أنّ العلاقات الإنسانيّة الآمنة ، سواء أكانت عائليّة ، اجتماعيّة ، أو عاطفيّة تُعدّ من أهم عوامل الحماية النّفسيّة .
وبحسب ما توصّل إليه بعض علماء النّفس ، مثل ( جون بولبي وآرون بيك وإرفين يالوم) أنّ الارتباط الإنساني الصّحيح لا يوفّر فقط شعوراً بالانتماء ، بل يعمل كآليّة تنظيم نفسي تُساعد الفرد على مواجهة الضّغوط ، تخفيف أثر العزلة، إعادة بناء الإحساس بالمعنى واستعادة التّوازن الدّاخلي .
فالحبّ حين يكون ناضجاً وصادقاً ، لا يبقى مجرّد عاطفة جميلة ، بل يتحوّل إلى شبكة أمان نفسيّة تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار .
و سأسرد لكم قصة شاب مرّ بحالة انطفاء نفسي لتُجسّد هذه الحقيقة .
فهذا الشّاب وجد نفسه تحت ضغوطات كبيرة ، تراجعت معها طاقته النّفسيّة ، وازدادت الأفكار السّلبيّة التي راودته في لحظة ضعف .
و إحدى تلك الأفكار كانت مؤذيّة لدرجة أوصلته للتفكير بالانتحار فعلاً ، لكنها لم تتحوّل إلى خطوة قابلة للتنفيذ ، لأن حياته كانت تحتوي على عامل حماية قوي ألّأ و هو وجود علاقة عاطفيّة تربطه بإمرأة رآها نموذجًا للقوة والنّجاح و أمل بمستقبلٍ جميل معه ، و لديها قدرة هائلة على التّكيّف مع محيطها .
فوجودها في حياته ذكّره بمسؤوليته تجاه نفسه وتجاهها ، وأعاد إليه الإحساس بأنّ وجوده مهم ، وأنّ هناك مستقبلاً مع حبيبته يستحق أنْ يُبنى .
هذه القصة من وحي الخيال ، إلّا أنّها تعكس واقعاً يعيشه الكثير من الشّباب والشّابات ، حيث يُصبح الارتباط الإنساني الصّحيح نقطة تحوّل في لحظات الانطفاء .
و هناك عوامل أخرى لحماية النّفس من الانطفاء ، فرغم أهمّيّة العلاقات الدّاعمة، إلّا أنّها ليست العامل الوحيد .
فالحماية النّفسية تُبنى من مجموعة عناصر متكاملة ، و سأذكر لكم بعضاً منها :
١. العناية بالجسد :
– النّوم الكافي
– التّغذية المتوازنة
– الحركة اليوميّة ولو بشكل بسيط
٢. الرّوتين الصّحي :
– تنظيم الوقت
– أخذ فترات استراحة
– تجنّب العمل المتواصل دون توقّف
٣. التّعبير عن المشاعر :
– الكتابة
– الحديث مع شخص موثوق
– عدم كبت الضّغوط
٤. طلب المساعدة المهنيّة عند الحاجة :
فالتواصل مع مختص نفسي يمكن أن يُساعد الفرد على فهم مشاعره ، وتعلّم طرق صحيّة للتعامل مع الضّغوط ، دون أن يعني ذلك وجود مشكلة كبيرة أو اضطراب .
٥. تقليل العزلة :
الانخراط في نشاطات اجتماعيّة بسيطة قد يخفّف الكثير من التّوتّر .
فلا أحد مضطر لمواجهة الانطفاء النفسي وحده ، طالما الدّعم موجود ، والمساندة مُتاحة ، والحديث مع شخص تثق به قد يكون خطوة فارقة في حياتك .
والأهم أنّ الأفكار المؤذية ليست قدراً محتوماً ، بل لحظات ضعف يمكن تجاوزها حين نمنح أنفسنا فرصة للبوح بِمَ يُزعجنا ، ونسمح للآخرين بأنْ يكونوا جزءاً من رحلة التّعافي .
والصّحة النّفسيّة ليست رفاهيّة ، بل هي جزء أساسي من جودة الحياة .
والعلاقات الإنسانيّة حين تكون صحيّة وصادقة ، قد تصبح الجّسر الذي يُعيد الإنسان إلى نفسه ، وتمنحه القوة للاستمرار ، وتذكّره بأنّ الحياة في لحظات الانطفاء لا تزال تستحق أنْ تُعاش ، و غداً أجمل .
عكـس الاتّـجاه نيـوز
الحقيقة الكاملة
معاً نصنع إعلاماً جديداً




