
من يدير سوق الشعوذة في العراق؟ كيف تحوّلت الطلاسم إلى تجارة رقمية تصل إلى المنازل عبر الدليفري رغم الحملات الأمنية المتلاحقة
4
4
4
4
4
تحقيق استقصائي | من يدير سوق الشعوذة في العراق؟ كيف تحوّلت الطلاسم إلى تجارة رقمية تصل إلى المنازل عبر الدليفري رغم الحملات الأمنية المتلاحقة
بغداد | عكس الاتجاه نيوز
إعداد: محمد ضياء الدين بديوي
في الثامن من تشرين الأول 2026 بثّ جهاز الأمن الوطني العراقي مشاهد مداهمة نساء يُمارسن السحر والشعوذة في عدة محافظات وأعلن في بيانه الرسمي عن الإطاحة بـ63 متهماً بعد استحصال الموافقات القضائية مؤكداً أن التحقيقات أظهرت اعترافهم بممارسة أعمال النصب والاحتيال والابتزاز واستغلال المواطنين. الرقم وحده يبدو إنجازاً أمنياً. لكن قراءة أعمق في الوقائع التي سبقت الحملة وفي الاعترافات التي تخللتها وفي الفراغ القانوني الذي تحكمه تكشف أن ما يواجهه العراق ليس مجرد مشعوذين يُلقى القبض عليهم بل سوق متكامل يعيد إنتاج نفسه باستمرار: تسويق رقمي واستهداف منهجي للفئات الهشة وشبكات توصيل وابتزاز مالي وجنسي يمارس تحت غطاء العلاج الروحاني.
—
البداية من الشاشة: كيف استُدرجت الضحايا
لم يكن سحر الدليفري الذي أعلنت عنه قيادة شرطة بغداد الرصافة في 21 أيلول 2026 مجرد تسمية إعلامية طريفة. البيان الرسمي نفسه استخدم المصطلح: متهم يقوم بتوصيل أعمال السحر والشعوذة بطريقة الدليفري جرى رصد نشاطه عبر مواقع التواصل الاجتماعي واستدراجه إلى موقع محدد ونصب كمين محكم أسفر عن القبض عليه وضبط طلاسم ومخطوطات بحوزته. التحقيق معه كشف أنه كان يُوهم المواطنين ويستدرجهم من خلال البث المباشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بهدف النصب والاحتيال عليهم.
بعد يومين فقط أعلنت شرطة الأنبار عن القبض على امرأة تمارس السحر والشعوذة في المحافظة. وقبل ذلك بأشهر وتحديداً في آب 2026 كانت شرطة الأنبار قد أعلنت عن ضبط 30 عملاً سحرياً جاهزاً داخل محل للأعشاب في سوق النزيزة بالفلوجة يُشتبه بأنه كان يجهزها للتوصيل عبر خدمة الدليفري إلى مناطق مجاورة.
النمط يتكرر: التسويق يبدأ رقمياً والتنفيذ يصل إلى باب المنزل. هذا ليس تطوراً عرضياً بل تحول بنيوي في طريقة عمل هذه الشبكات. المشعوذ لم يعد بحاجة إلى وكر يخافه الضحية بل إلى صفحة على فيسبوك أو بث مباشر على تيك توك ورقم هاتف وشبكة توصيل.
—
الاعترافات: من فك السحر إلى الابتزاز الجنسي
بيان جهاز الأمن الوطني تحدث عن اعترافهم بممارسة أعمال النصب والاحتيال والابتزاز. لكن ماذا يعني الابتزاز في هذا السياق تحديداً؟
في آذار 2026 نشر جهاز الأمن الوطني اعترافات متهم قال فيها حرفياً: منذ خمس سنوات بدأت العمل بالسحر والشعوذة واستدرجت مجموعة من النساء وطلبت منهن أفعالاً لا أخلاقية. وأضاف: كنت أقوم بأفعال سحر المحبة وعقد اللسان والتفرقة بين الأزواج والعوائل. كل حالة أتقاضى عليها نحو 400 دولار أمريكي. وفي حال عدم قدرة الضحية على الدفع كان يستدرجها إلى منزله لطلب أفعال لا أخلاقية.
وفي حالة أخرى وثّقت تقارير إعلامية اعترافات دجال العراق المعروف بسيد علي للعلاج الروحاني الذي قال إنه ابتز 250 ألف سيدة وإنه كان يصوّرهن في أوضاع إباحية عبر برنامج مثبت على الكمبيوتر ويطلب مبالغ تتراوح بين 500 ألف ومليون دينار عراقي مقابل عدم نشر المقاطع. هذه الأرقام يصعب التحقق منها بشكل مستقل لكنها تعكس نمطاً موثقاً في اعترافات رسمية أخرى.
الأهم من الأرقام هو الآلية: الضحية تدفع أولاً للحصول على خدمة ثم تدفع مرة ثانية للحفاظ على السر ثم تدفع مرة ثالثة لأن العلاج لم يكتمل. الدورة المالية لا تنتهي عند الطلسم الأول بل تبدأ منه.
—
الفراغ القانوني: لماذا يُحاكم المشعوذ بالاحتيال لا بالسحر؟
السؤال الذي لم تجب عنه البيانات الأمنية هو: تحت أي قانون يُحاكم هؤلاء؟
مجلس القضاء الأعلى العراقي أوضح في دراسة قانونية منشورة أن المشرّع العراقي لم يتطرق بنصوص صريحة إلى جريمة السحر والشعوذة. وأضاف: تعد الأفعال المذكورة من قبيل جرائم الاحتيال المنصوص عليها في المادة 456/1/أ من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969. المادة تعاقب بالحبس كل من توصل إلى تسليم أو نقل أو حيازة مال منقول مملوك للغير لنفسه أو إلى شخص آخر باستخدام وسائل احتيالية أو تقرير أمر كاذب على واقعة معينة.
النتيجة القانونية: السحر نفسه ليس جريمة في العراق. ما يُعاقب عليه هو الاحتيال المالي. وهذا يعني أن مشعوذاً يمارس طقوسه دون أن يستولي على مال أو دون أن يُثبت أنه استولى على مال قد يفلت من العقاب. كما يعني أن الضحايا الذين لا يملكون أدلة مادية على تحويل الأموال يجدون صعوبة في اللجوء إلى القضاء.
مجلس القضاء نفسه دعا المشرّع إلى النص صراحة على تجريم أعمال السحر والشعوذة بالنسبة للفاعل أو المستعمل محذراً من أن الاستعمال لا يعد جريمة معاقباً عليها قانوناً لعدم وجود النص العقابي. أي أن الجهاز القضائي يعترف بوجود ثغرة تشريعية لكنه لا يملك سلطة سدها.
هذا الفراغ يفسر جزئياً لماذا تتكرر الحملات الأمنية دون أن تنقطع الظاهرة. الاعتقالات تحدث لكن التأطير القانوني يظل هشاً.
—
صوت الضحية: بعتُ أبقاري وجواميسي من أجل حجر
في تحقيق ميداني نُشر في صحيفة الزمان العراقية في تشرين الأول 2026 روى مقدم برنامج كلام الناس علي الخالدي تفاصيل لقائه مع ضحايا أحد المشعوذين في كربلاء الذي ألقي القبض عليه بالتنسيق مع مديرية مكافحة الأجرام.
أحد الضحايا رجل مربٍّ للأبقار والجواميس قال إنه تعرّف على المشعوذ عبر فيسبوك حيث كان ينشر أنه روحاني. اتفق معه على زيارة بيته في كربلاء. قام الرجل ببيع أبقاره وجواميسه مع قرض مبلغ من أقربائه وحوّل المبلغ إلى 30 ورقة فئة 100 دولار أي ثلاثة آلاف دولار. ما حصل عليه مقابل ذلك؟ حجرة قال له المشعوذ: هذه ثمينة ضعها تحت وسادتك عند نومك وبعد أيام قلائل ستصبح ملياردير. بالطبع لم يتغير شيء.
ضحية أخرى شابة تبلغ 23 عاماً قالت إنها تعرفت على المشعوذ عبر صديقاتها. طلب منها ألف دولار وفانيلة لزوجك. كانت قد طُلّقت وهُجرت مع أطفالها ووعدها المشعوذ بأن زوجها سيعود خلال يومين أو ثلاثة. انتظرت أكثر من شهرين دون نتيجة. والأسوأ: هذه الضحية كان ساومها المشعوذ أن يمارس الرذيلة معها وتعطيه المبلغ كاملاً.. وافقت لأجل عودتها لزوجها وكل مرة تتصل به يهددها أنه سيعرض صورها العارية لأهلها.
هذه الشهادات رغم أنها نُشرت في سياق برنامج تلفزيوني لا في تحقيق قضائي تتفق مع نمط الاعترافات الرسمية: استهداف النساء في لحظات الهشاشة الزوجية وتحويل الألم إلى صفقة ثم تحويل الصفقة إلى فخ ابتزاز دائم.
—
من يبيع الأمل؟ اقتصاد الطلب
لماذا ينجح هذا السوق رغم الحملات؟
الجواب لا يكمن في المشعوذ وحده بل في الطلب. الضحايا لا يشترون سحراً بل يشترون حلاً سريعاً لمشكلة يأسية: زوج هجر ونصيب متعطل ومرض لم يجد له الأطباء تفسيراً ودين يثقل. والمشعوذ الذكي لا يبيع الطلسم بل يبيع الوعد.
جهاز الأمن الوطني نفسه أقرّ في بيانه أن الحملة جاءت للحد من الممارسات التي تستغل المواطنين وتهدد استقرار الأسر. عبارة تهدد استقرار الأسر ليست بلاغة أمنية فارغة. إنها اعتراف بأن الظاهرة ليست جريمة فردية بل مسألة اجتماعية تتعلق ببنية الأسرة والثقة.
وحين سُئلت مصادر قانونية عن طبيعة هذه القضايا أكدت أنها لا ترتبط بالشعوذة فقط بل تندرج تحت جرائم الاحتيال المالي والابتزاز واستغلال حاجة المواطنين. لكن استغلال الحاجة ليس جريمة بحد ذاته في القانون العراقي إلا إذا اقترن بفعل مادي محدد. وهذا هو المأزق.
—
الخلاصة: 63 متهماً وسوق لم يُغلق بعد
حملة أكتوبر 2026 ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. في آب 2026 كانت هناك اعتقالات في الفلوجة وحديثة. في أيلول سحر دليفري في بغداد ومشعوذة في الأنبار. في آذار اعترافات بابتزاز جنسي. النمط يتكرر والنتائج تتشابه: اعتقالات وبيانات ومضبوطات ثم عودة تدريجية للنشاط تحت مسميات جديدة.
المشكلة ليست في غياب الإرادة الأمنية. البيانات الرسمية تُظهر متابعة ميدانية واستحصال موافقات قضائية وبثاً لعمليات المداهمة. المشكلة في ثلاثية تجعل الحرب على الشعوذة أشبه بمحاربة أشباح:
أولاً الفراغ التشريعي: السحر ليس جريمة والاحتيال يتطلب إثبات استيلاء مادي قد يصعب توثيقه.
ثانياً الطلب الاجتماعي: ما دامت هناك أزمات زوجية ومالية ونفسية سيبقى هناك من يبحث عن حل خارج القانون والعقل.
ثالثاً التحول الرقمي: البث المباشر وخدمات التوصيل جعلت الوصول إلى الضحايا أسهل وأرخص وأقل خطراً من أي وقت مضى.
63 متهماً في القفص قد يكونون خبراً ليوم واحد. لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد انتهاء الحملة هو: كم ضحية لم تتقدم بشكوى خجلاً أو خوفاً؟ وكم مشعوذاً أغلق صفحته اليوم ليفتحها غداً باسم طاقة أو علاج روحاني أو تيسير أمور؟
حتى يجيب المشرّع على سؤال التجريم وتجيب الدولة على سؤال الضحية الاجتماعية سيبقى العراق يطارد من يبيعون الوهم بينما يظل الوهم يُباع.




