
ستة من كل سبعة قتلة يفلتون من العقاب
2
2
2
2
2
المرصد الدولي لحرية الصحافة
بيان صحفي
ستة من كل سبعة قتلة يفلتون من العقاب
والعدالة الدولية تتراجع للمرة الأولى منذ أكثر من عقد
بمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين
الثاني من نوفمبر / تشرين الثاني 2026
في زمنٍ تُرفع فيه شعارات حرية التعبير في المحافل الدولية، يواصل الصحفيون دفع الثمن الأغلى دفاعاً عن حق الشعوب في المعرفة. وبينما تسقط الكاميرات والأقلام في ساحات الحروب والنزاعات، يواصل مرتكبو الجرائم السير أحراراً، بعيداً عن المساءلة والعقاب.
يعرب المرصد الدولي لحرية الصحافة عن بالغ قلقه إزاء ما كشفه أحدث تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بشأن سلامة الصحفيين وخطر الإفلات من العقاب، والذي يرسم صورة مقلقة لتراجع العدالة الدولية أمام تصاعد الجرائم المرتكبة بحق العاملين في الحقل الإعلامي.
الإفلات من العقاب يرتفع مجدداً
للمرة الأولى منذ بدء اليونسكو قياس معدلات الإفلات من العقاب عام ألفين واثني عشر، ارتفعت النسبة العالمية إلى ستة وثمانين في المئة خلال عامي ألفين وأربعة وعشرين وألفين وخمسة وعشرين بعد أن كانت خمسة وثمانين في المئة في الفترة السابقة. ويعني ذلك أن ستة من كل سبعة قتلة للصحفيين لا يزالون خارج دائرة العدالة.
إن هذه النسبة لا تمثل مجرد مؤشر إحصائي، بل تعكس إخفاقاً عالمياً في حماية الصحفيين وإنصاف الضحايا وعائلاتهم، وتبعث برسالة خطيرة إلى الجناة مفادها أن الجريمة يمكن أن تمر من دون عقاب.
ارتفاع مقلق في أعداد الضحايا
وثّق التقرير مقتل مئة وتسعة وثمانين صحفياً وعاملاً إعلامياً خلال عامي ألفين وأربعة وعشرين وألفين وخمسة وعشرين، بزيادة بلغت عشرين في المئة مقارنة بالفترة السابقة، وهي أعلى حصيلة تُسجّل منذ عامي ألفين وأربعة عشر وألفين وخمسة عشر.
وراء هذا الرقم مئة وتسعة وثمانون صحفياً لم يعودوا إلى بيوتهم، ومئة وتسعة وثمانون عائلة تنتظر تحقيقاً لم يبدأ بعد.
مناطق النزاع… ساحات موت مفتوحة للصحافة
أظهر التقرير أن مئة وسبعة وعشرين صحفياً قُتلوا في مناطق النزاع المسلح، أي ما يعادل سبعة وستين في المئة من إجمالي الضحايا. كما شكّل الصحفيون المحليون الغالبية الساحقة من القتلى، فيما سُجلت حالات قتل لصحفيين كانوا يرتدون سترات تعريف صحفية أو يعملون في مركبات تحمل علامات صحفية واضحة.
إن استمرار استهداف الصحفيين أثناء أداء مهامهم المهنية يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني وللقرارات الدولية التي تكفل حمايتهم باعتبارهم مدنيين.
فلسطين تتصدر قائمة الضحايا
بحسب التقرير، سجلت دولة فلسطين أعلى عدد من الصحفيين القتلى خلال العامين المشمولين بالرصد، حيث وثقت اليونسكو مقتل ثلاثين صحفياً عام ألفين وأربعة وعشرين واثنين وثلاثين صحفياً عام ألفين وخمسة وعشرين. وتأتي هذه الحصيلة في ظل استمرار القيود على وصول الصحفيين إلى مناطق النزاع، مما يجعل توثيق الانتهاكات مهمة محفوفة بالمخاطر المزدوجة: خطر القتل، وخطر طمس الحقيقة.
المسيّرات… تهديد جديد يلاحق الصحفيين
ومن أخطر ما رصده التقرير بروز الطائرات المسيّرة كوسيلة متزايدة الاستخدام في قتل الصحفيين.
فقد تسببت هجمات المسيّرات في مقتل خمسين صحفياً خلال عامي ألفين وأربعة وعشرين وألفين وخمسة وعشرين، وهو ما يمثل أربعين في المئة من إجمالي الصحفيين الذين قتلوا في مناطق النزاع، وستة وعشرين في المئة من إجمالي الضحايا حول العالم. كما وثقت اليونسكو سبع حوادث قُتل فيها عدة صحفيين في هجوم واحد استهدف مؤسسات إعلامية ومراكز تغطية ميدانية.
الصحفيات تحت نيران الحرب والعنف الرقمي
كشف التقرير أن أربع عشرة صحفية قُتلن خلال الفترة المشمولة بالتقرير، وكانت ثلاث عشرة منهن يعملن في دول تشهد نزاعات مسلحة. كما تظهر الدراسات الحديثة استمرار تعرض الصحفيات لمستويات مرتفعة من التحرش والإساءة والعنف القائم على النوع الاجتماعي، سواء عبر الفضاء الرقمي أو في الميدان.
التقدم ممكن عندما تتوفر الإرادة
وعلى الرغم من هذا المشهد القاتم، يؤكد التقرير أن مكافحة الإفلات من العقاب ليست أمراً مستحيلاً.
فقد انخفضت معدلات الإفلات من العقاب في الدول غير المتأثرة بالنزاعات المسلحة من أربعة وتسعين في المئة عام ألفين واثني عشر إلى سبعة وسبعين في المئة عام ألفين وستة وعشرين، كما سجلت تلك الدول اثنين وستين حالة قتل للصحفيين خلال عامي ألفين وأربعة وعشرين وألفين وخمسة وعشرين، وهو من أدنى المستويات المسجلة خلال ما يقارب عقدين.
وهذا يثبت أن الإرادة السياسية الجادة، والتحقيقات المهنية المستقلة، والملاحقات القضائية الفاعلة، قادرة على الحد من الجرائم وحماية الصحفيين.
موقف المرصد الدولي لحرية الصحافة
إن المرصد الدولي لحرية الصحافة يؤكد أن الإفلات من العقاب ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة للتقاعس عن التحقيق وعدم ملاحقة المسؤولين عن الجرائم ومحاسبتهم.
ومن هذا المنطلق، يدعو المرصد المجتمع الدولي والأمم المتحدة والحكومات المعنية إلى:
· إنشاء آليات دولية مستقلة وفعالة للتحقيق في جرائم قتل الصحفيين، لا سيما في مناطق النزاع.
· إلزام الدول بالتعاون الكامل مع طلبات اليونسكو المتعلقة بالتحقيقات الجارية وكشف مصير القضايا العالقة.
· وضع منظومات حماية أكثر تطوراً للصحفيين في الميدان لمواجهة التهديدات الناشئة، بما فيها الطائرات المسيّرة.
· تعزيز الحماية الرقمية والقانونية للصحفيات في مواجهة حملات الاستهداف والعنف الإلكتروني.
كما يعرب المرصد عن قلقه البالغ إزاء تراجع استجابة الدول لطلبات اليونسكو المتعلقة بمتابعة التحقيقات، حيث انخفضت نسبة الاستجابة إلى اثنين وستين في المئة فقط مقارنة بثمانين في المئة في الفترة السابقة.
كلمة أخيرة
حين يعلم القاتل أن فرص محاسبته شبه معدومة، تصبح الجريمة أكثر جرأة، ويصبح استهداف الصحفيين أداة لإسكات الحقيقة.
ستة من كل سبعة قتلة يفلتون من العقاب.
ليست هذه مجرد إحصائية أممية عابرة، بل إدانة أخلاقية وقانونية لواقع دولي لا يزال عاجزاً عن حماية من يضحّون بحياتهم من أجل كشف الحقيقة.
إن العدالة التي تتأخر في إنصاف الصحفيين ليست عدالة ناقصة فحسب، بل عدالة مهددة بالغياب.
—
محمد ضياء الدين بديوي
رئيس مجلس الأمناء
المرصد الدولي لحرية الصحافة
الثاني من نوفمبر / تشرين الثاني 2026




