
ثلاثة أقلام تهزم 155 رواية: كيف كتبت الجزائر فصلها الأدبي الأجمل بلغاتها الثلاث؟
2
2
2
2
2
في ليلة واحدة، وعلى منصة واحدة، وقفت الجزائر أمام مرآة لغاتها الثلاث: العربية، والأمازيغية، والفرنسية. لم تكن الجائزة الكبرى “آسيا جبار” للرواية في دورتها الثامنة (2026) مجرد تتويج لثلاثة كتّاب، بل كانت إعلاناً بأن الذاكرة الجزائرية قادرة على أن تُروى بثلاثة ألسنة، وأن تُقرأ بلغة واحدة: الإبداع.
تحت شعار “في الذاكرة، جذور الغد”، نظّمت المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار (أناب) حفل توزيع الجوائز بالمركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” بالعاصمة الجزائرية، حيث تنافست 155 عملاً روائياً في هذه الدورة، قبل أن تستقر لجنة التحكيم على ثلاثة أعمال فائزة، واحد عن كل لغة .
—
الفائزون: ثلاثة أسماء وثلاث روايات
في فئة الرواية المكتوبة بالعربية، توّجت الكاتبة سارة محمد معريش عن روايتها “الرفراف.. سيرة الجبل الأسطورية”. عمل روائي يمزج بين السيرة والخيال، ويستدعي الجبل كفضاء للذاكرة والأسطورة، وقد لاقى استحساناً نقدياً خلال مرحلة التقييم .
وفي فئة الرواية المكتوبة بالأمازيغية، فازت الكاتبة فريدة سحوي عن روايتها “أغوس” (الحزام). الرواية الصادرة عن منشورات “تالسا” تحمل في عنوانها دلالة رمزية عميقة، إذ يستحضر “الحزام” كناية عن التمسك بالهوية والجذور في وجه رياح التغيير .
أما فئة الرواية المكتوبة بالفرنسية، فقد عادت إلى الكاتب حسني كيتوني عن روايته “Ce que la mort m’a pris de toi” (ما سلبني الموت منك)، الصادرة عن منشورات “القصبة”. عنوان يحمل في طياته ثقل الفقد والذاكرة، ويجسد ذلك التقليد الروائي الجزائري المكتوب بالفرنسية الذي لم ينفصل يوماً عن هموم الأرض والهوية .
—
لماذا هذه الجائزة أكثر من مجرد جائزة؟
في كلمته خلال الحفل، أكد وزير الاتصال محمد بوسليماني أن الجائزة “تكريم لجهود المبدعين الجزائريين ووفاء لأيقونة الأدب الجزائري” آسيا جبار، مشيراً إلى أن الوطنية عندها “لم تكن شعاراً رناناً ينام بين أحضان مؤلفاتها، بل مبدأً ثابتاً والتزاماً راسخاً في كل محطات حياتها” .
لكن الأهم من التكريم، هو ما كشفه رئيس لجنة التحكيم حكيم ميلود عن طبيعة الأعمال المشاركة. فقد لاحظ “غلبة الروايات التاريخية التي تتناول التاريخ الجزائري القديم أو الحديث، بما فيه فترة الثورة التحريرية أو ما بعد الاستقلال”، إلى جانب “الاهتمام برصد التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري” . وبمعنى آخر، فإن الجيل الجديد من الروائيين الجزائريين لا يكتب عن الماضي بدافع الحنين، بل ليفهم الحاضر ويضيء المستقبل.
كما أشار ميلود إلى “تطور وتحديث كبير في الرواية الجزائرية بلغاتها الثلاث في السنوات الأخيرة”، معتبراً الأعمال الفائزة تمثل “ما وصلت إليه الرواية الجزائرية من تطور ورقي” .
—
آسيا جبار: الغائبة الحاضرة
لا يمكن قراءة هذا التتويج دون التوقف عند الاسم الذي تحمله الجائزة. آسيا جبار (1936-2015)، الروائية والأكاديمية والمخرجة السينمائية، كانت أول جزائرية وعربية وإفريقية تنتخب لعضوية الأكاديمية الفرنسية عام 2005 . كتبت عن النساء، والذاكرة، والاستعمار، والحرية، وتركت وراءها أعمالاً مثل “العطش” و”نساء الجزائر” و”الحب والفانتازيا”.
أن تحمل جائزة اسمها اليوم ثلاثة كتّاب يكتبون بثلاث لغات مختلفة، فهذا في حد ذاته رسالة: أن الجزائر التي حلمت بها آسيا جبار، تلك التي تتسع للجميع ولا تُقصي أحداً، ما زالت تُكتب فصلاً بعد فصل.
—
خلاصة
في دورة شهدت منافسة 155 عملاً، اختارت لجنة التحكيم أن تكافئ ثلاثة أصوا
ت مختلفة، لا لأنها متشابهة، بل لأنها معاً تشكل صورة الجزائر الأدبية الحقيقية: متعددة، غنية، وغير قابلة للاختزال في لغة واحدة. وبين “الرفراف” الذي يحلق فوق الجبل، و”الحزام” الذي يشد إلى الجذور، و”ما سلبني الموت منك” الذي يحتفظ بما مضى، يبدو أن الرواية الجزائرية، بعد ثماني دورات من جائزة آسيا جبار، قد وجدت طريقها إلى ما يستحقه: أن تُقرأ، لا فقط أن تُكتب.




