مقالات

الحسد .. علمتني الحياة


بقلم معن بشور

علمتني الايام ان الحسد آفة خبيثة من الصعب اجتثاثها من بعض النفوس، لذلك ترددت كلمة "الحسد" و "الحاسدين" في الكتب السماوية، لا سيما في القرآن الكريم الذي حذّر من "شر حاسد اذا حسد" مصوراً الحاسدين "بالنفاثات بالعقد" ادراكاً منه لخطورة هذه الآفة التي لم يتورع بسببها اخوة النبي يوسف عليه السلام من التآمر عليه، ومحاولة قتله، رغم انه اصغرهم سناً لأنه كان بينهم الأجمل والاعقل والاكثر حظوة عند والده...

واذكر منذ ان تعلمت القراءة انني كنت اقرأ على زجاج الباصات الكبيرة، والشاحنات المحملة بالبضائع، وحتى على السيارات الصغيرة عبارات من نوع “عين الحاسد تبلى بالعمى”، “والحسود لا يسود” ولم اكن افهم لماذا كل هذا التركيز على الحسد والحاسدين، كما لم أكن افهم، وتجربتي كانت قليلة في شؤون الحياة، لماذا كانت الام تضع في صدر ابنها خرزة زرقاء اذا توسمت به خيراً لتحميه من عيون الحاسدين، ولماذا كان الناس ينقرون على الخشب اذا تحدثوا عن صحة جيدة او نجاح مميز لأحد اقاربهم او محبيهم لابعاد الشيطان عنه، ولم يكن الشيطان سوى الاسم الآخر للحسد والحاسدين…
ومع الايام اخذت اكتشف عمق الخبرة الانسانية والاجتماعية الكامنة في هذا الحذر العالي من الحسد الذي يحول صاحبه الى مصنع لاحقاد دفينة متفجرة ضد منافس يعجز عن اللحاق به، او الى مفبرك للشائعات ضد ناجح يذكره بفشله، وبدأت اكتشف كيف يجمع الحسد بين متناقضين ضد شخص بعينه او فكرة بذاتها، وكان بعض الحكماء يهونون عليّ الأمر بقولهم: وحدها الشجرة المثمرة هي التي يرشقها الناس بالحجارة….
ولقد شغلتني ظاهرة الحسد مع مرور السنين، وحاولت تفحص نماذج من اصحابها، لاجد ان الحاسدين هم احد نوعين، نوع من الناس ينطوي على خواء عقلي او علمي او نفسي او عاطفي فيحاول التعويض عن هذا الخواء بالسعي للنيل من الاخرين، بشتى الوسائل .. ونوع آخر ممتلئ بعقد نفسيه متعددة الاسباب والمظاهر فيسعى الى نفثها سموما واحقاداً واكاذيب ضد قامات ممتلئة بالثقة بنفسها، وبحبها للناس وحب الناس لها..
وعلمتني الايام ان المرض الذي يصيب الحاسدين فيمدهم في غيّهم لا تبقى سلبياته محصورة بمن يحسدهم فقط، بل تتحول مع الزمن الى مرض فتاك بصاحبه فيصاب بعاهات نفسية لا علاج منها، حتى بامراض عضوية لا شفاء لها، فإذ به كالأفعى التي تعض نفسها في النهاية…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى