بيان

بيان المرصد الدولي لحرية الصحافة

غزّة تُسقط صحافييها واحداً تلو الآخر.. وأرواحهم ليست مجرّد أرقام في تقارير

في كل مرة نفتح فيها خبراً جديداً من غزّة نتمنى ألا يكون اسم زميل أو صديق ضمن قائمة الضحايا.
لكن الأمنيات لا تُجدي نفعًا هذه الأيام.
المشهد يتكرر بمرارة صحافي يخرج لتغطية مشهد القصف وآخر يهرول خلف سيارة إسعاف لنقل المعاناة وفجأة.. ينتهي كل شيء. تنتهي الكاميرا ويُسدل الستار على الصوت الذي كان يريد فقط أن يوصل الحقيقة.

المرصد الدولي لحرية الصحافة يطلق صرخته الآن لكن السؤال الذي يوجع القلب:
هل من يسمع؟؟؟
الأعداد التي نقرأها أسبوعياُ تجعل المرء يشعر بالغصة. يتحدثون عن 129 صحافياً قُتلوا خلال العام الماضي وحده وهذا ليس مجرّد رقم في تقرير سنوي هذا يعني أن أسرة أُخليت من ربها كل يومين أو ثلاثة.
هذا يعني أن طفلاً فقد والده وأماً فقدت ابنها وزملاء فقدوا جزءاً من روحهم.

أما في غزّة فالحصيلة أكثر إيلاماً .
المكتب الإعلامي الحكومي يقول إن العدد تجاوز 260 صحافيًا منذ بدء الحرب.
تخيل معي هذا العدد من الوجوه التي اعتدنا رؤيتها خلف الشاشات تختفي واحدة تلو الأخرى وكأن العالم يتفرج على فيلم حزين لا نهاية له.

قبل أيام وتحديدا في 21 يناير الماضي اهتز المشهد مجددا برحيل ثلاثة صحافيين دفعة واحدة:
عبد الرؤوف شعت ومحمد قشطة وأنس غنيم.
ثلاثة أسماء لم تكن مجرّد نقاط في خبر عاجل كانوا أشخاصا يحملون أحلامهم وطموحاتهم خرجوا لأداء واجبهم المهني لكن الرصاص أو شظايا الحرب كانت لهم بالمرصاد.

نحن في المرصد لا نطالب بشيء استثنائي.
القانون الدولي واضح وصريح: الصحافي في مناطق النزاع ليس هدفاً عسكرياً .
الكاميرا ليست صاروخاً والميكروفون ليس قنبلة.
لكن ما يحدث في الميدان يقول لنا عكس ذلك تماماً .
إما أن هناك من يتعمد إسكات الصوت الصحفي أو أن العمليات العسكرية تُدار بتهور لا يفرق بين مدني ومقاتل.
وفي كلتا الحالتين هذا جريمة مكتملة الأركان.

أستغرب حقاً من ردود الفعل الدولية التي لا تتعدى بيانات الاستنكار والشجب.
كم نحتاج من بيانات لندرك أن الدماء التي تُراق في غزة ليست مجرد مادة للتقارير الإخبارية؟

آن الأوان لأن تتحرك النقابات والاتحادات بشكل عملي وأن تطلب تحقيقات مستقلة تنظر في ملابسات كل حالة من هذه الحالات.
لا نريد تحقيقا يُجرى لتبرئة الذمة بل تحقيقا يشعر به أهل الضحايا أن عدالة الكلمة لا تزال قائمة وأن دماء أبنائهم ليست رخيصة.

ندرك تماماً أن الصحافة لا تستطيع إيقاف الحروب ونحن لسنا ساذجين لدرجة أن نعتقد ذلك. لكن الصحافة تستطيع فعل شيء أهم:
تستطيع أن تحفظ للتاريخ شهادات الشهداء وأن تسجل بأمانة من فعل بهم هذا وتحت أي ذريعة.
غزّة اليوم هي ساحة اختبار حقيقي لضمير العالم.
إما أن نحمي من يبقى منهم وإما أن نسمح لهم بأن يُذبحوا أمام أعيننا ونحن نلوح بأكفنا من بعيد.

لذا لنكتفِ بالكلام.
المطلوب الآن خطوات جريئة:
حماية فعلية للصحافيين وتحقيقات لا تخاف من كشف الحقائق ومحاسبة صارمة لكل من يثبت تورطه في استهدافهم سواء كان جندياً في الميدان أو قائداً أصدر الأوامر.

غزّة اليوم ليست مجرّد أرض يحدث فيها قتال
إنها وصية إنسانية مكتوبة بالدم على حائط الزمن.

هل سيقف العالم متفرجاً حتى يُكتب اسمها في سجل العار؟؟؟

هذا هو سؤالي الوحيد اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى