تحقيقات

بين الأنقاض والأمل .. تحقيق استقصائي في شركات إعادة الإعمار ودورها في النّهضة الاقتصاديّة والاجتماعيّة السّوريّة

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ تحقيقات
بقلم: جاسم صالح السفيرة

في مشهد يعكس تناقضات سوريا الرّاهنة تقف أكوام الأنقاض شاهدة على أربعة عشر سنة من الحرب بينما ترتفع في أفقها رافعات البناء ومضارب المقاولين تحمل وعوداً بإعادة ما دمرته نيران الصّراع.

ففي الوقت الذي تعاني فيه الغالبية العظمى من السوريين من فقر مدقع تجاوزت نسبته تسعين في المئة ومن تضخم جامح أنهك القدرة الشرائية تبرز مشاريع عمرانية وسكنية في مناطق متفرقة من البلاد ينفذها قطاع خاص يبحث عن موطئ قدم في سوق الإعمار الواعد.

هذا التحقيق يرصد واقع هذه الشركات ويكشف دورها في حركة النمو الاقتصادي والاجتماعي ويسبر أغوار التحديات التي تواجهها في محاولة للإجابة عن سؤال محوري:
هل تشكل هذه المشاريع نواة حقيقية للنهضة أم أنها مجرد إسعافات أولية في جسد منهك؟

الفصل الأول: خريطة الإعمار – من عفرين إلى ريف دمشق

تمتد مشاريع الإعمار السكني والبنية التحتية اليوم كخيوط عنكبوت دقيقة عبر الجغرافيا السورية وإن تفاوتت أحجامها ونطاقاتها تبعاً لطبيعة المناطق واستقرارها النسبي.

في ريف عفرين شمالي حلب برزت شركة وطن للإنشاءات كمثال على المشاريع المنفذة بتمويل من منظمات إغاثية. فقد نفذت الشركة مشروعاً لبناء خمسمئة وحدة سكنية بمساحة أربعين متراً مربعاً للوحدة بإجمالي مساحة سبعين ألف متر مربع ضم مدارس ورياض أطفال ومساجد ومركزاً صحياً وسوقاً تجارياً وحدائق وملعباً بإشراف من الهيئة العالمية للإغاثة والتنمية “أنصر”. وبحسب مصادر أخرى فإن المشروع كان جزءاً من قرية “الأمل 2” الاستيطانية النموذجية التي افتتحت في أيار 2023 مما يثير تساؤلات حول الطبيعة الإنسانية أو السياسية لبعض هذه المشاريع في مناطق خاضعة لسيطرة فصائل مدعومة من أنقرة.

وفي السياق ذاته نفذت شركة رواسي مشاريع سكنية في عفرين كان أبرزها بناء فيلا سكنية على مساحة ألفين وخمسمئة متر مربع إضافة إلى قرية “جود النموذجية” المؤلفة من ست وتسعين شقة سكنية مع مسجد ومدرسة وشبكات مياه وصرف صحي بتمويل من جمعية جود الخيرية الكويتية. هذه المشاريع وإن كانت محدودة العدد تشير إلى وجود حراك عمراني حقيقي في مناطق الشمال وإن كان يثير إشكاليات قانونية وإنسانية تتعلق بملكيات الأراضي والتعويضات.

أما في ريف دمشق فقد شهدنا ولادة شركات وطنية طموحة أبرزها شركة بكداش للتعهدات والمقاولات التي أسسها رجل الأعمال أحمد موفق بكداش برأسمال خمسة ملايين ليرة سورية. بكداش الذي عمل في مجال المقاولات منذ نحو عشر سنوات في ريف دمشق يؤكد أن شركته تسعى لتنفيذ مشاريع عقارية حكومية وخاصة بسرعة عالية وأسعار منافسة وأنها تحضر حالياً لإقامة مشاريع سكنية بريف دمشق. كما تعمل الشركة في مجال تجارة مواد البناء والإكساء والديكور واستيراد وتصدير المواد المسموح بها مما يجعلها نموذجاً للشركات المتكاملة التي تحاول تغطية سلسلة القيمة في قطاع البناء.

وفي ريف اللاذقية وتحديداً في جبلة وبانياس تتجه الأنظار نحو مشروع الطريق الشاطئي وهو مشروع بنية تحتية استراتيجي يمتد على طول أربعة وأربعين كيلومتراً. يعود تاريخ دراسة هذا المشروع إلى عام 2011 لكن الحرب حالت دون تنفيذه ويعاد اليوم طرحه ضمن خطط إعادة الإعمار والتطوير العمراني والبيئي. ويأمل القائمون عليه أن يكون شرياناً حيوياً يربط المدن الساحلية بكورنيش حديث يعزز الاستثمار السياحي ويوفر فرص عمل.

أما مدينة حمص فتشهد مشروعاً ضخماً هو “بوليفارد النصر” الذي وقعت محافظة حمص مذكرة تفاهم بشأنه مع شركة العمران للتطوير والاستثمار العقاري.
يهدف المشروع إلى إنشاء نحو أربعة آلاف وخمسمئة وحدة سكنية وتوفير خمسة عشر ألف فرصة عمل مباشرة خلال مرحلة التنفيذ ضمن خطة عمرانية متكاملة تشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والغاز.
ويعد هذا المشروع أحد أثني عشر مشروعاً استثمارياً تم توقيع مذكرات تفاهم بشأنها بحضور رئيس الجمهورية بتكلفة إجمالية تقارب أربعة عشر مليار دولار أمريكي.

الفصل الثاني: منصة إعمار سوريا – جسر بين الشركات والسوق

في محاولة لتنظيم قطاع الإعمار وتسهيل وصول الشركات إلى الفرص المتاحة أطلقت “منصة إعمار سوريا” كمنصّة إلكترونية متخصّصة تضم أكثر من مئتي شركة محلية وعربية وأجنبية. وتضم المنصة أسماء بارزة مثل مجموعة العجيمي الصناعية ومجموعة تميمي ودايكن وكابلات جدة والعميد القابضة وغيرها.

تقدم المنصة باقات اشتراك متنوعة تبدأ من 499 يورو سنوياً للباقة البرونزية وصولاً إلى 4999 يورو للباقة الماسية وتتيح للشركات عرض مشاريعها ومنتجاتها وخدماتها والنشر في الكتيب الرقمي وعرض المناقصات والوظائف. كما تنظم المنصة معارض سنوية مثل معرض “إعمار سوريا 2025” الذي شاركت فيه 260 شركة من 23 دولة ومعرض 2026 الذي استقطب أكثر من 270 شركة.

هذه المنصة وإن كانت خطوة تنظيمية إيجابية تظل محدودة التأثير في غياب استقرار سياسي وأمني شامل وغياب تمويل كافٍ لمشاريع الإعمار الكبرى.

الفصل الثالث: رجال الأعمال والرؤى – بين الطموح والواقع

خلف كل شركة يقف رجال أعمال يحملون رؤى وأحلاماً يختلط فيها الطموح الوطني بالرغبة في الربح والحماسة للإعمار مع إدراك حجم التحديات.

أحمد موفق بكداش المؤسس الشاب لشركة بكداش ينتمي إلى عائلة عريقة في صناعة البوظة لكنه اختار التوسع نحو قطاع المقاولات مستفيداً من خبرة عشر سنوات في ريف دمشق. ويسعى إلى تطوير نشاط صناعي إلى جانب أعمال المقاولات حيث أطلق منشأة لصناعة الآيس كريم المغلف ومادة الحلاوة الطحينية. هذا التنوع يعكس رؤية رجل أعمال يحاول بناء مجموعة متكاملة لكنه يطرح تساؤلاً حول تشتت الجهود بين الصناعة الغذائية ومقاولات البناء في مرحلة تتطلب تخصصاً وتركيزاً.

أما شركة الراقي للإنشاءات والمقاولات الحلبية فيتولى منصب المدير العام فيها نقيب مقاولي حلب يوسف رزوق. تأسّست الشركة عام 2020 ونفذت مشاريع في حلب وإدلب وسرمدا شملت الطرق والجسور وإعمار المدن وبناء المخيمات. ويؤكد رزوق أن الشركة تعمل على أن تكون المساحة الدنيا للمساكن التي تنجزها تسعين متراً مربعاً بدلاً من المساحة الدنيا المعروفة حالياً والتي لا تتجاوز ثلاثين متراً مربعاً وذلك حرصاً على راحة المشترين مطلقاً شعاراً:
“هدفنا ليس الربح وإنما إسعاد الناس من خلال توفير المسكن اللائق”.

الفصل الرابع: الأثر الاقتصادي – أرقام وحقائق

إذا نظرنا إلى الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع نجد أرقاماً مبشرة لكنها تظل متواضعة مقارنة بحجم الدمار.

مشروع بوليفارد النصر في حمص وحده يوفر خمسة عشر ألف فرصة عمل مباشرة خلال مرحلة التنفيذ.
وهذا رقم مهم في بلد تعاني فيه البطالة من مستويات قياسية.
كما أن المشاريع السكنية وإن كانت محدودة تساهم في تحريك عجلة قطاع البناء المرتبط بصناعات متعددة كالإسمنت والحديد والزجاج والدهانات والأثاث.

لكن هذه الأرقام تظل نقطة في بحر من الاحتياجات.
ففي محافظة حلب وحدها تجاوز عدد المساكن المتضررة 355 ألف مسكن تحتاج إلى ما يقدر بأربعة وأربعين مليار دولار لإعادة إعمارها.
أما التكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار في سوريا فتقدر بخمسمئة مليار دولار. وهذه المبالغ الفلكية تضع المشاريع القائمة في سياقها الصحيح:
إنها جهود أولية مهمة ولكنها غير كافية.

الفصل الخامس: البعد الاجتماعي

إسكان وإغاثة أم توطين سياسي؟

لا يمكن فصل مشاريع الإعمار عن أبعادها الاجتماعية والسياسية.
ففي مناطق الشمال السوري ترتبط مشاريع شركة وطن للإنشاءات وشركة رواسي بمنظمات إغاثية وخيرية وتنفذ في مناطق تخضع لسيطرة فصائل مدعومة من أنقرة. وهذا يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المشاريع تهدف إلى إسكان النازحين وتأمين سكن لائق لهم .
وفي المقابل تحاول بعض الشركات تقديم نفسها كجهات وطنية تساهم في إعادة الإعمار.
مشروع بوليفارد النصر في حمص على سبيل المثال يتضمن تخصيص وحدات سكنية لذوي الدخل المحدود وذوي الشهداء ضمن آلية توزيع عادلة تحفظ كرامة المواطن. وهذا يعكس محاولة لاستعادة الثقة بين الدولة والمواطن من خلال تقديم خدمات ملموسة.

الفصل السادس: العقبات والتحديات

لماذا لا تزال جهود الإعمار محدودة؟؟

رغم كل هذه المشاريع تبقى جهود إعادة الإعمار محدودة لأسباب عدة:

أولاً: غياب التمويل الكافي.
فالتكلفة الهائلة لإعادة الإعمار تفوق قدرات الحكومة السورية والقطاع الخاص المحلي والاستثمارات الخارجية ما زالت حذرة في ظل العقوبات الاقتصادية .

ثانياً: التضخم وارتفاع تكاليف البناء.
فمع استمرار تدهور قيمة الليرة السورية وارتفاع أسعار المواد الأولية تصبح تكلفة البناء مرتفعة مما ينعكس على أسعار الوحدات السكنية ويجعلها بعيدة عن متناول الغالبية.

ثالثاً: الفساد والاحتكار.
تشير بعض التقارير إلى وجود احتكار لقطاع الإنشاءات في بعض المناطق من قبل جهات نافذة مما يحد من المنافسة ويرفع الأسعار.

رابعاً: غياب الاستقرار الأمني في كثير من المناطق مما يثبط الاستثمار ويعيق تنقل المواد والعمال.

هل تشكّل هذه الشركات نواة النهضة؟؟؟؟

بعد هذا الاستقصاء يمكن القول إن شركات إعادة الإعمار في سوريا تمثل بارقة أمل لكنها ليست النهضة المنشودة.
إنها جهود فردية ومؤسسية بعضها إنساني وبعضها استثماري بعضها وطني وبعضها يخضع لأجندات سياسية.
لكنها في المجمل ترسم ملامح مستقبل ممكن وتؤكد أن الحياة تستمر رغم كل الصعاب.

ففي عفرين تُبنى البيوت وإن كانت صغيرة.
وفي ريف دمشق تُؤسّس الشركات وإن كان رأسمالها متواضعاً.
وفي حمص تُخطط المدن الجديدة وإن كان تنفيذها يحتاج إلى سنوات. وفي الساحل يُعاد تأهيل الطرق وإن كانت الدراسات تعود إلى عام 2011.

الأمل موجود لكن الطريق ما زال طويلاً وشاقاً.
وفي غياب حل سياسي شامل واستقرار أمني دائم وتمويل كافٍ ستظل هذه المشاريع مجرد إسعافات أولية لا علاجاً جذرياً.
السؤال الذي يبقى معلقاً في الهواء:
هل ستكون هناك إرادة حقيقية لتحويل هذه البوادر إلى نهضة شاملة أم ستبقى سوريا أسيرة أنقاضها لعقود قادمة ؟؟؟

حقوق النشر محفوظة – هذا التحقيق هو نتاج عمل استقصائي مستقل وليس بالضرورة أن تعبر آراؤه عن رأي أي جهة رسميّة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى