الخضر لم يغضب من أسئلة موسى .. بل من جرأته على الغيب …

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
لماذا لم يصبر سيدنا الخضر على أسئلة سيدنا موسى ؟
عليهما أفضل السّلام
في حضرة السّؤال.. حين يكون الصّمت أسمى من المنطق!!!
هناك أسئلة تفتح أبواب المعرفة… وأسئلة تهدم أسوار الجّهل ..
وأسئلة تكشف زيف المدعين..
لكن هناك سؤالاً واحداً في عمق النّص القرآني ظلّ يعصف بعقول المتأمّلين ويرهف حس الباحثين سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً لكنه في جوهره يقتحم حدود الإيمان ذاتها.
لماذا لم يصبر سيدنا الخضر على أسئلة النّبي موسى ؟؟
مع أنّ النّبي موسى جاء طالباً للعلم والسّؤال في العلم طبيعة بشريّة بل هو روح التّعلم ونبض الاستزادة؟؟؟.
سؤال لا يتعلّق بالتاريخ وحده بل بجوهر العلاقة بين المتعلم والمعلم بين الظاهر والباطن بين المنطق البشري والحكمة الإلهية .
سؤال يفضي بنا إلى سؤال أعمق متى يكون السؤال عبادة؟؟
ومتى يكون السؤال تمردا؟؟
ومتى يكون الصمت أعلى درجات الفهم لا أدناها؟..
ولا يمكن فهم هذا المشهد العظيم دون العودة إلى نصه المحكم حين التقي النيي موسى بالخضر كان اللقاء بين اثنين كلاهما مؤتمن على علم!!!
لكن علم النيي موسى ظاهر الشريعة.
وعلم العباد الخضر باطن القدر. وقبل أن ينطلقا معا وضع الخضر شرطه الشهير.
[ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ].
شرط صريح لا يحتمل التأويل يضع النبي موسى أمام خيارين إما الالتزام بالصمت وإما الفراق قبل البدء..
فقبل النبي موسى الشرط وأقسم عليه لكن قلبه النبوي الممتلئ بالحقيقة والعدل لم يطق صمتا أمام ما يراه من أفعال تخالف شرع الله الظاهر!!!!
فلمّا خرقت السفينة قال موسى [
أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا.].
ولمّا قتل الغلام
[ قال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ]وفي المرة الثالثة حين بنى الجدار دون أجر قال…
[ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ]..
ثلاث مرات ؟
ثلاث مخالفات للشرط !!.
ثلاث لحظات انكشف فيها سر الفارق بين مقام النبوة الظاهرة ومقام الولاية الباطنة؟؟؟
عندها قال العباد الخضر..
[ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرً]ا ..
ثم فسر كل فعل وكشف عن الحكمة الخفية وهنا تنكشف المفاجأة المذهلة كل ما فعله الخضر كان خيرا لكنه خير لا تدركه العقول السائلة ولا تستوعبه الأسئلة المتعجلة!!!
وهنا نقف بين منطق السؤال ومنطق الصمت!!
وهنا يبرز السؤال الذي طالما أربك العقول أليس من حق المتعلم أن يسأل؟؟
أليس السؤال شعار العلم ؟؟
وطريق المعرفة أليس العجب والاستفهام من طبيعة البشر التي خلقها الله ؟؟
وكيف يطلب العباد الخضر من النبي موسى الصمت وهو الذي جاء ليأخذ عنه علما جديدا!!!
الجواب يكمن في تمييز دقيق لا يراه إلا من تعمق في فلسفة المعرفة الروحية هناك نوعان من السؤال:؟
النوع الأول سؤال المتعلم المسترشد الذي يطرح أسئلته في حدود المنهج في الوقت المناسب وبالطريقة التي يسمح بها المعلم هذا السؤال مشروع بل مطلوب.
النوع الثاني سؤال المعترض المتعجل الذي يسبق به العلم ويريد تفسير كل شيء قبل أوانه فيخرب بذلك عملية التعلم ذاتها ويكشف عن عدم قدرته على التسليم للمعلم. .
النبي،موسى عليه السلام لم يسأل لأنه جاهل .
بل سأل لأنه رأى فعلا يخالف شريعة الله الظاهرة.. .
هو لم يسأل من باب أريد أن أفهم بل من باب هذا خطأ ولا يمكن السكوت عنه.
كان سؤاله انفعالا أخلاقيا وليس استفسارا معرفيا وهذا هو الفارق الجوهري!!
وماهي الحكمة الخفية للصبر شرطا لفهم الغيب
سيدنا الخضر لم يمنع السؤال مطلقا.
بل منعه في الوقت الذي يكون فيه الفعل قيد الحدوث .
وقبل أن تكتمل الصورة .
وقبل أن تظهر الحكمة النهائية كان يريد أن يعلّم موسى درسا هو جوهر الإيمان الغيبي …
هناك أمور لا تفهم في حينها وهناك حكمة لا تظهر إلا في النهاية .. وهناك خير يبدو شرا وشر يبدو خيرا والحكم النهائي ليس لما تراه العين بل لما تخفيه الأقدار!!
وهذا الدرس يتمثل في قوله تعالى [وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ]إنه درس في التسليم ليس للقدر فقط بل لله في قدره وللمعلم الذي آتاه الله علما من لدنه…
ومن منظور علم النفس المعرفي يمكننا قراءة هذه القصة كصراع بين أسلوبين في التعلم
التعلم الاستدلالي الذي يقوم على السؤال. ؟؟
والتساؤل والتعلم التلقي القائم على التسليم والثقة!!
سيدنا موسى كان يمثل العقل الاستدلالي الذي لا يقبل شيئا دون مبرر والذي يمارس نقده لكل فعل يخالف ما يعرفه هذا الأسلوب هو أساس العلم التجريبي وهو نمط التفكير الذي أنتج الحضارة البشرية
لكن سيدنا الخضر كان يمثل نمطا آخر من المعرفة أعمق وأكثر غموضا الذي لا يؤخذ بالسؤال بل بالذوق الروحي والتسليم القلبي وهذا النمط هو أساس المعرفة الباطنية واليقين الغيبي!!!
والصراع بينهما ليس صراع حق وباطل .
بل صراع تكامل بين نمطين من المعرفة كلاهما ضروري للحياة لكن لكل منهما مجاله ووقته .
فالعلم الظاهر لا يغني عن العلم الباطن .
والعقل لا يغني عن القلب والسؤال لا يغني عن الصمت!!
فالقصة ليست عن سيدنا موسى وسيدناالخضر فقط.
بل هي مرآة تعكس حالنا جميعا كم من مرات نرى حدثا في حياتنا أو نسمع خبرا أو نصادف موقفا فنستعجل بالحكم ونطلق الأسئلة الغاضبة ونطلب التفسير الفوري ولا نصبر حتى تظهر الحكمة ….
وكم من مرة مرضنا فسألنا لماذا أنا وكم ؟
من مرة خسرنا فقلنا لماذا هذا الظلم ؟؟
وكم من مرة رأينا ما لا يعجبنا فأنكرنا دون أن نعلم أن في الغيب خيرا لا نراه!!
نحن جميعاكسيدنا موسى في مواقف كثيرة نريد تفسيرا لكل شيء ونرفض أن نؤمن بما لا نفهم وننسى أن الإيمان بالغيب هو جوهر العقيدة..
وأن التسليم لله قبل الفهم هو قمة اليقين.
نحن نريد الله أن يعمل وفق منطقنا [ وحشا لله ذلك ]وأن يجيب أسئلتنا في وقتها وأن يفسر لنا كل شيء قبل حدوثه وهذا هو بعينه ما علّمه الخضر لموسى أن هناك علما لا يصل إليه العقل بالسؤال بل بالصبر والثقة.
ثم يأتي الفهم في النهاية حين تنكشف الصورة كاملة
والسؤال الذي يغير كل شيء؟؟
لعل السؤال الأهم الذي تطرحه هذه القصة ليس لماذا لم يصبرالعابد الخضر بل لماذا لم يستطع النبي،موسى أن يصبر !!.
والإجابة هي لأنسيدنا موسى كان نبيا والنبوة تقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورؤية المنكر تدفع النبي إلى رد الفعل الفوري لم يكن صبره ضعفا بل كان صبره مستحيلا في تلك اللحظة لأنه كان يعيش حالة تناقض بين ما يعلمه من الشريعة وما يراه من فعل يخالفها!!
ولهذا كان الفراق حتميا لم يفرق الخضر لأنه غضب بل لأن الدرس انتهى..
لأن موسى لم يستطع أن يكون تلميذا صامتا في لحظة كونه نبيا آمرا بالمعروف وهذان المقامان لا يجتمعان في لحظة واحدة..
رحلتنا مع هذه القصة تقودنا إلى خلاصة واحدة هناك علم لا يؤخذ بالسؤال .
وهناك حكمة لا تدرك بالاستعجال وهناك قدر لا يفهم في لحظته ليس كل سؤال خاطئا ؟؟
ولكن السؤال قبل الأوان يفسد الحكمة كما يفسد الطبيب عمليته إذا سأله المريض عن كل خطوة قبل أن ينجزها.
ندعوك عزيزي القارئ إلى وقفة تأملية كم مرة سألت ولم تصبر على الجواب؟؟
وكم مرة أسرعت في الحكم على موقف أو شخص ثم اكتشفت بعد حين أنك كنت مخطئا؟؟
وكم مرة تمنيت لو أنك صمت قليلا حتى تظهر الحقيقة كاملة؟؟
إن الصبر ليس ضعفا بل هو قوة عظيمة تمكنك من رؤية ما لا يراه المستعجلون..
إنه القدرة على تحمل الغموض والانتظار حتى يحين وقت الكشف وهذا هو جوهر الإيمان
لعلنا نتعلم من سيدنا موسى أنه سأل بصدق وتعلم من الخضر أنه أجاب بحكمة وتعلمنا نحن أن هناك أسئلة لا تطرح وأسئلة تطرح في غير وقتها وأن أحيانا يكون أعمق دروس العلم هو أن تسكت حتى تفهم!!
[بسن الله الرحمن الرحيموَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ]نعم فوق كل عالم عالم وفوق كل سؤال جواب وفوق كل جواب حكمة لا تظهر إلا لمن صبر حتى النهاية!!
رحم الله امرءا عرف أن السؤال سلاح ذو حدين .
وأن الصمت أحيانا يكون أبلغ من ألف سؤال..
وأن الإيمان الحقيقي لا يقاس بقدرة المرء على السؤال بل بقدرته على التسليم!!!!!!
هذا المقال بحسب علمي ومعرفتي وفهمي الشّخصي لا أكثر .
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




