حين يكتب الله النّجاة بحبر الخذلان

عكـس الاتّـجاه نيـوز _ مقالات
بقلم محمد ضياء الدّين بديوي رئيس تحرير عكس الاتّجاه نيوز و مستشار إبداعي في الشّؤون الإعلاميّة و الرّمزيّة
لاستدراج إلى الهاوية : كيف يكتب الله سقوط الظّالم على صفحات غروره وينقذ المظلوم من بين أنياب الخذلان ؟؟؟؟
فليست أعظم الدّروس تلك التي تمنحها الجّامعات ..
ولا أعمق الحقائق تلك التي تودعها الكتب في العقول.
فالمعارف التي تصنع الإنسان حقاً هي تلك التي تنتزع من قلب التّجربة انتزاعاً!!! وتولد من رحم الألم وتتشكّل فوق أنقاض الثّقة المكسورة!!!!
هناك حيث يقف المرء أمام حقيقة البشر مجرّداً من أوهامه يكتشف أنّ الحياة ليست مدرسة للمعرفة فحسب..
بل محكمة كبرى تمتحن الأرواح وتكشف المعادن وتفضح الأقنعة.!!
وما أقسى أن يأتي الدّرس من يد كنا نعدها امتداداً لأماننا؟؟؟
.وما أشد مرارة أن تتحوّل الوجوه التي أودعناها أسرارنا إلى سكاكين تختبر قدرة القلب على الاحتمال. ؟؟؟
فبعض الطعنات لا تستهدف الجسد بل تصيب يقين الإنسان بالناس وتزلزل الصور التي بناها عن الوفاء والإخلاص والمحبة.!!
غير أن ما يجهله كثيرون أن الخذلان ليس دائماً لعنة!!!
وأن الانكسار ليس دائماً هزيمة!!
ففي قلب أكثر اللحظات ظلمة قد تكون يد العناية الإلهية تعمل بصمت مهيب لتصنع نجاة لا يدرك الإنسان حقيقتها إلا بعد أن تمضي الأعوام….
وتنكشف الحجب!!.
كم من باب أغلقه الله فبكينا عند عتبته ثم اكتشفنا لاحقاً أنه كان باباً إلى الهلاك.؟؟؟
وكم من شخص أبعده الله عن حياتنا فظننا أن الدنيا قد ضاقت بنا فإذا بذلك الإبعاد نفسه أعظم وجوه الرحمة وأجمل صور النجاة.؟؟؟
إن الله حين ينقذ عباده لا يفعل ذلك دائماً بمعجزات صاخبة بل كثيراً ما يفعلها بخذلان يكشف حقيقة الأشخاص!! وبانكسار يحرر الروح من أوهامها وبألم مؤقت يمنع كارثة دائمة….
وهنا تتجلى عظمة الحكمة الإلهية التي ترى ما وراء المشهد..
وتبصر ما تعجز عنه العيون المحدودة.!! فالله لا ينظر إلى اللحظة .
بل إلى المصير
ولا يقيس الأحداث بميزان العاطفة العابرة.
بل بميزان العدالة المطلقة التي لا يعتريها نقص ولا يداخلها خطأ.!!
أما الظالم فإن أكثر ما يهلكه أنه يسيء قراءة صمت السماء.!!!
يظن أن تأخر العقوبة دليل براءة وأن امتداد النعم شهادة رضا وأن استمرار قوته إعلان انتصار.!!
فيغتر بنفسه ويتوهم أنه تجاوز حدود الحساب بينما يكون في الحقيقة قد دخل أخطر مراحل السقوط.!!
إنها سنة الاستدراج تلك السنة المرعبة التي لا يفهمها إلا أصحاب البصائر.!!!
إذ يفتح الله للظالم أبواباً يظنها منافذ للنجاة بينما هي ممرات تؤدي إلى هاوية أعمق. !!
ويمنحه من أسباب القوة ما يزيد غروره ويتركه يمعن في ظلمه حتى يبلغ الذروة التي تسبق الانهيار. !!
وحين تأتي ساعة الحقيقة لا يسقط من مكانته فحسب!!.
بل يسقط من الوهم الذي عاش فيه سنوات طويلة.!!
وما أشد فظاعة السقوط حين يأتي من القمة.؟؟؟
وما أقسى الانهيار حين يكون الإنسان هو الذي بنى بيديه أسباب هلاكه حجراً فوق حجر.؟؟؟
إن عقاب الله ليس دائماً ناراً تشتعل أمام الأعين….
أحياناً يكون العقاب حياة كاملة من القلق لا تنطفئ…
وقد يكون خوفاً يسكن القلب رغم كثرة الحراس…
وقد يكون فراغاً روحياً يلتهم صاحبه وسط مظاهر الثراء والنجاح…
وقد يكون لعنة خفية تجعل الإنسان محاطاً بالناس لكنه عاجز عن العثور على الطمأنينة التي لا تشترى ولا تستعار!!!.
أما المظلوم الذي ظن أن الطعنات أنهكته وأن الخيبات كسرت ظهره فإنه يكتشف في نهاية الطريق حقيقة مدهشة.
لم يكن الله يؤخر نصره بل كان يعده.!! ولم يكن يتركه وحيداً بل كان يحفظه من حيث لا يعلم.!!
ولم تكن الجراح سوى أدوات لصقل روحه وإعادة تشكيل وعيه ليصبح أكثر قوة وأكثر بصيرة وأكثر اقتراباً من الحقيقة…..
وهكذا تمضي الأيام شاهدة على قانون إلهي لا يتخلف.
فكل ظلم يحمل بذرة فنائه في داخله. وكل طغيان يحفر قبره بيديه وكل دمعة صادقة تسجل في سجل العدالة السماوية الذي لا يسقط منه حرف ولا تضيع فيه شكوى.!!
وفي النهاية لا ينتصر الأقوى ولا الأعلى صوتاً ولا الأكثر قدرة على الخداع. ينتصر من كان الله معه.!!!.
أما الظالم فمهما ارتفع فإن ارتفاعه ليس سوى المسافة التي سيسقط منها….
ومهما طال زمنه فإن الزمن نفسه يتحول إلى شاهد إدانة عليه.
تلك هي الحقيقة التي تتكرر منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة. !!
الله يمهل ولا يهمل.
ينجي أصحاب القلوب النقية ولو بعد حين!!
ويستدرج الظالم حتى يظن أن النجاة صارت حقاً مكتسباً له ثم يفاجئه بالعدالة في اللحظة التي يكون فيها أكثر غفلة وأشد غروراً.!!
وعندها يدرك الجميع أن السماء لم تكن صامتة أبداً وإنما كانت تكتب الفصل الأخير من القصة بحكمة لا يحيط بها إلا الله….
هذة هي حكمة الله أبدية أزلية لايدركها إلا العاقلون …
عكـس الاتّجـاه نيـوز
الحقيقـة الـكاملـة
معاً نصنع إعــلاماً جـديداً




